- معاهدة تريانون معاهدة سلام وُقّعت في الرابع من يونيو عام 1920م في قصر تريانون الكبير بمجمع فرساي قرب باريس، بين المجر من جهة والقوى المتحالفة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى من جهة أخرى، لتضع بذلك حدًا رسميًا لحالة الحرب بين الطرفين، وتُعدّ إحدى معاهدات باريس الخمس التي أنهت الحرب العالمية الأولى رسميًا مع كل من الدول المهزومة. جرّدت المعاهدة المجر من نحو ثلثي أراضيها وثلثي سكانها السابقين، موزَّعة أغلبها على جيرانها الجدد، تشيكوسلوفاكيا ورومانيا ومملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، لتُعدّ من أقسى معاهدات السلام التي فرضتها القوى المتحالفة على أي من دول المحور المركزي المهزومة، تاركة أثرًا عميقًا لا يزال حاضرًا في الوجدان الوطني المجري حتى اليوم.
| معلومات عامة | |
| تاريخ التوقيع | 4 يونيو 1920م |
| مكان التوقيع | قصر تريانون الكبير، فرساي، فرنسا |
| تاريخ دخولها حيز التنفيذ | 26 يوليو 1921م |
| الأطراف الموقعة | المجر، والقوى المتحالفة والمنتسبة |
| الأثر الإقليمي | |
| نسبة الأراضي المفقودة | نحو ثلثي أراضي المجر السابقة |
| نسبة السكان المفقودين | نحو ثلثي سكان المجر السابقين |
| الدول المستفيدة الرئيسية | تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، يوغوسلافيا، النمسا، إيطاليا |
| السياق التاريخي | |
| الإمبراطورية السابقة | النمسا-المجر |
| الحكومة الموقّعة | حكومة ساندور سيموني-سيمادام |
COSMALORE · الموسوعة العربية
انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية
مع اقتراب هزيمة الإمبراطورية النمساوية المجرية في خريف 1918م، تصدّع كيانها المتعدد القوميات بسرعة، فأعلنت شعوبها المختلفة، من التشيك والسلوفاك إلى الكروات والصرب والرومانيين، انفصالها وتأسيس دول وطنية جديدة أو الانضمام إلى دول قائمة، بموافقة ضمنية من القوى المنتصرة المتحمسة لمبدأ “حق تقرير المصير للشعوب” الذي روّج له الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. وفي 16 نوفمبر 1918م، أعلن المجلس الوطني المجري، برئاسة الكونت ميهاي كارولي، المجر جمهورية مستقلة عن النمسا، غير أن هذا الانفصال، رغم شعبيته، لم يحمِ البلاد من مصير مماثل لمصير الإمبراطورية التي انفصلت عنها؛ إذ سارعت القوات الصربية والتشيكية والرومانية إلى احتلال نحو ثلثي الأراضي المجرية التي كانت لا تزال تعتبرها المجر جزءًا منها، وسط فوضى داخلية حالت دون أي إصلاح اجتماعي منظم.
الجمهورية السوفيتية المجرية وسقوطها
انزلقت حكومة كارولي تدريجيًا نحو اليسار وسط تفاقم الأزمة، إلى أن حل محلها في 21 مارس 1919م جمهورية سوفيتية بقيادة الشيوعي بيلا كون، الذي كان قد وعد المجر بدعم عسكري روسي بلشفي لمواجهة القوات الرومانية المحتلة لأراضيها. غير أن هذا الدعم الموعود لم يصل أبدًا، بينما أدى تبني كون سياسات بلشفية متشددة، ارتكزت على ما عُرف بـ”الإرهاب الأحمر”، إلى نفور شبه شامل من الشعب المجري تجاه حكمه. وفي الأول من أغسطس 1919م، سقطت الجمهورية السوفيتية المجرية، بعد 133 يومًا فقط من قيامها، وفرّ بيلا كون ورفاقه إلى فيينا، ودخلت القوات الرومانية العاصمة بودابست بعد ثلاثة أيام من سقوطه.
تأخر تقديم شروط الصلح
كانت القوى المتحالفة قد أعدّت شروطها لصلح المجر منذ وقت مبكر نسبيًا، لكنها تأخرت في تقديمها رسميًا، أولًا بسبب رفضها التفاوض مع نظام بيلا كون الشيوعي، ثم بسبب عدم الاستقرار الواضح الذي اتسمت به الحكومات المجرية المعتدلة الأكثر التي تعاقبت على السلطة خلال فترة الاحتلال الروماني لبودابست الممتدة من أغسطس حتى منتصف نوفمبر 1919م. وفي هذه الأثناء، تشكلت في مدينة سيغد الواقعة تحت احتلال فرنسي، وفي فيينا، حكومات مضادة للثورة سعت لإقناع الحلفاء بتكليفها بإدارة البلاد، وقد نجح الأميرال ميكلوش هورتي، الذي نظّم القوات المسلحة المناهضة للثورة، في فرض نفسه تدريجيًا، فاختير وصيًّا على العرش المجري في مارس 1920م، في ظل استمرار الجدل الداخلي حول مستقبل النظام الملكي في البلاد. وأخيرًا، اعترف الحلفاء بحكومة ائتلافية جديدة، فتسلّم وفد مجري في السادس عشر من يناير 1920م، في مدينة نويي قرب باريس، مسودة المعاهدة المقترحة.
