الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (بالإنجليزية: Universal Declaration of Human Rights، اختصاراً: UDHR) هو وثيقة تاريخية أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948م بموجب قرارها رقم 217 (أ/III) في قاعة قصر شايو بباريس، لتُمثّل أول صياغة شاملة وعالمية الطابع لحقوق الإنسان الأساسية والحريات الجوهرية التي تسري على جميع البشر دون تمييز. صِيغت الوثيقة في غضون عامَين فقط من أشد اللحظات التاريخية تقلّباً وتوتراً، وسط أنقاض الحرب العالمية الثانية وبوادر الحرب الباردة، بقيادة لجنة من ثمانية عشر عضواً تمثّل خلفيات قومية ودينية وفلسفية متباينة بصورة غير مسبوقة في تاريخ التشريع الدولي. تُجسّد الوثيقة في ديباجتها وثلاثين مادةً منظومةً متكاملة للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مُعلِنةً بصورة قاطعة أن جميع البشر يولدون «أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق»، وأن هذه الحقوق فطرية وغير قابلة للتنازل عنها، وتصبّ في الإنسان بوصفه إنساناً لا بوصفه مواطناً أو رعية أو أيّ تصنيف آخر. ترأست صياغةَ الإعلان إليانور روزفلت، أرملة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وقائدة حقوق الإنسان الكبرى، التي وصفت الوثيقة بأنها «الماغنا كارتا للإنسانية» ورأت في نفسها إسهامها الشخصي الأعظم في تاريخ الخدمة العامة. أسفرت عن الإعلان على مدى العقود التالية منظومة حقوقية دولية متكاملة شملت العهدَين الدوليَّين لعام 1966م، وعشرات الاتفاقيات الدولية المتخصصة، والمحاكمَ الإقليمية لحقوق الإنسان، فضلاً عن تأثيره المباشر في مئات الدساتير الوطنية حول العالم. ومع بلوغه سبعة وسبعين عاماً، يبقى الإعلان أوسع وثيقة إنسانية انتشاراً في التاريخ إذ تُرجم إلى 577 لغة ولهجة، محتفظاً بمكانته بوصفه المرجع الأول والمعيار الأسمى في الخطاب الحقوقي الكوني.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
الاسم الكامل Universal Declaration of Human Rights (UDHR)
تاريخ الاعتماد 10 ديسمبر 1948م
مكان الاعتماد قصر شايو، باريس، فرنسا
الجهة المُعتمِدة الجمعية العامة للأمم المتحدة
رقم القرار القرار 217 أ (د-3)
نتيجة التصويت
الدول الأعضاء آنذاك 58 دولة
صوّتت بنعم 48 دولة
صوّتت بلا صفر (لا معارضة)
امتنعت عن التصويت 8 دول (الاتحاد السوفيتي، بيلاروسيا، أوكرانيا، يوغوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا، بولندا، المملكة العربية السعودية، جنوب أفريقيا)
غابت عن التصويت دولتان (هندوراس واليمن)
الصياغة والمؤلفون الرئيسيون
رئيسة لجنة الصياغة إليانور روزفلت (الولايات المتحدة)
معدّ المسوّدة الأولى جون بيترز همفري (كندا) — مدير قسم حقوق الإنسان في الأمانة العامة للأمم المتحدة
مُنظِّم البنية المعمارية رينيه كاسان (فرنسا) — لاحقاً نال جائزة نوبل للسلام عام 1968م
نائب الرئيس تشانغ بينغ-تشون (الصين) — فيلسوف ودبلوماسي وكاتب مسرحي
المقرر العام شارل حبيب مالك (لبنان) — فيلسوف وأستاذ جامعي
أعضاء بارزون آخرون هرنان سانتا كروز (تشيلي)، هانسا ميهتا (الهند)، كارلوس رومولو (الفلبين)
مدة الصياغة أقل من عامَين (1947–1948م) — 85 جلسة عمل
هيكل الوثيقة
الديباجة 7 فقرات تُؤطّر الإطار الفلسفي والتاريخي
إجمالي المواد 30 مادة
الحقوق المدنية والسياسية المواد 3-21
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المواد 22-27
مواد الإطار والقيود المواد 28-30
الإرث والأثر
عدد اللغات المترجَم إليها 577 لغة ولهجة (رقم قياسي غينيس كأوسع وثيقة انتشاراً)
العهود الدولية المتممة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية + العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966م، نافذان 1976م)
يوم حقوق الإنسان العالمي 10 ديسمبر من كل عام
مكان حفظ الوثيقة الأصلية الأرشيف الوطني للأمم المتحدة، نيويورك
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: السياق التاريخي — العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية

