الدولة الموحدية خلافة إسلامية بربرية نشأت في جبال الأطلس بالمغرب في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، وبسطت في أوج قوتها سيطرتها على كامل بلاد المغرب من طرابلس شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا، إضافة إلى معظم الأندلس في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية. تعود جذور الحركة الموحدية إلى الفقيه والداعية ابن تومرت، البربري من قبيلة مصمودة، الذي عاد من رحلة علمية طويلة بين الأندلس وبغداد حاملًا عقيدة توحيدية صارمة ترفض ما اعتبره تجسيمًا لصفات الله لدى المرابطين الحاكمين آنذاك، فأعلن نفسه المهدي المنتظر سنة 1121م وأسس معقلًا دينيًا وعسكريًا في قرية تينمل الجبلية. وبعد وفاته سنة 1130م، تولى خليفته عبد المؤمن بن علي قيادة الحركة، فحوّلها من ثورة دينية إلى دولة مترامية الأطراف، إذ أسقط دولة المرابطين وأعلن نفسه خليفة في مراكش سنة 1147م. شهدت الدولة الموحدية عصرًا ذهبيًا من الازدهار الحضاري احتضن كبار فلاسفة الأندلس كابن رشد وابن طفيل، قبل أن تتلقى ضربة قاصمة في معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) سنة 1212م أمام تحالف الممالك المسيحية الإسبانية، لتدخل بعدها في تفكك تدريجي انتهى بسقوط عاصمتها مراكش سنة 1269م على يد الدولة المرينية.
| معلومات عامة | |
| الاسم الكامل | دولة الموحدين (الخلافة الموحدية) |
| بداية الدعوة | 1121م (تينمل) |
| إعلان الخلافة | 1147م (مراكش) |
| الزوال | 1269م |
| المؤسس الديني | ابن تومرت |
| مؤسس الدولة الفعلي | عبد المؤمن بن علي |
| الديانة | الإسلام، وفق عقيدة التوحيد الصارمة |
| الحكم والجغرافيا | |
| العاصمة | مراكش |
| نظام الحكم | خلافة وراثية (الأسرة المؤمنية) |
| النطاق الجغرافي في الذروة | المغرب الأقصى والأوسط والأدنى، الأندلس |
| اللغات | الأمازيغية، العربية |
| أخرى | |
| أبرز هزيمة | معركة العقاب / لاس نافاس دي تولوسا (1212م) |
| أعقبتها | الدولة المرينية في المغرب |
ابن تومرت وانطلاق الدعوة التوحيدية
عاد ابن تومرت إلى بلاد المغرب نحو سنة 1117م بعد رحلة علمية طويلة بين الأندلس وبغداد، حيث تتلمذ على مدرسة الأشعري الكلامية وتأثر بأفكار الغزالي، فبلور عقيدة توحيدية صارمة ترفض ما اعتبره تجسيمًا مخالفًا لوحدانية الله المطلقة كان سائدًا في الفكر الديني للمرابطين الحاكمين آنذاك. وبعد استقراره سنة 1124م مع جماعة من قبيلته في قرية تينمل الجبلية جنوب المغرب، شرع في تنظيم جماعة دينية من قبائل مصمودة البربرية، توحدت حول عصبية قبلية من جهة، وحول اعتقادها بأن ابن تومرت هو المهدي المنتظر من جهة أخرى.
عبد المؤمن وتأسيس الخلافة
عقب وفاة ابن تومرت سنة 1130م، تولى تلميذه الموثوق عبد المؤمن، البربري المنحدر من قبيلة قومية في منطقة تلمسان، قيادة الحركة ومواصلة السيطرة على ممتلكات دولة المرابطين، فتمكن ابتداءً من سنة 1133م من بسط سلطته على جبال الأطلس الكبرى والوسطى، ثم غزا شمال المغرب فغرب الجزائر، وبحلول سنة 1145م أصبح سيدًا على هذه المناطق كافة، ليتقدم بعدها نحو المراكز الرئيسية لسلطة المرابطين، فاستولى على فاس سنة 1146م ثم مراكش سنة 1147م، حيث أعلن نفسه خليفة.
