تُعدّ رحلات البحّار البرتغالي فاسكو دا غاما (نحو ١٤٦٠ – ١٥٢٤) إلى الهند من أبرز محطات عصر الاكتشافات الأوروبية، إذ نجح عام ١٤٩٨ في أن يكون أول أوروبي يصل إلى الهند بحراً عبر الالتفاف حول الرأس الأخضر في أقصى جنوب أفريقيا، فاتحاً بذلك طريقاً بحرياً مباشراً بين أوروبا وآسيا ظل شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية لقرون. قاد دا غاما ثلاث رحلات بحرية كبرى إلى الساحل الهندي بين عامي ١٤٩٧ و١٥٢٤، حملت الأولى منها طابعاً استكشافياً ودبلوماسياً، فيما اتسمت الثانية بالعنف والقوة العسكرية لفرض السيطرة التجارية، بينما جاءت الثالثة في نهاية حياته حين عاد نائباً للملك على مستعمرات البرتغال في الهند. وقد أرست هذه الرحلات دعائم الإمبراطورية البحرية البرتغالية في المحيط الهندي، وحوّلت أنماط التجارة العالمية للتوابل بعيداً عن الطرق البرية التقليدية التي كانت تسيطر عليها الوساطة المسلمة والبندقية.

معلومات شخصية
الاسم الكامل فاسكو دا غاما، الكونت الأول لفيديغييرا
الميلاد نحو ١٤٦٠م، مدينة سينيش، البرتغال
الوفاة ٢٤ كانون الأول/ديسمبر ١٥٢٤م، كوتشين، الهند
الجنسية برتغالية
المهنة ملّاح واستكشافي، ثم نائب ملك البرتغال في الهند
الرحلة الأولى (١٤٩٧-١٤٩٩)
الانطلاق ٨ تموز/يوليو ١٤٩٧ من لشبونة
عدد السفن أربع سفن وطاقم يقارب ١٧٠ رجلاً
الوصول إلى الهند ٢٠ أيار/مايو ١٤٩٨ في كاليكوت
العودة صيف ١٤٩٩ إلى لشبونة
الرحلة الثانية (١٥٠٢-١٥٠٣)
الرتبة أميرال، على رأس أسطول من عشر سفن مدعوم بأسطولين إضافيين
الطابع حملة تجارية وعسكرية لفرض النفوذ البرتغالي
الرحلة الثالثة (١٥٢٤)
الصفة نائب ملك البرتغال في الهند
الوصول إلى غوا أيلول/سبتمبر ١٥٢٤
النهاية وفاته بعد أشهر قليلة في كوتشين
COSMALORE · الموسوعة العربية

النشأة والتحضير للبعثة الملكية

وُلد فاسكو دا غاما نحو عام ١٤٦٠ في بلدة سينيش الساحلية بإقليم آلينتيجو جنوب غربي البرتغال، لأب من طبقة النبلاء الصغار يُدعى إستيفان دا غاما، كان قائداً لحامية القلعة المحلية. تشير المصادر إلى أن معلومات قليلة متوفرة عن طفولته وشبابه، لكن يُرجَّح أنه تلقّى تعليماً في الرياضيات وفنون الملاحة أهّله لاحقاً لقيادة سفن باسم الملك. وفي عام ١٤٩٧، اختار الملك مانويل الأول ملك البرتغال دا غاما لقيادة بعثة شرقية طموحة هدفها الوصول إلى الهند عبر الالتفاف حول أفريقيا، سعياً وراء احتكار تجارة التوابل التي كانت خاضعة آنذاك لسيطرة الوسطاء المسلمين على الطرق البرية والبحرية التقليدية عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط.

الرحلة الأولى: الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح

انطلق دا غاما من مصب نهر تاجة قرب لشبونة في الثامن من تموز/يوليو ١٤٩٧ على رأس أسطول من أربع سفن، من بينها سفينتان شراعيتان ذواتا ثلاثة صواري، وكارافيلا يبلغ حمولتها خمسين طناً، وسفينة تموين تزن مائتي طن، يقودها طاقم يقارب مائة وسبعين بحاراً. اختار دا غاما مساراً جريئاً في جنوب الأطلسي ابتعد فيه عن الساحل الأفريقي لعدة أشهر بحثاً عن الرياح الغربية الملائمة، قبل أن يستدير شرقاً ويلتف حول رأس الرجاء الصالح في الثاني والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر ١٤٩٧. بعد ذلك تابع الأسطول شمالاً على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، مروراً بموزمبيق ومومباسا، وصولاً إلى مالندي في كينيا الحالية، حيث حصل دا غاما على مساعدة ملاح محلي عارف بمسارات الرياح الموسمية أرشده عبر المحيط الهندي نحو الساحل الهندي. وفي العشرين من أيار/مايو ١٤٩٨، رست السفن قبالة مدينة كاليكوت (كوزيكود حالياً) على ساحل مليبار الجنوبي الغربي للهند، بعد رحلة استغرقت نحو عشرة أشهر منذ المغادرة.

