شكّلت حروب الردة، التي اندلعت بين عامي 632 و633 ميلادية الموافقين للعامين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة، سلسلة من المواجهات العسكرية الحاسمة التي خاضتها الخلافة الراشدة الناشئة بقيادة الخليفة الأول أبو بكر الصديق ضد القبائل العربية التي نقضت بيعتها للدولة الإسلامية عقب وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. اعتبر العديد من زعماء هذه القبائل أن العهد الذي قطعوه كان مرتبطاً بشخص النبي ذاته، ولم يلتزموا أنفسهم تجاه خلافته من بعده، فامتنع بعضهم عن أداء الزكاة، فيما ادّعى آخرون النبوة لأنفسهم وتزعموا حركات تمرد مسلحة واسعة النطاق. وفي غضون عام واحد فقط، نجحت الخلافة، من خلال مزيج محكم من الحملات العسكرية الحازمة والدبلوماسية البارعة، في إخماد جميع بؤر التمرد وتوحيد شبه الجزيرة العربية بأكملها تحت راية الإسلام، لتمهّد بذلك الطريق أمام موجة الفتوحات الإسلامية الكبرى التي تلتها مباشرة في بلاد الشام والعراق.
معلومات عامة
التسمية حروب الردة (Ridda Wars / Wars of Apostasy)
التاريخ الهجري 11 – 12 هـ
التاريخ الميلادي 632 – 633 م
المدة نحو عام واحد
الموقع شبه الجزيرة العربية بكامل أقاليمها
النتيجة انتصار حاسم للخلافة الراشدة وإخضاع جميع القبائل المرتدة وتوحيد الجزيرة العربية
الأطراف المتحاربة
جيوش الخلافة الراشدة جيوش المدينة المنورة بقيادة الخليفة أبو بكر الصديق وقادته العسكريين
القبائل المرتدة والمتنبئون بنو أسد وطيء وغطفان بقيادة طليحة الأسدي، بنو حنيفة بقيادة مسيلمة الكذاب، تميم بقيادة سجاح بنت الحارث، كندة بقيادة الأشعث بن قيس، أهل البحرين واليمن وعُمان وحضرموت
القيادات الرئيسة
الخليفة أبو بكر الصديق (632-634 م)
القائد العام للجيوش خالد بن الوليد
قادة الجيوش الأخرى عكرمة بن أبي جهل، شرحبيل بن حسنة، المهاجر بن أبي أمية، عمرو بن العاص
المدّعون النبوة مسيلمة الكذاب، طليحة الأسدي، سجاح بنت الحارث، الأسود العنسي
أبرز المعارك
معركة ذي القصة وأبرق أغسطس 632 م – معارك دفاعية أولى عن المدينة المنورة
معركة بزاخة سبتمبر 632 م – هزيمة طليحة الأسدي على يد خالد بن الوليد
معركة اليمامة (عقرباء) ديسمبر 632 م – مقتل مسيلمة الكذاب، أشد معارك الردة دموية
إخضاع حضرموت مارس 633 م – إخماد آخر بؤر التمرد جنوب الجزيرة العربية
النتائج
السياسي توطيد سلطة الخلافة المركزية على كامل شبه الجزيرة العربية
العسكري تكوّن جيش إسلامي مجرّب مهّد لانطلاق الفتوحات في الشام والعراق
COSMALORE · الموسوعة العربية
الخلفية التاريخية وأسباب الردة

بعد أن استقر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة عام 622 ميلادية، نجح خلال عقد واحد فقط من الزمن في توحيد الجزء الأعظم من قبائل شبه الجزيرة العربية تحت راية الإسلام، إما عبر الإسلام الطوعي أو عبر عقد معاهدات سياسية ودفع الزكاة كرمز للولاء للدولة الناشئة في المدينة. غير أن هذا الولاء، في كثير من الحالات، لم يكن يعدو كونه ولاءً شخصياً للنبي ذاته أكثر منه التزاماً عقدياً راسخاً بالدين الجديد، وهو ما فسّر سرعة انهيار هذا الولاء لدى عدد كبير من القبائل بمجرد وفاته.

وقد سجّل المؤرخون المسلمون بوادر هذه الظاهرة قبل وفاة النبي بأشهر قليلة، ففي مارس عام 632، فيما عُرف لاحقاً بأول حالات الردة، طردت إحدى القبائل اليمنية عاملَين من عمّال النبي وسيطرت على مقاليد الحكم في اليمن. وبعد وفاة النبي بثلاثة أشهر فقط، اشتعلت موجة واسعة من حركات التمرد عبر أرجاء الجزيرة العربية، حيث رفضت قبائل عديدة الاعتراف بسلطة الخليفة الجديد أبو بكر الصديق، ورأت في وفاة النبي إنهاءً للعهد الذي قطعته معه شخصياً، فامتنعت عن دفع الزكاة واحتشدت حول عدد لا يقل عن أربعة من مدّعي النبوة المنافسين.

