تُعد الدولة الإدريسية أول دولة إسلامية مستقلة قامت في المغرب الأقصى، إذ حكمت من سنة 789م حتى سنة 921م تقريبًا، وقد أسسها إدريس بن عبد الله، وهو شريف من نسل النبي محمد عبر ابنه الحسن بن علي، فرّ من المشرق الإسلامي إلى أقصى الغرب هربًا من الاضطهاد العباسي. وقد نجح إدريس، بفضل نسبه الشريف الذي أكسبه احترامًا فوريًا لدى القبائل البربرية المحلية، في إخضاع قبائل شمال المغرب وجزء من السهول الأطلسية لسلطته، واضعًا بذلك أساس أول تنظيم سياسي مركزي في المنطقة يقوم خارج إطار النظام القبلي البربري التقليدي. وقد واصل ابنه إدريس الثاني مسيرة والده، فأسس سنة 808م مدينة فاس عاصمة لمملكته الوليدة، لتصبح منذ ذلك الحين مركزًا سياسيًا ودينيًا كبيرًا ظل قائمًا حتى اليوم، بل احتضنت هذه المدينة لاحقًا جامعة القرويين، إحدى أقدم المؤسسات التعليمية العاملة بلا انقطاع في العالم.

معلومات عامة
الاسم الدولة الإدريسية
الفترة 789م – نحو 921م
العاصمة وليلي، ثم فاس منذ 808م
المؤسس إدريس بن عبد الله (حكم 789 – 791)
النسب من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب
محطات حاسمة
استقرار إدريس الأول في وليلي 788م
تأسيس فاس 808م، على يد إدريس الثاني
تأسيس جامع القرويين 859م، على يد فاطمة الفهرية
مدفن إدريس الأول والثاني زاوية إدريس الأول وضريح إدريس الثاني في فاس
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولًا: إدريس بن عبد الله ومعركة فخ

كان إدريس بن عبد الله بن الحسن أحد الناجين القلائل من معركة فخ، وهي مواجهة دامية سقط فيها كثير من العلويين، أحفاد الإمام علي بن أبي طالب، قتلى على يد القوات العباسية التي سعت لسحق أي تحرك علوي منافس لشرعية الخلافة العباسية القائمة. وقد اضطر إدريس، بعد نجاته من هذه المذبحة، إلى الفرار غربًا بعيدًا عن مركز السلطة العباسية، حتى استقر به المقام أخيرًا في مدينة طنجة أقصى شمال المغرب.

ثانيًا: الاستقرار في وليلي وتأسيس الدولة

استضاف زعيم قبيلة أوربة البربرية إدريس بن عبد الله في مقر حكمه بمدينة وليلي، سعيًا منه لتعزيز موقعه السياسي بالاستعانة بنسب إدريس الشريف المتصل بالنبي محمد مباشرة، فانتقل إدريس إلى وليلي سنة 788م، وبويع في العام التالي إمامًا على قبيلة أوربة. وقد استغل إدريس هذه المكانة الدينية والسياسية الجديدة ليوسع نفوذه تدريجيًا على قبائل بربرية أخرى في شمال المغرب وأجزاء من السهول الأطلسية، مؤسسًا بذلك أول تنظيم سياسي مركزي إسلامي يقوم خارج بنية النظام القبلي البربري التقليدي السائد آنذاك في المنطقة. غير أن نجاح إدريس المتصاعد أثار قلق الخلافة العباسية البعيدة، فأرسلت من دسّ له السم اغتيالًا سنة 791م، لينتهي بذلك عهده القصير بعد أقل من ثلاث سنوات فقط من الحكم.

ثالثًا: إدريس الثاني وتأسيس مدينة فاس

وُلد إدريس الثاني بُعيد وفاة والده مباشرة، وتولى قيادة الدولة الوليدة رسميًا وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، ليواصل مسيرة والده التوسعية دون أن ينجح في إخضاع كامل أراضي المغرب لسلطته الكاملة. وقد أسس إدريس الثاني سنة 808م مدينة فاس عاصمة جديدة لمملكته، لتصبح منذ ذلك الحين مركزًا سياسيًا ودينيًا رئيسيًا في المغرب استمرت أهميته قرونًا طويلة تالية. ويُعد الإدريسيون أول من نظّم، خارج إطار النظام القبلي البربري السائد، حكومة مركزية ضمت عناصر عربية إلى جانب العنصر البربري المحلي، في نموذج إداري مبكر أرسى تقليدًا سياسيًا استمر يؤثر في تشكيل الدولة المغربية لقرون تالية.

