معاهدة سيفر معاهدة سلام وُقّعت في العاشر من أغسطس عام 1920م في مدينة سيفر الفرنسية القريبة من باريس، بين القوى المتحالفة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى من جهة، وممثلين عن حكومة السلطان العثماني في إسطنبول من جهة أخرى، بهدف إنهاء حالة الحرب رسميًا مع الدولة العثمانية وتصفية ما تبقى من ممتلكاتها. ألغت المعاهدة الدولة العثمانية عمليًا، وألزمت تركيا بالتخلي عن جميع حقوقها في الأراضي العربية بآسيا وشمال أفريقيا. غير أن هذه المعاهدة، على خلاف معظم معاهدات باريس الأخرى التي أنهت الحرب العالمية الأولى، لم تدخل حيز التنفيذ قط، إذ رفضتها حركة المقاومة الوطنية التركية الناشئة بقيادة مصطفى كمال، واستُبدلت في نهاية المطاف بمعاهدة لوزان عام 1923م.
| معلومات عامة | |
| تاريخ التوقيع | 10 أغسطس 1920م |
| مكان التوقيع | مصنع سيفر للخزف، سيفر، فرنسا |
| حالة التطبيق | لم تُصدَّق ولم تدخل حيز التنفيذ قط |
| المعاهدة البديلة | معاهدة لوزان، 24 يوليو 1923م |
| أبرز البنود | |
| الولايات العربية | تخلي تركيا عن جميع حقوقها فيها |
| أرمينيا | الاعتراف باستقلالها |
| كردستان | منحها حكمًا ذاتيًا |
| تراقيا الشرقية والسواحل الأناضولية الغربية | وضعها تحت النفوذ اليوناني |
| المضايق التركية | إخضاعها لإشراف لجنة دولية |
| السياق التاريخي | |
| مؤتمر التمهيد | مؤتمر سان ريمو، أبريل 1920م |
| حركة الرفض | الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال |
| COSMALORE · الموسوعة العربية | |
هدنة مودروس واحتلال إسطنبول
بعد استسلام الدولة العثمانية للحلفاء في أكتوبر 1918م، لم تنتظر القوى المتحالفة إتمام معاهدة سلام رسمية قبل الشروع في اقتسام ممتلكاتها؛ ففي مطلع ديسمبر 1918م احتلت القوات المتحالفة أجزاء من إسطنبول وأقامت إدارة عسكرية مشتركة عليها، وفي الثامن من فبراير 1919م دخل الجنرال الفرنسي فرانشيه ديسبيريه المدينة في مشهد استعراضي قُورن بدخول محمد الفاتح لها عام 1453م، لكن بدلالة معاكسة هذه المرة تشير إلى نهاية السيادة العثمانية على عاصمتها الإمبراطورية. وفي الوقت ذاته، أنزلت القوات اليونانية قواتها في مدينة إزمير الساحلية في مايو 1919م وبدأت التوغل داخل الأناضول، بينما تقدمت القوات الفرنسية في منطقة كيليكيا جنوب شرقي الأناضول، وسط تنافس إيطالي يوناني على مناطق نفوذ أخرى.
مؤتمر سان ريمو ووضع الإطار النهائي
لتحديد مصير الأراضي العثمانية السابقة بشكل نهائي، عُقد مؤتمر دولي في مدينة سان ريمو الإيطالية بين التاسع عشر والسادس والعشرين من أبريل 1920م، حضره رؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى جانب ممثلين عن اليابان واليونان وبلجيكا، وأقرّ هذا المؤتمر الإطار النهائي لمعاهدة السلام مع تركيا التي وُقّعت لاحقًا في سيفر. واعتمد المؤتمر أيضًا نظام “الانتداب” الذي أقرته عصبة الأمم حديثة النشأة لإدارة الأراضي العربية السابقة، فمنح بريطانيا انتدابًا على فلسطين والعراق، وفرنسا انتدابًا على سوريا ولبنان، في تنفيذ يعكس إلى حد بعيد التفاهمات السرية التي كانت بريطانيا وفرنسا قد توصلتا إليها خلال الحرب حول تقسيم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.
بنود المعاهدة: تفكيك الدولة العثمانية
نصّت معاهدة سيفر، التي وقّعها ممثلو حكومة السلطان محمد السادس في العاصمة الفرنسية، على إلغاء الدولة العثمانية فعليًا، وألزمت تركيا بالتخلي رسميًا عن كل ادعاء بالسيادة على الأراضي العربية في آسيا وشمال أفريقيا. وامتد التفكيك ليطال قلب الأناضول ذاته؛ إذ نصّت المعاهدة على وضع منطقة تراقيا الشرقية والساحل الغربي للأناضول المحيط بمدينة إزمير تحت النفوذ اليوناني، ووضع مضيقي البسفور والدردنيل تحت إشراف لجنة دولية مستقلة عن السيادة التركية، فضلًا عن نزع السلاح الكامل عنهما. كما تضمنت المعاهدة نصًا يقضي بالاعتراف باستقلال جمهورية أرمينيا، ومنح الأكراد حكمًا ذاتيًا في منطقة كردستان، تمهيدًا لاحتمال استقلالها لاحقًا إذا رغب سكانها في ذلك عبر استفتاء مستقبلي.