أصرّ أبو بكر الصديق، رغم معارضة بعض كبار الصحابة الذين رأوا في إيقاف القتال مع هذه القبائل حكمة أكبر في تلك المرحلة الحرجة، على ضرورة مواجهة هذا التمرد بالقوة الكاملة، مستنداً إلى موقفه الشهير القاضي بعدم التفريق بين الصلاة والزكاة في الالتزام الديني، معتبراً أن منع الزكاة عن الدولة يوازي الخروج التام عن جماعة المسلمين.

بداية الحملة وحملة أسامة بن زيد

في خضم هذه الأزمة الداخلية الخطيرة، اتخذ أبو بكر الصديق قراراً لافتاً يعكس ثقته العميقة بالموقف، إذ أصر في اليوم الأول من خلافته على إنفاذ جيش أسامة بن زيد الذي كان النبي قد جهّزه قبيل وفاته لتأديب الروم البيزنطيين والغساسنة على إثر مقتل عدد من كبار المسلمين في معركة مؤتة عام 629 ميلادية، رغم إلحاح بعض الصحابة عليه بإبقاء هذا الجيش داخل المدينة المنورة لحمايتها من التهديدات المتصاعدة. وقد نجحت هذه الحملة عسكرياً في إلحاق هزيمة بالغساسنة وتأديب عدد من القبائل المتمردة، كما أنها بعثت رسالة سياسية بالغة الأهمية مفادها أن الدولة الإسلامية الناشئة ما تزال تملك من القوة والعزم ما يكفي لمواجهة أعدائها الخارجيين رغم الاضطرابات الداخلية التي تعصف بها.

وفي الأسبوع الثاني أو الثالث من أغسطس عام 632، توجّه أبو بكر بنفسه على رأس جميع القوات المتاحة إلى منطقة ذي القصة، حيث وضع استراتيجيته الشاملة لمواجهة مختلف جبهات التمرد المنتشرة في أرجاء الجزيرة العربية، وخاض من هناك معارك دفاعية في ذي القصة وأبرق هدفها الأساسي حماية المدينة المنورة وردع أي هجوم محتمل عليها من القبائل المتمردة المحيطة بها.

حملة خالد بن الوليد ومعركة بزاخة

أسند أبو بكر الصديق قيادة الجيش الرئيسي الموجه لمواجهة أخطر بؤر التمرد إلى القائد العسكري خالد بن الوليد، الذي أثبت عبر مسيرة هذه الحرب براعة قيادية استثنائية مكّنته من استغلال الانقسامات بين صفوف القبائل المتمردة لعزل كل جبهة على حدة وإخضاعها قبل أن تتمكن من التحالف مع غيرها من الجبهات المعادية. وكان الهدف الأول لجيش خالد هو طليحة بن خويلد الأسدي، أحد أبرز مدّعي النبوة، الذي تجمعت حوله قبائل بني أسد وطيء وغطفان، وفي منتصف سبتمبر من عام 632 ألحق خالد بن الوليد هزيمة حاسمة بقوات طليحة في معركة بزاخة، ما اضطره للفرار إلى الشام بينما عادت قبيلته إلى صفوف الإسلام.

بعد تأمين الجبهة الشمالية، توجّه خالد بن الوليد لمواجهة قبيلة كندة في حضرموت بقيادة الأشعث بن قيس، الذي وقع في الأسر بعد هزيمته ثم أُرسل إلى الخليفة أبو بكر، الذي عفا عنه بعد توبته وأبقاه مقيماً في المدينة المنورة، بل وزوّجه من شقيقته أم فروة، تكريماً نادراً لم يحظَ به أي من سائر قادة الردة الآخرين الذين تم إخضاعهم.

معركة اليمامة ومقتل مسيلمة الكذاب

شكّلت مواجهة مسيلمة بن حبيب الحنفي، الملقب بمسيلمة الكذاب، أعظم تحدٍ عسكري واجهته الخلافة الراشدة طوال حروب الردة بأكملها، إذ احتشد حول هذا المدّعي للنبوة عدد كبير من بني حنيفة في إقليم اليمامة الخصب، وشكّلوا قوة عسكرية ضخمة ومنظمة فاقت بكثير ما واجهته جيوش الخلافة في الجبهات الأخرى. وقد أرسل أبو بكر الصديق عدة جيوش متعاقبة لمواجهة هذا التهديد الكبير، قبل أن يتولى خالد بن الوليد بنفسه قيادة المعركة الحاسمة.

