الدولة الزيرية هي دولة بربرية صنهاجية حكمت إقليم إفريقية، الموافق تقريباً لتونس الحالية وأجزاء من شرق الجزائر وغرب ليبيا، بين عامي 972م و1148م تقريباً، بوصفها في مراحلها الأولى نواباً موالين للخلافة الفاطمية الشيعية التي كانت قد اتخذت القاهرة عاصمة جديدة لها عام 972م، قبل أن يعلن الزيريون استقلالهم التام لاحقاً عام 1048م ويتحولوا إلى المذهب السني، متخلين عن ولائهم للفاطميين ومعلنين اعترافهم بشرعية الخلافة العباسية السنية في بغداد بدلاً منهم. ويُعد الزيريون، المنحدرون من قبيلة صنهاجة الأمازيغية الكبرى، أول أسرة حاكمة بربرية الأصل تتولى السلطة في المغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى، إذ أسس الدولة زيري بن مناد، أحد أبرز حلفاء الفاطميين العسكريين، قبل أن يرث ابنه بلقين بن زيري منصب النيابة الفاطمية الرسمية على إفريقية عام 972م. وقد شهدت الدولة الزيرية في عهودها المبكرة ازدهاراً اقتصادياً وثقافياً ملحوظاً، لا سيما في عاصمتها القيروان التي غدت مركزاً تجارياً وعلمياً ودينياً بارزاً، بما في ذلك ازدهار جالية يهودية نشطة فكرياً واقتصادياً استفادت من سياسة التسامح النسبي التي انتهجها الحكام الزيريون تجاهها. غير أن إعلان الاستقلال عن الفاطميين عام 1048م جلب على الدولة الزيرية عقاباً استراتيجياً فاتكاً، إذ أرسل الفاطميون قبائل بني هلال وبني سليم العربية البدوية لغزو المغرب الإسلامي انتقاماً من هذا التمرد، وهو ما أحدث اضطراباً اقتصادياً وديموغرافياً عميقاً استمر أثره لقرون، ودفع الزيريين لاحقاً إلى نقل عاصمتهم إلى مدينة المهدية الساحلية، حيث ظلت الدولة تصارع من أجل البقاء حتى سقطت نهائياً بيد النورمان الصقليين عام 1148م.
| معلومات عامة | |
| التسمية | الدولة الزيرية (بنو زيري) |
| الانتماء العرقي | أمازيغي (بربري) من قبيلة صنهاجة |
| فترة الحكم في إفريقية | 972م – 1148م |
| العواصم | القيروان (حتى 1057م)، ثم المهدية |
| النطاق الجغرافي | تونس، شرق الجزائر، غرب ليبيا |
| محطات فاصلة | |
| تعيين بلقين نائباً فاطمياً | 972م |
| انقسام الدولة (زيريون وحماديون) | 1014 – 1016م |
| إعلان الاستقلال عن الفاطميين | 1048م |
| غزو بني هلال ونهب القيروان | 1057م |
| سقوط المهدية بيد النورمان | 1148م |
| فرع الأندلس | |
| دولة زيريي غرناطة | 1012م – 1090م |
الأصول والتأسيس: نيابة فاطمية
تعود جذور الدولة الزيرية إلى زيري بن مناد الصنهاجي، أحد زعماء قبيلة صنهاجة البربرية الذي حالف الخلافة الفاطمية الشيعية الناشئة في المغرب الأوسط، وأسس لهم قاعدة عسكرية حصينة في مدينة أشير عام 936م لتأمين حدود الخلافة الفاطمية من هجمات قبائل زناتة البربرية المتحالفة مع بني أمية في قرطبة. وحين قرر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله نقل عاصمة دولته إلى القاهرة حديثة التأسيس عام 972م، عهد بإدارة إقليم إفريقية بأكمله، بما فيه القيروان، إلى يوسف بلقين بن زيري، نجل زيري بن مناد، بصفته نائباً موالياً يحكم باسم الخلافة الفاطمية البعيدة، وهو التعيين الذي شكّل التأسيس الرسمي للدولة الزيرية. وقد وسّع بلقين حدود هذه النيابة الفاطمية غرباً حتى مدينة سبتة المطلة على مضيق جبل طارق، مرسياً بذلك دولة زيرية واسعة النطاق ضمت معظم أرجاء المغرب الأوسط والأدنى تحت إشراف اسمي فاطمي.
