تُعدّ ثورة أبي مسلم الخراساني، المعروفة أيضًا بالدعوة العباسية أو الثورة العباسية، واحدة من أكثر المنعطفات حسمًا في تاريخ الدولة الإسلامية، إذ انطلقت من إقليم خراسان النائي في أقصى شرق الخلافة الأموية سنة 747م لتنتهي خلال ثلاث سنوات فقط بإسقاط الأسرة الأموية الحاكمة كليًا وتنصيب الأسرة العباسية مكانها. وكان أبو مسلم، وهو شخصية غامضة النسب سريعة الصعود، العقل التنظيمي والعسكري الذي حوّل دعوة سرية استمرت عقودًا من العمل الخفي إلى ثورة مسلحة كاسحة، إذ رفع راية الثورة في خراسان في الخامس عشر من يونيو سنة 747م فانتشر التمرد بسرعة في الإقليم وامتد إلى ولايات أخرى، وكان أبو مسلم هو المنظم العسكري الأول لهذا الزحف. وقد استندت هذه الثورة إلى تراكم طويل من مظالم اجتماعية وسياسية عانى منها غير العرب من المسلمين، المعروفون بالموالي، الذين ظلوا خارج البنية القبلية العربية ويُنظر إليهم بوصفهم طبقة أدنى داخل الدولة الأموية رغم اعتناقهم الإسلام. وقد انتهت هذه الثورة بمأساة شخصية لقائدها نفسه، إذ أعدمه الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور سنة 755م خشية من نفوذه المتعاظم، ليتحول أبو مسلم بعد موته إلى رمز شبه أسطوري في الذاكرة الإيرانية استمر حاضرًا في الأدب والملاحم الشعبية الفارسية لقرون طويلة تالية.

معلومات عامة
اسم الحدث ثورة أبي مسلم الخراساني (الدعوة العباسية)
المكان إقليم خراسان، ثم امتدادًا إلى العراق وبلاد الشام ومصر
التاريخ 747م – 750م (المرحلة العسكرية الحاسمة)
القائد الميداني أبو مسلم الخراساني (توفي فبراير 755م)
محطات حاسمة
رفع راية الثورة 15 يونيو 747م في خراسان
إعلان أول خليفة عباسي أبو العباس السفاح، سنة 749م
معركة الزاب الكبرى 750م، هزيمة ومقتل آخر الخلفاء الأمويين مروان الثاني
تولي أبي مسلم ولاية خراسان مكافأةً له من العباسيين على خدماته العسكرية
مقتل أبي مسلم فبراير 755م، بأمر الخليفة أبي جعفر المنصور
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولًا: خراسان قبيل الثورة وجذور السخط على الحكم الأموي

لم تكن ثورة أبي مسلم حدثًا مفاجئًا بقدر ما كانت تتويجًا لعقود من التوتر المتراكم داخل بنية الدولة الأموية، وفي مقدمة ذلك وضعية الموالي، أي غير العرب الذين اعتنقوا الإسلام وأصبحوا يُعاملون بوصفهم عملاء تابعين للقبائل العربية دون أن يحظوا بمساواة كاملة معهم، وهو وضع خلق توترات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل العالم الإسلامي المتوسع. وقد شكّل هذا الاستياء المتنامي بين الموالي، وأغلبهم من الفرس في خراسان وما وراء النهر، أرضية خصبة لأي حركة معارضة تعد بالمساواة، وهو ما استثمرته الدعوة العباسية ببراعة حين قدّمت نفسها بديلاً جامعًا يتجاوز الانقسام العرقي بين العرب وغير العرب. وقد أشار مؤرخو الأسرة العباسية لاحقًا إلى أن الخلافة العباسية، بعد استيلائها على السلطة سنة 750م، اتجهت فعلاً نحو قاعدة أكثر عالمية في توزيع النفوذ داخل الدولة، مؤكدة الانتماء إلى جماعة المؤمنين على حساب الانتماء القبلي العربي الصرف، وهو تحول يعكس بوضوح الدور الذي لعبه الدعم الفارسي الواسع في نجاح الثورة أصلًا.

