يُطلق “عام الفيل” في التقاليد التاريخية العربية والإسلامية على السنة التي اقترن ذكرها بحملة عسكرية قادها الحاكم الحبشي أبرهة الأشرم من اليمن باتجاه مكة، بهدف هدم الكعبة، مستخدماً في جيشه فيلاً أو أكثر لم يكن العرب قد شاهدوا مثله من قبل، فسُميت السنة باسم هذا الحدث اللافت وأصبحت مرجعاً زمنياً اعتمده العرب في تأريخ الوقائع حتى استُبدل بالتقويم الهجري في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وتربط المصادر الإسلامية هذا العام بمولد النبي محمد، إذ تذكر أنه وُلد في العام نفسه الذي جرت فيه هذه الحملة، وهو ما جعل الحادثة تحتل مكانة رمزية بارزة في السيرة النبوية رغم اقتصار ذكرها المباشر في القرآن الكريم على خمس آيات موجزة في سورة الفيل. وبينما تحرص الروايات التقليدية على تأطير الحدث كواقعة إعجازية أحبطت خطة أبرهة، تفتح الأبحاث الأثرية والنقوش المسندية الحديثة نقاشاً أكاديمياً واسعاً حول تاريخ الحملة الفعلي وعلاقتها الزمنية الدقيقة بمولد النبي.

معلومات عامة
التسمية عام الفيل (عام الأفيال)
التقدير التقليدي للتاريخ نحو ٥٧٠-٥٧١م
التقدير الأثري البديل نحو ٥٥٢م بحسب بعض القراءات للنقوش المسندية
الموقع مكة المكرمة، شبه الجزيرة العربية
الحدث المرتبط حملة عسكرية بقيادة أبرهة الأشرم لهدم الكعبة
الأطراف
القائد المهاجم أبرهة الأشرم، الحاكم الحبشي على اليمن
زعيم قريش عبد المطلب بن هاشم، جد النبي محمد
القوة السياسية الأم مملكة أكسوم الحبشية المسيحية
الأثر الديني والتأريخي
النص القرآني المرتبط سورة الفيل (السورة رقم ١٠٥)
الارتباط بالسيرة السنة التقليدية لمولد النبي محمد
نهاية استخدام التقويم استُبدل بالتقويم الهجري في عهد عمر بن الخطاب
COSMALORE · الموسوعة العربية

أبرهة وخلفيته السياسية والدينية

كان أبرهة قائداً عسكرياً حبشياً في جيش النجاشي ملك أكسوم، شارك في الحملة التي غزت اليمن نحو عام ٥٢٥م لإسقاط الملك الحميري ذي نواس، ثم استولى لاحقاً على السلطة في اليمن من نائب الملك الذي عيّنه النجاشي، وحكم البلاد لعقود بصفته والياً حبشياً على شؤون اليمن، متبنياً ألقاباً ملكية حميرية تقليدية إلى جانب لقب “الملك الحبشي”. وبوصفه مسيحياً متحمساً لدينه، شيّد أبرهة كنيسة كبرى في صنعاء عُرفت باسم “القليس”، وسعى إلى جعلها مقصداً للحج بديلاً عن الكعبة في مكة، وهو مسعى اصطدم برفض القبائل العربية التي ظلت ترتبط دينياً وتجارياً بالحرم المكي.