لا يمكن استيعاب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعيداً عن الصدمة الحضارية الهائلة التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)، تلك الحرب التي فاقت في ضراوتها وشموليتها كل ما سبقها، وأسفرت عن سقوط ما يزيد على سبعين مليون ضحية، أكثر من نصفهم من المدنيين، في سابقة لا عهد للبشرية بمثلها. لم تكن هذه الأرقام المجردة هي التي أيقظت الضمير الإنساني الدولي بالقدر الذي أيقظه إياه الطابع المنهجي والمُمنهَج للإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام النازي ضد اليهود والغجر والسلاف وكثيرين غيرهم في جريمة الهولوكوست، التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي فضلاً عن الملايين من سائر الضحايا.

كشفت محاكمات نورمبرغ (1945-1946م)، التي أُقيمت لمحاسبة قادة الرايخ النازي، عن ثغرة قانونية بالغة الخطورة: كانت الجرائم المرتكبة قانونيةً في ضوء التشريعات النازية الداخلية، إذ بنى هتلر آلته المجرمة على قوانين رسمية نافذة، مما عرّى الهشاشةَ الفاضحة لمبدأ «السيادة المطلقة» للدولة بوصفه درعاً ضد كل رقابة خارجية. أدرك واضعو الإطار القانوني الدولي الجديد أن الحماية من الجرائم المشابهة في المستقبل تستلزم بناء منظومة حقوق دولية تعلو على التشريعات الوطنية وتُقيّد بها سلطة الدولة على مواطنيها.

في أبريل 1945م، وبينما لا تزال نيران الحرب لم تُخمَد كاملاً، التأم ممثلو خمسين أمة في سان فرانسيسكو لوضع ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر في السادس والعشرين من يونيو 1945م. تضمّن الميثاق إشاراتٍ متكررة إلى «حقوق الإنسان» و«الكرامة الجوهرية للإنسان»، غير أنه اكتفى بالإشارة دون أن يُعرِّف هذه الحقوق أو يُدوِّنها بصورة ملزمة، مُرجِئاً هذه المهمة إلى لجان تختص بها لاحقاً. وكان من أبرز المؤثّرين في إدراج لغة الحقوق في الميثاق رئيسُ وزراء جنوب أفريقيا يان سمُتس الذي أدرج مصطلح «الكرامة» في نص الميثاق، وإن كان هذا لم يمنع دولته لاحقاً من الامتناع عن التصويت على الإعلان بحجة تعارضه مع نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).

في فبراير 1946م أسّست لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (إيكوسوك) لجنةَ حقوق الإنسان بوصفها هيئة دائمة في منظومة الأمم المتحدة، وأنيط بها إعداد «وثيقة دولية لحقوق الإنسان» تُرجمت آمال المجتمع الدولي في إرساء نظام عالمي جديد يصون كرامة الإنسان. انتُخبت إليانور روزفلت رئيسةً للجنة في أول انعقاداتها، لتبدأ رحلة إعداد الإعلان وسط مناخ الحرب الباردة الذي كان يُلقي بظلاله الثقيلة على كل اتصال بين الشرق والغرب.

ثانياً: إليانور روزفلت — العقل المُحرِّك والإرادة الصلبة

لم تكن إليانور روزفلت (1884-1962م) أرملة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت فحسب، بل كانت شخصية مستقلة ذات تاريخ طويل في نضال حقوق الإنسان ومناهضة التمييز العنصري والدفاع عن حقوق العمال والمرأة في الولايات المتحدة. حين عيّنها الرئيس هاري ترومان مندوبةً للأمم المتحدة في ديسمبر 1945م، كانت تحمل إرثاً شخصياً عميقاً من الالتزام الإنساني صقله تجوالها في مخيمات المشرّدين والمعاهد والمستشفيات وصفوف الفقراء.