ثانيًا: نشأة أبي مسلم وأصوله الملتبسة

تتضارب الروايات التاريخية حول أصل أبي مسلم ونسبه تضاربًا كبيرًا، غير أن الأرجح بين المصادر أنه كان سليل عبد من أصل فارسي، وبذلك كان يُصنَّف مولى، أي مسلمًا غير عربي يحظى بمكانة اجتماعية متدنية في ظل النظام الأموي. وقد التقى به مبعوث الإمام العباسي، الذي كان مسجونًا لفترة وجيزة، أثناء اعتقاله سنة 741م، فرتّب لاحقًا الإفراج عنه، ليتلقى أبو مسلم بعدها توجيهات مباشرة من الإمام العباسي قبل أن يُرسَل إلى خراسان في الفترة الممتدة بين عامي 745 و746م لتحريض السكان على الثورة هناك. وتشير الروايات الفارسية المتأخرة إلى تعدد الاختلاف حول اسمه الأصلي وموطنه، إذ ينسبه بعضها إلى نسل الوزير الساساني الأسطوري بزرجمهر ويسميه إبراهيم، بينما ينسبه بعضها الآخر إلى عائلات أخرى مختلفة تمامًا، وهو ما يعكس حجم الغموض الذي أحاط بشخصيته منذ زمن مبكر وأسهم لاحقًا في تحوله إلى شخصية شبه أسطورية. ورغم هذا الغموض في الأصل، فقد أثبت أبو مسلم منذ اللحظة الأولى قدرة استثنائية على تجاوز الاستهانة التي واجهها بسبب نسبه المجهول، مستفيدًا من الانقسامات الاجتماعية العميقة التي كانت تعتمل في خراسان، حيث كان العباسيون قد دأبوا على الدس والدعاية السرية ضد الأمويين لعشرين عامًا كاملة قبل ظهوره.

ثالثًا: اندلاع الثورة ورفع الرايات السود

في الخامس عشر من يونيو سنة 747م، رفع أبو مسلم رسميًا راية الثورة، فانتشر التمرد بسرعة لافتة في مختلف أنحاء خراسان ثم امتد إلى ولايات مجاورة، وتولى أبو مسلم بنفسه مهمة التنظيم العسكري الرئيسي لهذا الزحف الثوري المتصاعد. وقد أظهر أبو مسلم منذ البداية براعة تنظيمية فائقة في توحيد جماعات متباينة الانتماء والمصلحة تحت راية واحدة موجهة ضد الحكم الأموي، سواء من العرب الساخطين على مركزية دمشق أو من الموالي الفرس الباحثين عن المساواة، مستغلًا حالة الاستياء العارمة التي كانت تعم الإقليم بأسره في تلك اللحظة التاريخية.

رابعًا: انهيار السلطة الأموية في خراسان وتوسع الزحف الثوري

سرعان ما تداعت مواقع الحكم الأموي في خراسان أمام زحف القوات الثورية، ثم توسعت رقعة الثورة تدريجيًا لتشمل العراق نفسه، معقل الشيعة والمعارضين التقليديين للحكم الأموي، وذلك بدعم واسع من عناصر فارسية وعراقية وشيعية شكّلت معًا التحالف الذي حمل الدعوة العباسية إلى النصر النهائي. وفي خضم هذا التوسع، أُعلن أبو العباس عبد الله بن محمد، الملقب بالسفاح، أول خليفة عباسي سنة 749م، وذلك بعد أن اضطرت الأسرة العباسية إلى الفرار من مواطنها الأصلية والاحتماء بالكوفة إثر اعتقال الخليفة الأموي مروان الثاني لرأس الأسرة العباسية آنذاك، إبراهيم الإمام، الذي توفي لاحقًا في الأسر.

خامسًا: معركة الزاب الكبرى وسقوط الخلافة الأموية

كان مروان الثاني، حفيد الخليفة مروان الأول، قد تولى منصب حاكم أرمينيا ومناطق أخرى مدة اثني عشر عامًا اكتسب خلالها خبرة عسكرية دفعته لاحقًا إلى إعادة تنظيم الجيش الإسلامي على أسس جديدة، مستبدلًا النظام التقليدي القائم على الولاءات القبلية بفرق أصغر وأكثر حركية يقودها ضباط محترفون بأجر ثابت. وبعد توليه الخلافة سنة 744م، نجح مروان الثاني في استعادة السيطرة على بلاد الشام بحلول سنة 746م، غير أن اندلاع الثورة العباسية سنة 747م قلب موازين القوى جذريًا، إذ التقت قوة موحدة من العباسيين والفرس والعراقيين والشيعة في معركة حاسمة على ضفاف نهر الزاب الكبير سنة 750م، أسفرت عن هزيمة ساحقة للجيش الأموي. وقد أفضى مقتل مروان الثاني بُعيد هذه الهزيمة، وهو يحاول الفرار جنوبًا نحو مصر، إلى إسدال الستار نهائيًا على الأسرة الأموية بعد قرابة قرن كامل من الحكم.

سادسًا: أبو مسلم واليًا على خراسان وذروة نفوذه

كافأ العباسيون أبا مسلم على خدماته الحاسمة في إسقاط الحكم الأموي بتوليته حكم إقليم خراسان بأكمله، وظل العباسيون في السنوات التالية معتمدين عليه اعتمادًا كبيرًا في حفظ النظام، فأخلص أبو مسلم لرعاته الجدد بالانتصار على أعدائهم في الداخل والخارج على حد سواء. وقد بلغ نفوذ أبي مسلم في تلك المرحلة حدًا جعله الحاكم الفعلي غير المنازَع على إيران وما وراء النهر بأسرها، وإن ظل اسميًا تابعًا لسلطة الخليفة العباسي في العاصمة، وهو تناقض بنيوي بين النفوذ الفعلي والتبعية الاسمية سيثبت لاحقًا أنه كان يحمل بذور صدام لا مفر منه مع المركز العباسي الناشئ.