ظهور حركة المقاومة الوطنية التركية
بينما كانت حكومة السلطان في إسطنبول تخضع لضغوط الاحتلال المتحالف وتُساق نحو توقيع هذه الشروط القاسية، كان ضابط عثماني سابق يدعى مصطفى كمال، الذي برز قائدًا عسكريًا محنّكًا خلال الحرب العالمية الأولى، قد بدأ منذ منتصف عام 1919م تنظيم حركة مقاومة وطنية في عمق الأناضول، بعيدًا عن سيطرة سلطات الاحتلال في العاصمة. أُوفد مصطفى كمال رسميًا في مايو 1919م إلى مدينة سامسون على ساحل البحر الأسود بصفة مفتش عسكري مكلَّف بالإشراف على تسريح الجيش العثماني وضبط الأمن، لكنه استغل هذه المهمة الرسمية للاتصال بالسلطات العسكرية والمدنية المحلية وتحريضها على مقاومة قرارات التقسيم المرتقبة. وحين رفض الانصياع لأمر استدعائه إلى إسطنبول، جرّدته السلطات العثمانية من رتبته العسكرية، فاستقال من الجيش رسميًا في يوليو 1919م، ليتفرغ كليًا لقيادة الحركة الوطنية، التي عقدت مؤتمرين تأسيسيين في مدينتي أرضروم وسيواس أرسيا أسس “الميثاق الوطني” القاضي بعدم قابلية الأراضي التركية للتجزئة.
رفض البرلمان التركي للمعاهدة
شكّل مصطفى كمال في أبريل 1920م جمعية وطنية كبرى بديلة في مدينة أنقرة، متحديًا شرعية حكومة السلطان في إسطنبول التي وقّعت المعاهدة لاحقًا. وحين عُرضت بنود معاهدة سيفر على الجمعية الوطنية الجديدة، رفضتها رفضًا قاطعًا في التاسع عشر من أغسطس 1920م، واعتبرت موقّعيها والمسؤولين الذين أيّدوها مذنبين بالخيانة العظمى، مؤكدة بذلك على صحة القراءة المبكرة التي تبنتها حركة المقاومة لمآلات الوضع منذ بداياتها.
سأبقى في الأناضول حتى تستعيد الأمة كامل سيادتها واستقلالها.
— مصطفى كمال أتاتورك، بعد استقالته من الجيش العثماني، يوليو 1919م
حرب الاستقلال التركية وانهيار المعاهدة
تحوّل رفض معاهدة سيفر إلى صراع عسكري مفتوح عُرف بحرب الاستقلال التركية، خاضت خلاله قوات مصطفى كمال معارك متعددة الجبهات، أبرزها ضد القوات الأرمينية في القوقاز، ثم ضد القوات اليونانية التي كانت قد تعمقت داخل الأناضول تنفيذًا لبنود سيفر. وبعد سلسلة معارك متلاحقة انتهت بهزيمة اليونانيين واستعادة إزمير في سبتمبر 1922م، اضطرت القوى المتحالفة إلى قبول واقع جديد فرضته الحركة الوطنية التركية على الأرض، فأُبرمت هدنة مودانيا في أكتوبر 1922م، مهّدت الطريق لمفاوضات سلام جديدة كليًا.
استبدال سيفر بمعاهدة لوزان
استؤنفت مفاوضات السلام في مدينة لوزان السويسرية، هذه المرة مع وفد يمثل حكومة أنقرة الوطنية لا حكومة السلطان في إسطنبول، وأسفرت عن توقيع معاهدة لوزان في الرابع والعشرين من يوليو 1923م، لتحل محل معاهدة سيفر الملغاة فعليًا، وتصبح المعاهدة الوحيدة من بين معاهدات الحرب العالمية الأولى التي تفاوض عليها الطرف المهزوم بندًا بندًا على قدم المساواة النسبية مع المنتصرين. ألغت لوزان مطالب سيفر المتعلقة بالحكم الذاتي الكردي والاستقلال الأرميني، واعترفت رسميًا بحدود تركيا الحالية تقريبًا، بينما ظل مصير الولايات العربية السابقة، من سوريا ولبنان إلى فلسطين والعراق، محسومًا وفق ترتيبات الانتداب التي كانت قد أُقرت أصلًا في مؤتمر سان ريمو.
الأثر التاريخي لمعاهدة سيفر
رغم عدم تطبيقها قط، تركت معاهدة سيفر أثرًا رمزيًا عميقًا في الذاكرة السياسية التركية، إذ استُحضرت لعقود لاحقة كرمز لأقصى ما كانت القوى الغربية تطمح إليه من تفكيك للدولة التركية، وهو ما رسّخ في الوجدان القومي التركي حذرًا تاريخيًا مزمنًا مما يُعرف أحيانًا بـ”متلازمة سيفر”، أي مخاوف من مؤامرات خارجية تستهدف تجزئة تركيا مجددًا. وبالتوازي، شكّل تخلي المعاهدة عن الولايات العربية بداية رسمية لمرحلة الانتداب البريطاني والفرنسي في المشرق العربي، وهي ترتيبات أعادت رسم خرائط المنطقة السياسية بأشكال لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.