التوسع في الأندلس والمغرب
امتدت السيطرة الموحدية إلى الأندلس المسلمة تدريجيًا بين سنتي 1148 و1172م، فحلّ الموحدون محل المرابطين في كامل ممتلكاتهم المغربية والأندلسية بحلول سنة 1147م، أي بعد سبعة عشر عامًا فقط من وفاة ابن تومرت، وأسهم وصولهم إلى الأندلس في إبطاء تقدم حركة الاسترداد المسيحي (الريكونكيستا) لبعض الوقت.
الازدهار الثقافي والفكري
شجع خلفاء بني عبد المؤمن، على غرار أسلافهم المرابطين، ازدهار الآداب والفنون في بلاطهم بمراكش وإشبيلية على حد سواء، وشهد العصر الموحدي حركة فلسفية بارزة عرفت باسم الفلسفة (الفلسفة الإسلامية المتأثرة بالتراث اليوناني)، ضمت أعلامًا كابن طفيل وابن العربي وابن رشد، القاضي والطبيب الأندلسي الذي اكتسبت تفسيراته لأرسطو أهمية بالغة لدى مفكري أوروبا المسيحية في العصور الوسطى. كما شهدت أواخر العصر الموحدي في الأندلس تفاعلًا حضاريًا لافتًا تجلى في إسهامات مفكرين من غير المسلمين، وعلى رأسهم الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، الذي شارك في الحياة الفكرية العامة رغم انتقادات وجهها إليه بعض أبناء طائفته.
معركة العقاب وبداية الانحسار
بحلول أوائل القرن الثالث عشر بدأت قوة الدولة الموحدية بالتراجع، وتجلى ذلك بوضوح في هزيمتها الكبرى في معركة العقاب، المعروفة لدى الإسبان باسم لاس نافاس دي تولوسا، التي وقعت في السادس عشر من يوليو 1212م على مقربة من مدينة خاين جنوب الأندلس. فقد استغل ألفونسو الثامن ملك قشتالة، الذي كان مشلول الحركة لسنوات بعد هزيمته الساحقة في معركة الأرك سنة 1195م أمام الموحدين أنفسهم، تعاطف رئيس أساقفة طليطلة رودريجو خيمينث دي رادا، فحصل على إعلان حملة صليبية من البابا إنوسنت الثالث حشدت له دعم فرسان فرنسيين وفرسان الهيكل، وانضمت إليه جيوش ممالك أراغون ونافارا والبرتغال.
وقاد ألفونسو الثامن بنفسه الهجوم الحاسم الذي سحق قوات الخليفة الموحدي محمد الناصر في السادس عشر من يوليو، ففرّ الناصر من ساحة المعركة، فيما واصل ألفونسو استثمار انتصاره باستيلائه الفوري على مدينتي بايزة وأوبيدة. ولم تتضح الآثار الكاملة لهذه الهزيمة إلا بعد سنة 1233م، حين تفكك الحكم الموحدي نتيجة الصراعات على السلطة داخل الأسرة الحاكمة وغياب قيادة مركزية قوية قادرة على مواجهة التحديات المتلاحقة.
سقوط الدولة وقيام المرينيين
استغلت قبائل بني مرين الزناتية، الحلفاء التقليديون لخلفاء بني أمية في قرطبة، حالة الضعف التي أصابت الدولة الموحدية، فتوغلت من شرق المغرب حيث كانت راسخة منذ أكثر من قرن، واستولت على مدينة فاس سنة 1248م واتخذتها عاصمة لها. ثم أجهز المرينيون بقيادة أبي يوسف يعقوب على آخر بقايا الحكم الموحدي حين استولوا على العاصمة مراكش سنة 1269م، ليصبحوا بذلك سادة المغرب الأقصى دون منازع، منهين بذلك قرابة قرن ونصف من حكم أسرة بني عبد المؤمن التي كانت قد وحدت يومًا كامل بلاد المغرب والأندلس تحت راية خلافة واحدة.