لم يفلح دا غاما مع ذلك في عقد اتفاقية تجارية مع حاكم كاليكوت المعروف بـ”الزامورين”، الذي أبدى شكوكاً حيال الوافدين الجدد وشعر بالإهانة من ضآلة الهدايا التي قدّموها له، فضلاً عن تحريض التجار المسلمين المحليين الذين خشوا منافسة البرتغاليين لهم. ومع ذلك، عاد دا غاما إلى لشبونة صيف عام ١٤٩٩ حاملاً عينات من التوابل والأحجار الكريمة، بعدما نصب على طول الطريق أعمدة حجرية تُعرف بـ”البادرونيس” على جزيرة قرب موسل باي في جنوب أفريقيا، واثنتين في موزمبيق، وواحدة في كاليكوت، كعلامات تثبت وصول أسطوله إلى تلك المواضع.

فتح فاسكو دا غاما طريق البحر من أوروبا الغربية إلى الشرق، وحوّل البرتغال إلى قوة عالمية.
— من موسوعة بريتانيكا للأطفال، وصفاً لأثر رحلات دا غاما الثلاث

الاستقبال في لشبونة وتجهيز الحملة التالية

لقي دا غاما عند عودته استقبالاً حافلاً بوصفه بطلاً قومياً، ومنحه الملك مانويل الأول لقب “دوم” ومعاشاً سنوياً وأملاكاً تقديراً لإنجازه. ولاستثمار هذا الإنجاز تجارياً، أوفد الملك عام ١٥٠٠ البحّار البرتغالي بيدرو ألفاريز كابرال في بعثة جديدة إلى كاليكوت، وقد كانت أرباح هذه الرحلة كبيرة إلى حد دفع البلاط الملكي إلى تجهيز أسطول ثالث أوسع، أُسندت قيادته هذه المرة إلى دا غاما نفسه.

الرحلة الثانية: القوة العسكرية وفرض النفوذ

في كانون الثاني/يناير ١٥٠٢ مُنح دا غاما رتبة أميرال، وأبحر في شباط/فبراير من العام نفسه على رأس أسطول من عشر سفن، يدعمه أسطولان إضافيان من خمس سفن لكل منهما، بقيادة اثنين من أقاربه. خلافاً للرحلة الأولى ذات الطابع الاستكشافي والدبلوماسي، اتسمت هذه الحملة بالقسوة والاستخدام المكثف للقوة، إذ اصطدم دا غاما عسكرياً بالتجار المسلمين في المنطقة، وقصف مدينة كاليكوت انتقاماً لهجوم سابق تعرضت له بعثة برتغالية، قبل أن يتوجه إلى مدينة كوتشين حيث أبرم اتفاقاً مع حاكمها المحلي مكّن البرتغاليين من إقامة موطئ قدم تجاري ثابت هناك. أنهى الأسطول رحلة العودة في مطلع أكتوبر ١٥٠٣، بعد أن ثبّتت هذه الحملة موقع البرتغال كقوة بحرية مهيمنة قادرة على فرض شروطها التجارية بالقوة في المحيط الهندي.

سنوات الانقطاع والعودة إلى الواجهة

عقب عودته من رحلته الثانية، تزوج دا غاما من كاترينا دي أتايدي، وأنجب منها ستة أبناء، واستقر لفترة في بلدة إيفورا، إذ ظل حتى عام ١٥٠٥ مستشاراً للملك في الشؤون الهندية دون أن يُبعث في رحلة جديدة. ونشب خلاف بينه وبين رهبانية القديس يعقوب حول ملكية بلدة سينيش، التي كان قد وُعد بها، فرفضت الرهبانية التنازل عنها له. وفي عام ١٥١٩ مُنح لقب كونت فيديغييرا، لكنه لم يُبعث في مهمة بحرية جديدة إلا بعد وفاة الملك مانويل الأول.

الرحلة الثالثة: نائب الملك في الهند

بعد وفاة مانويل الأول عام ١٥٢١ وتولّي خوان الثالث الحكم، أصبح دا غاما أحد مستشاري البلاط الملكي، ودافع بقوة عن ضرورة أن تقتصر الحيازة البرتغالية في الهند على مركزَي كوتشين وغوا بدلاً من التوسع المفرط. وأمام ضغوط مالية وتهديدات من القشتاليين والهولنديين للمراكز الاستعمارية البرتغالية، أوفد الملك خوان الثالث دا غاما إلى الهند عام ١٥٢٤ بصفته نائباً للملك وكونتاً لفيديغييرا، بهدف تنفيذ إصلاح إداري وتنظيمي وإزالة التسلل القشتالي من جزر الملوك. وصل دا غاما إلى غوا في أيلول/سبتمبر ١٥٢٤، وشرع فوراً في تصحيح ما اعتبره تجاوزات إدارية متراكمة من عهد أسلافه في الحكم.

الوفاة في كوتشين والإرث التاريخي

لم تطل فترة ولايته الثالثة، إذ أنهكه المناخ المحلي وأصابه المرض بعد أشهر قليلة من وصوله، فتوفي في مدينة كوتشين في الرابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر ١٥٢٤. دُفن جثمانه أولاً في كنيسة القديس أنطونيو في كوتشين، ثم نُقل رفاته لاحقاً إلى البرتغال ليُوارى الثرى في دير جيرونيموس بمنطقة بيليم في لشبونة، إلى جانب عدد من ملوك البرتغال. وقد أسّست رحلاته الثلاث للحضور البرتغالي الدائم في المحيط الهندي، ومهّدت لقيام إمبراطورية بحرية استمرت لقرون، فيما يُخلَّد اسمه اليوم في البرتغال عبر جسر فاسكو دا غاما العابر لمصب نهر تاجة في لشبونة، الذي كان أطول جسر في أوروبا عند افتتاحه عام ١٩٩٨.