
يمثّل الإسلام واحدًا من أعمق التحولات الحضارية والدينية في تاريخ البشرية، إذ انطلق من مدينة مكة في غربي شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن السابع الميلادي على يد النبي محمد بن عبد الله، ليتحول خلال أقل من قرن من دعوة دينية محدودة النطاق إلى نظام سياسي وحضاري امتد من حدود الصين شرقًا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية غربًا
[1]
وعلى مدى أكثر من 1400 عام، شكّل تاريخ الإسلام سلسلة متصلة من الحقب المتمايزة: العصر النبوي الذي وضع الأساس العقدي والسياسي، فالخلافة الراشدة التي أرست نموذج الحكم الأول بعد وفاة النبي، فالدولتين الأموية والعباسية اللتين حوّلتا الدولة الإسلامية إلى إمبراطورية عابرة للقارات، ثم عصر تعدد السلالات الإقليمية الذي أعقب تراجع السلطة المركزية للخلافة العباسية، فالخلافة العثمانية التي استمرت أكثر من ستة قرون، وصولًا إلى العصر الاستعماري وتشكل الدول القطرية الحديثة في العالم الإسلامي.
[2]
وتكمن أهمية دراسة هذا التاريخ في أن الإسلام لم يبقَ ظاهرة دينية محضة، بل أنتج حضارة متكاملة أسهمت في الفلسفة والعلوم والطب والرياضيات والعمارة، وأثّرت بعمق في مسار التاريخ الأوروبي والآسيوي والأفريقي على حد سواء. واليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من نشأته، يُعدّ الإسلام ثاني أكبر الأديان من حيث عدد المعتنقين عالميًا، إذ يضم نحو 1.9 إلى 2 مليار نسمة يمثلون قرابة ربع سكان الأرض، ويشكلون الأغلبية في نحو خمسين دولة تمتد من غرب أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا.
[3]
| التأسيس والانطلاق | |
| المؤسس | النبي محمد بن عبد الله (نحو 570 – 632م) [1] |
| مكان النشأة | مكة المكرمة، شبه الجزيرة العربية |
| بداية الوحي | نحو 610م [1] |
| الهجرة النبوية | 622م، من مكة إلى يثرب (المدينة المنورة) [4] |
| اعتماد التقويم الهجري | 639م، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب [5] |
| المراحل التاريخية الكبرى | |
| العصر النبوي | 610 – 632م |
| الخلافة الراشدة | 632 – 661م |
| الخلافة الأموية | 661 – 750م (دمشق) |
| الخلافة العباسية | 750 – 1258م (بغداد) |
| عصر السلالات الإقليمية | القرن 9 – 13م |
| الخلافة العثمانية | 1299 – 1924م |
| العصر الاستعماري والحديث | أواخر القرن 19م – الوقت الحاضر |
| الامتداد الجغرافي التاريخي | |
| أقصى امتداد (العصر الأموي) | من الأندلس غربًا إلى حدود الصين وشبه القارة الهندية شرقًا |
| المراكز الحضارية الكبرى | مكة، المدينة، دمشق، بغداد، القاهرة، قرطبة، إسطنبول |
| الوضع المعاصر | |
| عدد المعتنقين عالميًا | نحو 1.9 – 2 مليار نسمة [3] |
| النسبة من سكان العالم | نحو 24 – 25% [3] |
| الدول ذات الأغلبية المسلمة | نحو 49 – 50 دولة |
يتناول هذا المقال تاريخ الإسلام وفق تسلسله الزمني الطبيعي، بدءًا من البيئة التي ظهر فيها في شبه الجزيرة العربية، مرورًا بحقبه السياسية الكبرى المتعاقبة، وصولًا إلى وضعه المعاصر، اعتمادًا على المصادر التاريخية الإسلامية الكلاسيكية الكبرى إلى جانب المراجع الأكاديمية الدولية المعتمدة.
شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام




قبل ظهور الإسلام، كانت شبه الجزيرة العربية تعيش في حقبة يصفها المؤرخون المسلمون بـ«الجاهلية»، وهو مصطلح لا يشير بالضرورة إلى الجهل بالمعنى المعرفي، بل إلى غياب الرسالة الدينية التوحيدية الشاملة، وإلى نمط اجتماعي قائم على الانقسام القبلي الحاد
[6]
. وكانت القبيلة، لا الدولة، هي الوحدة السياسية والاجتماعية الأساسية؛ إذ يجمع أفرادها نسب مشترك، ويسود بينها نظام أبوي صارم يحصر الميراث والزعامة في الذكور، بينما كانت السلطة داخل القبيلة تُمارَس عبر شيخ يُختار لحكمته وشجاعته وكرمه، يعاونه مجلس من وجهاء القبيلة في الفصل بالمنازعات وقيادة الحروب.
[7]
ودينيًا، سادت في الجزيرة العربية عبادات وثنية متعددة الآلهة، ارتبط أغلبها بالأجرام السماوية وبقوى الحماية والانتقام من الأعداء، مع وجود جيوب من اليهودية والمسيحية في أطراف الجزيرة كاليمن والحيرة والشام .[8]
وكانت الكعبة في مكة، التي تنسبها الروايات الإسلامية إلى بناء النبي إبراهيم، أهم مزار ديني في الجزيرة، إذ ضمّت في العصر الجاهلي مئات الأصنام التي كانت القبائل المختلفة تحج إليها سنويًا. .
وحضاريًا وفكريًا، أنتج هذا التاريخ الطويل واحدة من أغنى الحضارات الإنسانية، إذ أسهم علماء العالم الإسلامي في الرياضيات والطب والفلك والفلسفة بما شكّل جسرًا معرفيًا حيويًا بين الحضارة اليونانية القديمة والنهضة الأوروبية اللاحقة، عبر مراكز علمية متعاقبة كبيت الحكمة في بغداد، وقرطبة الأموية، والأزهر الفاطمي ثم السني، والمدارس النظامية السلجوقية. ودينيًا وروحيًا، حافظ الإسلام عبر كل هذه التحولات السياسية العاصفة على استمراريته كمنظومة عقدية وشعائرية موحدة نسبيًا، رغم الانقسامات المذهبية الكبرى التي أنتجتها أحداث سياسية مبكرة كالفتنة الكبرى ومعركة كربلاء، ليبقى اليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من نشأته في مكة، ثاني أكبر الأديان في العالم من حيث عدد المعتنقين، وأحد أكثر المنظومات الحضارية تأثيرًا في تشكيل التاريخ الإنساني المشترك.