على الرغم من أنها اعترفت صراحةً بغياب تدريبها القانوني وخبرتها في إجراءات البرلمانات الدولية، فإن روزفلت قدّمت شيئاً لا تستطيع الخبرة التقنية أن تُعوّض عنه: الحضور الأخلاقي الطاغي، والقدرة على بناء الجسور عبر الهوّات الأيديولوجية السحيقة، والقدرة الاستثنائية على إيجاد أرضية مشتركة بين أشد المتفاوضين تناقضاً. روى أعضاء اللجنة أنها كانت تستضيف المفاوضين في عشاءات خاصة غير رسمية تذوب فيها الجدران الدبلوماسية وتنقشع الصلابات الأيديولوجية، بما فيها مسؤولون سوفيت اشتُهروا بتحفّظهم وعدائيتهم في الجلسات الرسمية.

كان أصعب ما واجهته روزفلت التوفيقَ بين الرؤيتين المتعارضتين للحقوق: الغربية الليبرالية التي تولي الأولوية للحقوق المدنية والسياسية كالحرية الفردية والملكية والمشاركة السياسية، والسوفيتية التي تُقدّم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالحق في العمل والرعاية الصحية والتعليم. واستطاعت روزفلت أن تُقنع الجانبَين بأن الإعلان لا يجب أن يختار بين هذين النوعَين بل يجب أن يُجمع بينهما في وثيقة واحدة موحدة، محوّلةً بذلك الخلافَ الأيديولوجي الأعمق في تاريخ الحرب الباردة إلى قوة دافعة نحو توثيقٍ أشمل وأعمق للحقوق الإنسانية. وصفت روزفلت الإعلان العالمي بأنه كان يمثّل بالنسبة لها «ماغنا كارتا الإنسانية»، معبّرةً في ذلك عن رؤية التحول الجذري الذي كان يُمثّله هذا الإعلان في نقل مسألة حقوق الإنسان من نطاق الفلسفة إلى نطاق القانون الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي المشترك.

ثالثاً: فريق الصياغة — تعدد الثقافات في خدمة الكونية

ما يُميّز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تمييزاً جوهرياً عن كل الإعلانات الحقوقية السابقة هو أنه وُلد من رحم حوار فلسفي متعدد الحضارات. وعلى خلاف ما يُدّعى أحياناً من أنه صدى غربي خالص، فإن أبرز واضعيه جاؤوا من تقاليد حضارية متباينة، وهو ما أكسبه شرعيةً دولية لم تكن مُيسّرةً لو احتكرته ثقافة بعينها.

كان جون بيترز همفري (1905-1995م)، الأستاذ الكندي في القانون الدولي الذي تولّى إدارة قسم حقوق الإنسان في الأمانة العامة للأمم المتحدة، هو الذي أعدّ المسوّدة الأولى للإعلان — المعروفة بـ«مسودة همفري» — وذلك بمراجعة أكثر من أربعين دستوراً وطنياً ومقترحاً من حكومات ومنظمات غير حكومية وأفراد، ليُرتّب من هذا المعين الواسع قائمةً من ثمانية وأربعين حقاً اقترح صياغتها في الإعلان.

أما رينيه كاسان (1887-1976م)، المحامي والأستاذ الفرنسي المرموق الذي أسهم بدور بالغ خلال الحرب العالمية الثانية مستشاراً قانونياً للجنرال ديغول في المقاومة الفرنسية الحرة، فقد أعاد في المسوّدة الثانية بناءَ الوثيقة معمارياً وفق نموذج يستلهم القانون المدني الفرنسي (قانون نابليون)؛ إذ قارن الإعلان بـ«رواق معبد يوناني» له أعمدة أربعة وقاعدة وجبهة سقف. فاز كاسان في وقت لاحق بجائزة نوبل للسلام عام 1968م تقديراً لإسهامه في هذا المشروع الإنساني الكوني.