انقسام الدولة إلى فرعين: زيريون وحماديون
تعرضت الدولة الزيرية لانقسام داخلي حاد في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، إذ عمد المنصور بن بلقين، سعياً لتوطيد سلطة أسرته، إلى تعيين شقيقه حماد بن بلقين والياً على المغرب الأوسط، غير أن هذا الترتيب لم يمنع اندلاع صراع داخلي حاد بين المنصور وبعض أبناء عمومته، اضطر معه إلى الاستعانة بشقيقه حماد لإخماد هذا التمرد ونفي المتمردين إلى الأندلس. غير أن هذا التقارب المؤقت بين الأخوين لم يدم طويلاً، إذ انفصل حماد لاحقاً بدولته الخاصة في المغرب الأوسط، مؤسساً سلالة الحماديين المنافسة التي اتخذت من قلعة بني حماد ثم بجاية عاصمة لها، بينما ظل الفرع الزيري الأصلي، المعروف أيضاً بالباديسيين نسبة إلى الأمير باديس بن المنصور، يحكم إفريقية من القيروان، في انقسام سياسي دائم أضعف تدريجياً وحدة الدولة الأصلية.
الازدهار الحضاري في عهد القيروان
شهدت مدينة القيروان، عاصمة الدولة الزيرية الأولى، عصراً ذهبياً من الازدهار الاقتصادي والعلمي والديني طوال القرن الحادي عشر الميلادي المبكر، إذ ازدهرت فيها الزراعة والصناعة والتجارة على حد سواء، وأصبحت مركزاً بالغ الأهمية للدراسات الفقهية والدينية في المذهب المالكي السائد في المغرب الإسلامي. وقد شهدت هذه الحقبة أيضاً ازدهاراً استثنائياً للجالية اليهودية المقيمة في القيروان وموانئ المهدية وقابس التجارية، إذ انتهج الحكام الزيريون سياسة تسامح نسبي تجاه اليهود سمحت للقيروان بأن تصبح مقراً للقيادة اليهودية المركزية في المغرب الإسلامي، برئاسة منصب “النجيد” الذي مثّل الجالية اليهودية أمام السلطات الحاكمة. وفي مجال العمارة، أضاف المنصور بن بلقين إلى جامع الزيتونة في تونس قبة مدخل رفيعة الطراز عُرفت بـ”قبة البهو” عام 991م، فيما جرى ترميم الجامع الكبير بالقيروان في هذه الفترة، وإن كان الزيريون بشكل عام، بحسب مؤرخي العمارة، أقل ميلاً إلى تشييد صروح معمارية ضخمة جديدة مقارنة بالدول التي سبقتهم في حكم الإقليم.
الاستقلال عن الفاطميين وغزو بني هلال
اتخذ الأمير المعز بن باديس، الذي تولى حكم الدولة الزيرية عام 1016م، قراراً مصيرياً بالغ الأهمية عام 1048م، حين أعلن رسمياً استقلال إفريقية التام عن الخلافة الفاطمية الشيعية، متخلياً عن المذهب الإسماعيلي الشيعي واعتناقاً للمذهب السني، ومعلناً الولاء الاسمي للخلافة العباسية السنية البعيدة في بغداد بدلاً من القاهرة، وهي خطوة حظيت بشعبية واسعة لدى عرب القيروان الحضريين المتمسكين بالمذهب السني. غير أن هذا التمرد الصريح على الخلافة الفاطمية جلب على الزيريين رد فعل انتقامي فاتك، إذ قرر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، بمشورة وزيره اليازوري، إرسال قبائل بني هلال وبني سليم العربية البدوية، التي كانت آنذاك متمركزة في صعيد مصر، نحو المغرب الإسلامي عقاباً للزيريين المتمردين، في سياسة عُرفت تاريخياً بـ”الغزوة الهلالية”. وقد ألحقت هذه القبائل البدوية المهاجمة هزيمة ساحقة بالجيوش الزيرية والحمادية المشتركة في معركة حاسمة عام 1057م، أعقبها نهب مدينة القيروان ذاتها، وهو ما أحدث اضطراباً اقتصادياً وديموغرافياً هائلاً عمّ المغرب الإسلامي بأسره، إذ تحولت مناطق زراعية واسعة إلى أراضٍ رعوية بدوية، وارتد كثير من المجتمعات المستقرة إلى نمط حياة بدوي، فضلاً عن تسارع كبير في عملية التعريب اللغوي والثقافي للمنطقة على حساب اللغات الأمازيغية المحلية.
