معاهدة برست ليتوفسك اتفاقية سلام وُقّعت في الثالث من مارس 1918 بين الحكومة السوفييتية الروسية الجديدة ودول الوسط، وهي ألمانيا والنمسا-المجر والدولة العثمانية وبلغاريا، وأنهت رسمياً مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى. وقد وُقّعت المعاهدة في مدينة برست ليتوفسك، الواقعة اليوم ضمن حدود بيلاروسيا، بعد مفاوضات طويلة ومتعثرة بدأت في ديسمبر 1917 استجابة لطلب الحكومة السوفييتية الوليدة بإبرام هدنة فورية عقب ثورة أكتوبر 1917. وقد فرضت المعاهدة على روسيا شروطاً بالغة القسوة، إذ خسرت بموجبها أراضي كانت تقطنها أكثر من ربع سكانها، وتوفر أكثر من ثلث محصولها الزراعي من الحبوب. ورغم أن المعاهدة أُلغيت رسمياً بعد ثمانية أشهر فقط عقب هزيمة ألمانيا في الحرب، فإن أثرها السياسي والعسكري كان بالغ الأهمية، إذ حرر مئات الآلاف من الجنود الألمان للقتال على الجبهة الغربية، كما أشعل انقساماً حاداً داخل صفوف الحزب البلشفي الحاكم حديثاً في روسيا.

معلومات عامة
تاريخ التوقيع 3 مارس 1918
مكان التوقيع برست ليتوفسك (بيلاروسيا حالياً)
بدء المفاوضات 22 ديسمبر 1917
التصديق النهائي 15 مارس 1918، مؤتمر السوفييتات
الأطراف الموقّعة
الجانب السوفييتي روسيا السوفييتية
دول الوسط ألمانيا، النمسا-المجر، الدولة العثمانية، بلغاريا
رئيس الوفد السوفييتي المفاوض ليون تروتسكي
الموقّع السوفييتي على المعاهدة غريغوري سوكولنيكوف
أبرز الشروط
الأراضي المتنازل عنها أوكرانيا، بولندا، دول البلطيق، فنلندا
أراضٍ في القوقاز قارص وأردهان وباتوم لصالح الدولة العثمانية
الخسائر البشرية والاقتصادية أكثر من ربع السكان وثلث المحصول الزراعي
الإلغاء
تاريخ الإلغاء 11 نوفمبر 1918 (هدنة الحرب العالمية الأولى)
التثبيت القانوني للإلغاء معاهدة فرساي، 1919
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية: مرسوم السلام وطلب الهدنة الفورية

جاءت معاهدة برست ليتوفسك تتويجاً لسياسة أعلنها فلاديمير لينين فور نجاح ثورة أكتوبر 1917، حين قدّم إلى مؤتمر السوفييتات ما عُرف بـ”مرسوم السلام”، الذي دعا فيه إلى إبرام سلام فوري وعادل بلا ضم للأراضي أو تعويضات مالية. وفي الثامن من نوفمبر 1917، طلبت الحكومة السوفييتية الجديدة رسمياً من دول الوسط الدخول في مفاوضات سلام، فأُبرمت هدنة بين الجانبين في الخامس عشر من ديسمبر 1917، وتوقف القتال على الجبهة الشرقية، قبل أن تبدأ مفاوضات السلام الفعلية في برست ليتوفسك في الثاني والعشرين من الشهر ذاته.

تروتسكي وسياسة “لا حرب ولا سلم”

تولى ليون تروتسكي، مفوض الشعب للشؤون الخارجية، رئاسة الوفد السوفييتي المفاوض اعتباراً من التاسع من يناير 1918، واتبع خلال هذه المرحلة تكتيكاً يقوم على إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان واستغلالها منبراً لبث بيانات دعائية موجهة إلى الرأي العام العالمي والعمال في دول الوسط، في حين تصاعد نفاد صبر الجانب الألماني تدريجياً إزاء هذا التسويف. وفي الثامن عشر من يناير 1918، حين لم يُحرَز تقدم يُذكر، عرض الجنرال الألماني ماكس هوفمان بحزم شروط بلاده التي تضمنت إقامة دول مستقلة في الأراضي البولندية والبلطيقية وأوكرانيا التي كانت تابعة سابقاً للإمبراطورية الروسية، فطلب تروتسكي مهلة استراحة عاد خلالها إلى بتروغراد لإقناع القيادة البلشفية المترددة، بمن فيها لينين نفسه، بتبني سياسة تقوم على إعلان انسحاب روسيا من الحرب من طرف واحد دون توقيع معاهدة سلام رسمية، في موقف عُرف تاريخياً بشعار “لا حرب ولا سلم”.