لقد بُنيت فاس على يد رجل شريف حمل معه إلى المغرب اسم النبي ونسبه، فصارت المدينة أول عاصمة إسلامية حقيقية في أقصى الغرب.
— من وصف المؤرخين المغاربة المتأخرين لدور إدريس الثاني في تأسيس فاس

رابعًا: جامع القرويين وفاطمة الفهرية

أسست فاطمة الفهرية، وهي امرأة ثرية من أصل تونسي هاجرت مع عائلتها من مدينة القيروان إلى فاس، جامع القرويين سنة 859م، لينمو هذا الجامع تدريجيًا ليصبح واحدًا من أقدم الجامعات العاملة بلا انقطاع في العالم. وقد اتسع جامع القرويين لاحقًا في القرن الثاني عشر ليصبح أكبر مسجد في شمال أفريقيا، بسعة تستوعب نحو اثنين وعشرين ألف مصلٍّ، واستمر عبر تاريخه الطويل مركزًا علميًا استقطب علماء بارزين تركوا بصمات عميقة في تاريخ الفكر الإنساني، من أمثال الفيلسوف ابن رشد، والبابا سلفستر الثاني الذي أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا لاحقًا، والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، والمؤرخ ابن خلدون. وتحتفظ فاس القديمة حتى اليوم بمقام إدريس الأول وضريح إدريس الثاني نفسه، إلى جانب مسجد القرويين التاريخي وجامعتها العريقة التي أُنشئت سنة 1974م بجوارها، وهو ما يعكس استمرار حضور الإرث الإدريسي في نسيج المدينة حتى العصر الحديث.

خامسًا: تراجع الدولة الإدريسية وانقسامها

لم تدم قوة الدولة الإدريسية الموحدة طويلًا بعد وفاة إدريس الثاني، إذ انقسمت أراضيها بين أبنائه المتنافسين، وهو انقسام أضعف تدريجيًا قدرة الأسرة الحاكمة على الحفاظ على وحدة سياسية متماسكة عبر أرجاء المغرب الشاسعة. وقد وجدت الدولة الإدريسية نفسها في موقع جغرافي وسياسي بالغ الحساسية، محصورة بين قوتين متنافستين كبريين، الخلافة الفاطمية الشيعية الناشئة في مصر شرقًا، والخلافة الأموية السنية القائمة في قرطبة بالأندلس شمالًا، فاضطرت للمناورة الدبلوماسية الحذرة بين الطرفين، مسترضية أحيانًا هذا الطرف وأحيانًا أخرى ذاك، سعيًا للحفاظ على استقلالها النسبي المتضائل.

سادسًا: سقوط الدولة الإدريسية

أدى هذا الضغط المزدوج المستمر إلى إضعاف الدولة الإدريسية تدريجيًا حتى تلاشى نفوذها السياسي الفعلي بحلول أوائل القرن العاشر الميلادي، لتنتهي في نهاية المطاف سيطرتها على أراضيها الأصلية، بعد أن اعتمدت لفترة على دعم الخلافة الأموية في قرطبة للحفاظ على بقائها، قبل أن ينتهي حكم الأسرة الإدريسية نهائيًا في العقد الأول من القرن العاشر الميلادي.

سابعًا: الإرث التاريخي للدولة الإدريسية

يُعد المؤرخون الإدريسيين، رغم قصر عمر دولتهم السياسي نسبيًا مقارنة بدول إسلامية أخرى في المنطقة، مؤسسي أول دولة مغربية حقيقية في التاريخ، إذ أرسوا تقليدًا سياسيًا ودينيًا استمر أثره حاضرًا في بنية الدولة المغربية حتى العصر الحديث، وفي مقدمته تقليد الحكم الشريف القائم على النسب المتصل بالنبي محمد، والذي لا تزال الأسرة الملكية المغربية الحاكمة اليوم تستند إليه في شرعيتها. كما يبقى الإرث العلمي والحضاري للدولة الإدريسية حاضرًا بقوة حتى اليوم من خلال مدينة فاس نفسها وجامعها التاريخي القرويين، اللذين لا يزالان يمثلان أحد أعمدة التراث الحضاري الإسلامي في المغرب الأقصى، ومرجعًا ثقافيًا ودينيًا يتجاوز حدود المغرب إلى العالم الإسلامي بأسره.