دخلوا البلاد كالجراد، فأكلوا خضراءها ويابسها، وحوّلوا العمران خراباً، والحضر بدواً.
— مضمون منسوب لمؤرخين مغاربة، وصفاً لأثر الغزوة الهلالية على إفريقية
الانتقال إلى المهدية والصراع مع النورمان الصقليين
أرغم هذا الاضطراب الديموغرافي والأمني الحاد الزيريين على التخلي عن عاصمتهم التاريخية القيروان والانتقال إلى مدينة المهدية الساحلية المحصنة، التي كانت قد أسسها الفاطميون قبل انتقالهم إلى مصر، حيث حاول الزيريون إعادة بناء قوتهم اعتماداً بشكل متزايد على النشاط البحري والتجاري بدلاً من السيطرة الزراعية الداخلية التي فقدوها لصالح البدو الوافدين. وقد دخلت الدولة الزيرية، التي أعاد بعض الباحثين المعاصرين تقييم قوتها النسبية خلال عقدي 1110م و1120م باعتبارها أكثر صلابة مما افترضته السرديات التاريخية التقليدية، في صراع طويل ومتقطع مع مملكة صقلية النورماندية الصاعدة، إذ شنّ النورمان الصقليون أولى غاراتهم البحرية على الساحل الإفريقي الشرقي عام 1123م، وتوالت هذه الحملات عبر العقدين التاليين. وقد بلغ هذا الصراع ذروته حين استغل الملك روجر الثاني النورماندي فترة جفاف مدمر أصابت إفريقية أواخر أربعينيات القرن الثاني عشر لضم مدن ساحلية زيرية رئيسية، وصولاً إلى الاستيلاء الكامل على العاصمة المهدية نفسها عام 1148م بقيادة الأدميرال جورج الأنطاكي، لتنتهي بذلك رسمياً الدولة الزيرية بوصفها كياناً سياسياً مستقلاً، وتخضع سواحل إفريقية لفترة من الحكم النورماندي المباشر عُرفت بـ”مملكة أفريقيا النورماندية”، قبل أن يقضي عليها الموحدون بدورهم عام 1160م.
الفرع الأندلسي: دولة زيريي غرناطة
أفرز الاضطراب السياسي المصاحب لسقوط الخلافة الأموية في قرطبة فرعاً منفصلاً من الأسرة الزيرية استقر في الأندلس، إذ كان مجموعة من الزيريين قد التحقوا سابقاً بالجيش البربري في خدمة الحاجب الأموي شنجول أوائل القرن الحادي عشر، ليتمكن زاوي بن زيري من تأسيس إمارة زيرية مستقلة في مدينة غرناطة عام 1012م، بعد أن مُنحت أسرته إقليم إلبيرة من قبل الخليفة الأموي سليمان المستعين. وقد توسعت هذه الإمارة الأندلسية تدريجياً لتشمل مناطق جيان وقبرة بحلول عام 1038م، ثم مالقة التي انتُزعت من الحموديين نحو عام 1058م، لتصبح المركز الثاني لحكم الزيريين في الأندلس، ورغم دعم زيريي غرناطة للمرابطين في معركة الزلاقة الشهيرة عام 1086م ضد الممالك المسيحية، فقد أطاح بهم المرابطون أنفسهم عام 1090م، ضمن حملة توحيد شاملة لممالك الطوائف الأندلسية المتناحرة تحت راية المرابطين.
الإرث التاريخي
تركت الدولة الزيرية إرثاً تاريخياً مركباً في تاريخ المغرب الإسلامي، إذ مثّلت أول تجربة حكم بربري صنهاجي مستقل نسبياً في إفريقية، وأسهمت في مراحلها المبكرة بازدهار حضاري وعلمي وتجاري لافت جسدته مدينة القيروان، غير أن قرارها بالاستقلال عن الفاطميين وما ترتب عليه من غزو هلالي مدمر جعلها أيضاً محوراً لأحد أكثر التحولات الديموغرافية واللغوية جذرية في تاريخ شمال أفريقيا، إذ يُنسب إلى هذه الحقبة تحديداً تسريع مسار التعريب الثقافي واللغوي لمناطق واسعة من المغرب الإسلامي كانت لا تزال حتى ذلك الحين ناطقة بشكل رئيسي باللغات الأمازيغية المحلية.