توقيع المعاهدة وبنودها الإقليمية
اضطرت حكومة ساندور سيموني-سيمادام، التي تولت السلطة في مارس 1920م، إلى توقيع المعاهدة رغم معارضتها الشديدة لبنودها، إذ لم تكن أمامها فرصة عملية للتفاوض على تعديل جوهري في شروطها التي أُعدّت مسبقًا. وبموجب المعاهدة، مُنحت تشيكوسلوفاكيا الوليدة إقليم سلوفاكيا بأكمله، إلى جانب منطقة روثينيا الواقعة جنوب الكاربات ومنطقة بريسبورغ (براتيسلافا حاليًا)، بينما حصلت النمسا على أغلب إقليم بورغنلاند غربي المجر، وحصلت مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين (يوغوسلافيا لاحقًا) على كرواتيا-سلافونيا وجزء من إقليم البانات، فيما نالت رومانيا حصة الأسد من هذا التقسيم، إذ حصلت على معظم إقليم البانات وإقليم ترانسيلفانيا بأكمله، ذي الأغلبية السكانية المجرية والرومانية المختلطة، بينما مُنحت إيطاليا مدينة فيومي الساحلية.
غياب الاستفتاءات الشعبية
حاول الوفد المجري المفاوض، برئاسة الكونت ألبرت أبوني، وهو قومي متحمس، الاستناد إلى مبدأ “حق تقرير المصير للشعوب” الذي تبنّاه الرئيس الأمريكي ويلسون، مطالبًا بإجراء استفتاءات شعبية في المناطق المتنازع عليها قبل تحديد مصيرها النهائي، بحجة أن نسبة كبيرة من سكانها كانوا من أصل مجري. غير أن القوى المتحالفة تجاهلت هذا المطلب في معظم الحالات، ولم تسمح بإجراء استفتاء شعبي إلا في منطقتين محدودتين فقط، أبرزهما منطقة سوبرون، التي صوّت سكانها فعليًا لصالح البقاء ضمن المجر، بينما نُقلت بقية الأراضي إلى الدول المستفيدة دون أي استفتاء يُذكر.
لن يستسلم أحد في هذا القاعة لهذا الحكم الجائر بإرادته الحرة، لكن ما من خيار آخر أمامنا سوى التوقيع تحت الإكراه.
— الكونت ألبرت أبوني، رئيس الوفد المجري المفاوض، أثناء مداولات معاهدة تريانون، 1920م
القيود العسكرية والاقتصادية
إلى جانب الخسائر الإقليمية الفادحة، فرضت المعاهدة قيودًا صارمة على القدرات العسكرية المجرية، إذ حُدد سقف الجيش المجري بخمسة وثلاثين ألف جندي متطوع فقط، مع إلغاء نظام التجنيد الإجباري، وحظر امتلاك المجر لأي سلاح جوي أو بحري، وهو ما بدا حظرًا رمزيًا أيضًا نظرًا لأن المعاهدة نفسها جرّدت البلاد من أي منفذ بحري مباشر، محوّلة إياها إلى دولة حبيسة بلا سواحل. كما فُرضت قيود على عدد مصانع الأسلحة المسموح بها داخل البلاد، رغم أن السلطات المجرية التفت لاحقًا على بعض هذه القيود سرًا.
الأثر الديموغرافي والاقتصادي
تسبب تقليص مساحة المجر بنسبة تقارب اثنين وسبعين بالمئة في تحول جذري وسريع في التركيبة السكانية والاقتصادية للبلاد؛ إذ انخفض عدد سكانها من نحو 20.8 مليون نسمة إلى نحو سبعة ملايين فقط، مع بقاء ما يقارب 3.3 مليون شخص من أصل مجري خارج الحدود الجديدة للدولة، موزعين بشكل أساسي على رومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا. ولم يكن الأثر الاقتصادي أقل قسوة، إذ فقدت المجر جزءًا كبيرًا من مواردها الطبيعية وبنيتها الصناعية والتعدينية التي كانت موزعة جغرافيًا بشكل غير متكافئ ضمن حدود المملكة السابقة، بينما ظلت العاصمة بودابست، التي بُنيت أساسًا لخدمة اقتصاد أوسع بكثير، مركزًا إداريًا واقتصاديًا متضخمًا نسبيًا لدولة أصغر بكثير مما كانت تخدمه، وهي اختلالات تفاقمت لاحقًا مع التضخم المفرط الذي شهدته البلاد وعجزها عن الوفاء بالتزامات التعويضات الحربية المفروضة عليها.
إرث تريانون في الذاكرة الوطنية المجرية
تركت معاهدة تريانون جرحًا عميقًا في الوجدان الوطني المجري استمر تأثيره طوال القرن العشرين، وغذّى نزعة نقض واسعة داخل المجر طالبت باسترداد الأراضي المفقودة، وهو ما استغلته ألمانيا النازية لاحقًا لاستمالة المجر إلى معسكرها في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين مقابل وعود باستعادة أجزاء من هذه الأراضي عبر ما عُرف بـ”تحكيمي فيينا” عامي 1938 و1940م، قبل أن تعيد معاهدات باريس بعد الحرب العالمية الثانية في 1947م تثبيت حدود المجر إلى ما كانت عليه إثر تريانون تقريبًا، مع تعديلات طفيفة إضافية. ولا يزال الرابع من يونيو، تاريخ توقيع المعاهدة، يُحيَى في المجر حتى اليوم كمناسبة وطنية للتذكر، فيما تواصل الأقليات المجرية الكبيرة المقيمة في الدول المجاورة، وخاصة في ترانسيلفانيا الرومانية وسلوفاكيا، الحفاظ على هويتها الثقافية واللغوية المتمايزة، في واحدة من أكثر التركات الجيوسياسية ديمومة لأي معاهدة سلام صدرت عن الحرب العالمية الأولى.