الرواية التقليدية للحملة على مكة

تذكر مصادر السيرة والمغازي أن أبرهة، بعدما تعرضت كنيسته لإهانة من أحد العرب، قرر تجهيز جيش كبير مدعوم بفيل أو أكثر والزحف على مكة لهدم الكعبة، فتقدم نحو المدينة بعدما اصطدم في طريقه بمقاومة متفرقة من بعض القبائل العربية استطاع التغلب عليها. وتُروى واقعة لقاء زعيم قريش عبد المطلب بن هاشم بأبرهة، إذ طالبه الأخير برد إبله التي استولى عليها جنود أبرهة، فتعجب أبرهة من عدم اهتمام عبد المطلب بمصير الكعبة نفسها، فأجابه الأخير بأن الإبل ملكه وأن للبيت رباً يحميه. وتذكر الرواية أن الفيل الذي كان يتقدم الجيش امتنع عن التقدم صوب مكة رغم محاولات حثه، بينما ظل يستجيب عند توجيهه صوب أي اتجاه آخر، قبل أن تنتهي الحملة بانهزام جيش أبرهة، الذي تشير الروايات إلى وفاته بعد ذلك بمرض أصابه في طريق عودته.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
— سورة الفيل، الآيات ١-٥

سورة الفيل والتفسير القرآني للحدث

تُعدّ سورة الفيل، وهي سورة مكية قصيرة، المصدر النصي المباشر الوحيد المرتبط بهذا الحدث في القرآن الكريم، وقد جاء ذكرها في خمس آيات موجزة تصف إحباط “كيد” أصحاب الفيل عبر إرسال طير يُعرف بـ”الأبابيل” يقذفهم بحجارة من “سجّيل”، دون أن تسمي السورة أبرهة أو مكة أو الكعبة صراحة، تاركة تفاصيل الحدث لمصادر السيرة والتفسير اللاحقة التي فسرت الآيات في ضوء الرواية التقليدية عن حملة أبرهة. وقد شكّل الإيجاز الشديد للنص القرآني، مقارنة بالتفاصيل الواسعة التي أضافتها مصادر المغازي والتفسير لاحقاً، أحد أبرز نقاط الاهتمام في الدراسات النقدية الحديثة حول العلاقة بين النص القرآني وتراث السيرة المدوَّن بعده بقرون.

الأدلة الأثرية والنقاش الأكاديمي حول التأريخ

يعتمد التأريخ التقليدي لعام الفيل بوصفه موافقاً لعام مولد النبي محمد، أي نحو عام ٥٧٠م، على مصادر السيرة الإسلامية المتأخرة نسبياً، في حين تكشف النقوش المسندية الحميرية التي اكتُشفت في اليمن عن حملات عسكرية فعلية قادها أبرهة باتجاه وسط الجزيرة العربية بين عامي ٥٤٨ و٥٦٥م تقريباً، دفعت باحثين مثل المستشرقة إيفونا غايدا إلى ربط “حملة الفيل” بتاريخ أبكر يقارب عام ٥٥٢م، أي قبل نحو عقدين من التاريخ التقليدي لمولد النبي. ويرى المؤرخ كريستيان جوليان روبان، أحد أبرز المتخصصين في نقوش جنوب الجزيرة العربية، أن وقوع حملة فاشلة ضد مكة أمر معقول تاريخياً، مستدلاً بالصعود السريع اللافت لمكانة قريش التجارية والدينية في العقود التالية، وهو ما تعكسه مؤسسات عربية بارزة كسوق عكاظ ونظام “الحُمس” الذي ربط قبائل غرب الجزيرة بحرم مكة. ويظل تحديد ما إذا كانت النقوش المكتشفة تشير فعلاً إلى الحملة نفسها المذكورة في سورة الفيل، أو إلى حملة أخرى مختلفة قادها أبرهة في المنطقة، مسألة قيد النقاش العلمي المستمر بين المتخصصين في تاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم.

عام الفيل كنظام تأريخ عند العرب

قبل اعتماد التقويم الهجري رسمياً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، اعتاد عرب الحجاز تأريخ الوقائع بالإحالة إلى أحداث بارزة تُستخدم كنقاط مرجعية زمنية، وكان “عام الفيل” من أبرز هذه المحطات المرجعية نظراً لما تركته حادثة الفيل من أثر في الذاكرة الجمعية العربية، إذ ظلت مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي المبكر تحسب المواليد والوقائع الكبرى بالقياس إلى هذا العام قبل أن يحل محله التقويم الهجري المرتبط بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة عام ٦٢٢م.