سابعًا: التوتر مع الخليفة المنصور ومقتل أبي مسلم

رغم أن العباسيين استندوا في جزء كبير من تربّعهم على العرش إلى انتصارات أبي مسلم العسكرية وبراعته السياسية، فإنهم أخذوا يتوجسون شيئًا فشيئًا من تابع بلغ من القوة والشعبية حدًا يهدد استقرار الأسرة الحاكمة نفسها، وبتولي الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور، مقاليد الحكم سنة 754م، وكان معروفًا بشكوكه المرضية، أصبح مصير أبي مسلم مرهونًا بحسابات هذا الخليفة الجديد. وقد كان أحد أول أفعال المنصور فور توليه الخلافة أن دبّر التخلص من الرجل الذي أعانه أصلًا على الوصول إلى العرش، أي أبي مسلم نفسه، في خطوة استهدفت إزاحة منافس محتمل من جهة، والنأي بالأسرة العباسية عن أنصارها “المتطرفين” الأوائل من جهة أخرى. وهكذا استُدرج أبو مسلم إلى لقاء الخليفة في مدينة المدائن في فبراير سنة 755م، حيث لقي حتفه غيلة، لتنتهي بذلك حياة الرجل الذي صنع الانتصار العباسي بيديه.

لقد كنتَ أنت من صنعتَ لهم هذا الأمر، فكيف تسمح لهم أن يجعلوك أداةً ثم يستغنوا عنك حين تنتهي حاجتهم إليك؟
— من الحوار المنسوب إلى أبي مسلم قبيل مقتله، بحسب الروايات التاريخية المتأخرة

ثامنًا: تداعيات مقتله وثورات الانتقام

لم يمر مقتل أبي مسلم دون رد فعل عنيف في خراسان والأقاليم الإيرانية المجاورة، إذ اندلعت مباشرة بعد وفاته سنة 755م ثورة قادها رجل يدعى سنباذ، وُصف بأنه من أتباع الديانات الإيرانية القديمة، مطالبًا بالثأر لمقتل أبي مسلم. كما ظهرت جماعة أخرى ارتبط اسمها بأبي مسلم، عُرفت بالراوندية، اتُّهمت بالإيمان بتناسخ الأرواح واعتبار الخليفة المنصور نفسه إلهًا لها، وهو ما يعكس حجم القداسة شبه الدينية التي أحاطت بشخصية أبي مسلم في وعي بعض أتباعه حتى في حياته. وتشير المصادر المتخصصة في تاريخ إيران القديم إلى أن ثمة تكهنات ربطت بين أبي مسلم والديانة الزرادشتية، عززها سعيه هو نفسه إلى سحق حركة بهافريد التي أدخلت ابتكارات على تلك الديانة، وكذلك واقعة أن الثائر سنباذ نفسه، الموصوف بالمجوسي، سعى إلى الثأر لمقتله تحديدًا.

تاسعًا: إرث أبي مسلم في الذاكرة الفارسية والثقافة الشعبية

تحوّلت سيرة أبي مسلم بعد مقتله إلى مادة خصبة للملاحم الشعبية والسير الأسطورية، وأبرزها كتاب أخبار أبي مسلم صاحب الدعوة لمحمد بن عمران المرزباني، وكذلك السيرة الشعبية المعروفة باسم أبو مسلم نامه لأبي طاهر طرسوسي، والتي حوّلت أبا مسلم في الرواية الفارسية وترجمتها التركية إلى بطل أسطوري ناصر للحق وقامع للظلم، بل صُوّر فيها بوصفه صانع معجزات مباركًا من النبي محمد ومواليًا لآل البيت. وقد ارتبط اسمه لاحقًا بجماعات صوفية معروفة باسم الفتوة أو الأخي، كما ارتبط تحديدًا بالطريقة البكتاشية التي تُعلّق في زواياها فأسًا صغيرًا يُنسب إليه بوصفه سلاحه الخاص، فيما ظل يحظى بتبجيل خاص لدى الأوزبك والتركمان في آسيا الوسطى وسكان الجبال في داغستان. وبمعزل عن هذا البعد الأسطوري المتأخر، فإن أثره التاريخي الفعلي يكمن في أن ثورته مثّلت انبعاثًا حقيقيًا للثقافة الفارسية التي هيمنت لاحقًا لقرون طويلة على أجهزة الحكم في الخلافة، كما مهّدت الطريق أمام بروز الدويلات المحلية الإيرانية المستقلة تدريجيًا عن المركز العباسي، وهي نتيجة تاريخية بعيدة المدى تجاوزت بكثير الأهداف المباشرة والمعلنة للثورة نفسها حين اندلعت سنة 747م.