الهجوم الألماني وفرض شروط أقسى

لم يفلح هذا الرهان السوفييتي المحفوف بالمخاطر، إذ استأنفت القوات الألمانية هجومها العسكري في فبراير 1918 بقوة بلغت سبعين ألف جندي، فتقدمت شبه دون مقاومة تُذكر في عمق الأراضي الروسية حتى باتت تهدد بتروغراد نفسها، ما أرغم تروتسكي على قبول الشروط الألمانية المملاة عليه، فيما تمكنت ألمانيا بحلول الثالث والعشرين من فبراير من فرض شروط أشد قسوة من سابقتها. وفي خطاب أمام مؤتمر الحزب البلشفي في السادس من مارس 1918، أقرّ لينين صراحة بأن الحكومة السوفييتية كان ينبغي عليها قبول الشروط الأولى الأخف وطأة، معترفاً بأن التأخير قد أفضى إلى سلام أشد إذلالاً من ذلك الذي رُفض في البداية.

شروط المعاهدة القاسية

وقّعت الحكومة السوفييتية معاهدة برست ليتوفسك في الثالث من مارس 1918، مقرّة بموجبها بخسارة أوكرانيا وأراضيها البولندية والبلطيقية بالكامل، إلى جانب فنلندا. وفي جنوب البلاد، تنازلت روسيا عن مناطق قارص وأردهان وباتوم في القوقاز لصالح الدولة العثمانية، فضلاً عن تخليها الكامل عن كافة حقوقها في أوكرانيا وفنلندا. وبموجب هذه الشروط، فقدت روسيا أراضي كانت تسكنها نسبة تزيد على ربع سكان الإمبراطورية الروسية السابقة، وتوفر أكثر من ثلث محصولها الزراعي من الحبوب، في خسارة اقتصادية وبشرية هائلة وصفها المؤرخون بأنها كانت “شديدة الفداحة” على الدولة الروسية الناشئة حديثاً تحت الحكم البلشفي.

المعاهدة التكميلية وتعميق التبعية الاقتصادية

لم تكن معاهدة مارس 1918 نهاية المطاف في العلاقة الاقتصادية القسرية بين روسيا السوفييتية وألمانيا، إذ وقّع الطرفان معاهدة تكميلية أخرى في السابع والعشرين من أغسطس 1918، منحت روسيا بموجبها ألمانيا حقوقاً اقتصادية إضافية على أراضيها، مقابل حصولها على تعهدات ألمانية بالحد من دعم برلين لقوات الحلفاء المعادية للبلاشفة داخل روسيا نفسها. وقد جاء هذا التقارب المتزايد مع ألمانيا نتيجة مباشرة لفشل محاولات دول الحلفاء، التي كانت قد قدّمت وعوداً بمساعدات عسكرية واقتصادية للبلاشفة على أمل منع تصديق المعاهدة أصلاً، في إعادة تنشيط الجبهة الشرقية عبر قوات محدودة أُنزلت في موانئ مورمانسك وأرخانجيلسك الشمالية، فضلاً عن فيلق تشيكوسلوفاكي مكوّن من أسرى حرب سابقين وقوات يابانية مساندة.

إلغاء المعاهدة عقب هزيمة ألمانيا

لم تُقدَّر لترتيبات معاهدتي برست ليتوفسك الأصلية والتكميلية الاستمرارية الطويلة، إذ سقطت جميع بنودهما بعد استسلام ألمانيا في نوفمبر 1918، وبموجب شروط معاهدة فرساي اللاحقة عام 1919، أُرغمت ألمانيا على التخلي رسمياً عن جميع المكاسب التي كانت قد حققتها في برست ليتوفسك. وقد استعادت أوكرانيا لاحقاً ارتباطها بروسيا خلال الحرب الأهلية الروسية التي اندلعت عام 1919، بعد أن كانت قد انفصلت مؤقتاً بموجب معاهدة مستقلة وقّعتها دول الوسط مع الجمهورية الأوكرانية في التاسع من فبراير 1918، أي قبل توقيع المعاهدة الروسية بأسابيع قليلة.

الأثر التاريخي والانقسام البلشفي

خلّفت معاهدة برست ليتوفسك أثراً بالغ التعقيد على مسار الأحداث اللاحقة في روسيا والعالم؛ فمن جهة، أدى قبول البلاشفة بشروطها القاسية إلى انقسام حاد داخل الهرم القيادي للحزب الشيوعي الروسي حديث النشأة، بين من رأى في التوقيع خيانة للمبادئ الثورية، ومن اعتبره ضرورة استراتيجية لا مفر منها لإنقاذ الثورة من انهيار عسكري محقق أمام الجيش الألماني المتقدم. ومن جهة أخرى، حررت المعاهدة مئات الآلاف من الجنود الألمان لنقلهم إلى الجبهة الغربية، وهو ما هدد الحلفاء بكارثة عسكرية محتملة، ودفعهم في المقابل إلى دعم القوى الملكية والموالية للحكومة المؤقتة السابقة في الحرب الأهلية الروسية التي اندلعت عقب ذلك مباشرة.