وفي ديسمبر من عام 632، دارت رحى المعركة الفاصلة عند عقرباء شرق إقليم نجد، وكانت من أشد المعارك دموية وضراوة في تاريخ حروب الردة بأكملها، حتى أُطلق على ساحتها فيما بعد اسم “حديقة الموت” نظراً لهول ما خلّفته من قتلى في صفوف الجانبين. وانتهت المعركة بمقتل مسيلمة الكذاب نفسه على يد أحد المقاتلين المسلمين، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول حاسمة أنهت أخطر تهديد واجهته الخلافة الناشئة، وأسهمت بشكل كبير في تسريع انهيار ما تبقى من جبهات التمرد المتفرقة في أرجاء الجزيرة العربية.

إخضاع الجبهات المتبقية ونهاية الحرب

بالتوازي مع المعارك الكبرى التي خاضها خالد بن الوليد في نجد واليمامة، تابع قادة آخرون من جيوش الخلافة إخضاع بقية الجبهات المتمردة المنتشرة في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية؛ ففي اليمن، تمكنت قوات الخلافة من القضاء على فتنة الأسود العنسي الذي ادّعى النبوة واستولى على صنعاء، وذلك قبل وصول الأنباء بمقتله إلى المدينة المنورة في الأيام الأخيرة من حياة النبي نفسه. كما تولى قادة آخرون، من بينهم عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة والمهاجر بن أبي أمية وعمرو بن العاص، مهمة إخضاع جبهات عُمان والبحرين ومهرة وأجزاء أخرى من الإقليم الجنوبي للجزيرة العربية.

وكان إقليم حضرموت في أقصى جنوب الجزيرة العربية آخر معاقل التمرد التي تمكنت جيوش الخلافة من إخضاعها، إذ تم إخماد آخر بؤر المقاومة المسلحة هناك في مارس من عام 633 ميلادية، الموافق لمطلع العام الثاني عشر من الهجرة. وبهذا الإنجاز، استطاع الخليفة أبو بكر الصديق أن يطمئن أخيراً إلى توحيد شبه الجزيرة العربية بأكملها تحت سلطة مركزية واحدة في المدينة المنورة، بعد عام واحد فقط من الجهد العسكري والدبلوماسي المضني.

النتائج والآثار التاريخية

لم تقتصر أهمية حروب الردة على الجانب العسكري البحت، بل امتدت لتشمل أبعاداً سياسية وإدارية عميقة أرست أسس الدولة الإسلامية الفتية على نحو راسخ؛ فمن الناحية السياسية، نجح أبو بكر الصديق في تجاوز أكبر أزمة شرعية واجهت خلافته منذ يومها الأول، وثبّت مبدأ أن السلطة المركزية في المدينة المنورة هي الجهة الوحيدة المخوّلة بتمثيل الدولة الإسلامية، لا أي زعامة قبلية منفردة، وهو ما أسهم في صياغة مفهوم الخلافة كمؤسسة سياسية موحِّدة تتجاوز الانتماءات القبلية التقليدية التي ظلت تحكم المجتمع العربي قبل الإسلام.

أما من الناحية العسكرية، فقد أفرزت حروب الردة جيلاً كاملاً من القادة العسكريين المسلمين المحنّكين، وفي مقدمتهم خالد بن الوليد، الذين اكتسبوا خبرة قتالية واسعة النطاق لم تشهد الجزيرة العربية مثيلاً لها من قبل، وهي الخبرة التي أتاحت للخليفة أبو بكر، فور توحيد الجزيرة العربية، توجيه هذه الطاقة العسكرية المتراكمة نحو حدود الإمبراطوريتين الكبريين المجاورتين، الفارسية الساسانية والبيزنطية الرومانية، فأطلق سلسلة من الحملات السريعة التي تحولت بدورها إلى فتوحات دائمة في العراق والشام، أبرزها معركتا أجنادين عام 634 واليرموك عام 636 ميلادية.

ومن الناحية التاريخية والفقهية، شكّلت حروب الردة منذ ذلك الحين مرجعية أساسية اعتمد عليها فقهاء المسلمين عبر القرون اللاحقة في تأصيل أحكام الردة والتعامل مع الخارجين عن جماعة المسلمين، فيما ظل اجتهاد أبو بكر الصديق في عدم التفريق بين أركان الإسلام موضع دراسة وتحليل مستمرين من قبل الباحثين في الفقه السياسي الإسلامي والتاريخ الإسلامي المبكر على حد سواء.

والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.
— أبو بكر الصديق، الخليفة الأول للمسلمين، 632 م