أدّى تشانغ بينغ-تشون (1892-1957م)، الفيلسوف والكاتب المسرحي والدبلوماسي الصيني، دوراً حاسماً في مقاومة الهيمنة الأحادية للأطر الفكرية الغربية، إذ أصرّ على ضرورة أن تعكس الوثيقة ما هو أوسع من الرؤية الغربية وحدها. وقد دعا صراحةً إلى تبنّي ما في الفكر الكونفوشيوسي من مفاهيم الواجب الاجتماعي والانسجام الجماعي إلى جانب المفاهيم الغربية عن الحقوق الفردية، وبموجب جهوده أُسقطت جميع الإحالات الصريحة إلى الطبيعة أو الإله من النص النهائي ضماناً للقبول العالمي لدى من لا يُشاركون الخلفية الثيولوجية الغربية.

وكان شارل حبيب مالك (1906-1987م)، الفيلسوف اللبناني الذي درس في جامعة هارفارد وأسّس قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، مقرّراً عاماً للجنة، وقد أسهم إسهاماً بالغاً في إضفاء الصياغة الفلسفية المتماسكة على الإعلان، مستنداً إلى خلفيته اللاهوتية المسيحية الأرثوذكسية وتدريبه الفلسفي العميق في التأكيد على مبدأ الكرامة الإنسانية الجوهرية الذي يُشكّل الأساس الأخلاقي للوثيقة. وأدّت هانسا ميهتا من الهند دوراً محورياً في إدراج البُعد الجندري في صياغة الوثيقة؛ إذ أصرّت على تغيير الصياغة من «جميع الرجال يولدون أحراراً» إلى «جميع البشر يولدون أحراراً»، ومنعت بذلك استثناء المرأة من النص الرئيسي للإعلان.

رابعاً: مسار الصياغة — رحلة من التنوع إلى التوافق

بدأت المراحل الأولى لصياغة الإعلان في فبراير 1947م حين أُنشئت لجنة الصياغة الخاصة وكُلّف همفري بإعداد المسوّدة الأولى. استغرق همفري أشهراً في مسح واسع للمواثيق الحقوقية الوطنية والإقليمية والمقترحات الواردة من حكومات ومنظمات غير حكومية ومفكرين أفراد، منتجاً وثيقةً تضمنت ثمانية وأربعين مادة مُقترَحة سُمّيت في مراحل لاحقة «الخطوط الهيكلية لمشروع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». أعاد كاسان بعدها في «مسودة كاسان» الشهيرة إعادةَ تنظيم المواد وتحسين صياغتها الفلسفية وفق نموذج معماري متسق.

خاض المفاوضون ثمانيةً وثمانين جلسة عمل مكثفة كثير منها امتد حتى ما بعد منتصف الليل، مع تعديل مئة وثمانية وستين اقتراح تعديل مقدَّمة من الدول الأعضاء. كان من أشد النقاشات حدةً الجدلُ حول ما إذا كان ينبغي الاستناد إلى «القانون الطبيعي» أو «الخالق» بوصفه مصدراً للحقوق — وهو ما أصرّ عليه مالك من منطلقه الفلسفي الطبيعاني — أو ترك الأمر مفتوحاً دون إحالة دينية أو فلسفية بعينها كما أصرّ تشانغ. انتهى الحل الوسط باعتماد صياغة «يتمتعون بالعقل والوجدان»، الأمر الذي جعل المادة الأولى من الإعلان قابلةً للتأويل في إطار مختلف الأطر الفلسفية والدينية والعلمانية دون أن تُوصِد باباً على أي منها.

كان التوتر الأكثر عمقاً بين المعسكرَين السوفيتي والغربي حول حدود العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة؛ إذ سعى الممثلون السوفيت إلى إدراج بنود تُقيّد حقوق الإنسان بواجبات جماعية ومقتضيات السيادة الوطنية، فيما رأى الغربيون في ذلك بوابةً لتقييد الحرية الفردية في خدمة مصالح الدولة. أسفر المفاوض الماهر — بدعم حاسم من روزفلت — عن صياغة المادة الثلاثين التي تُحذّر من توظيف أي حكم في الإعلان لتبرير أي عمل يهدف إلى تدمير الحقوق والحريات الواردة فيه، وهو ما مثّل حلاً توافقياً أغلق الباب أمام التأويلات التي تجعل الإعلان سلاحاً لإلغاء نفسه.

خامساً: الديباجة وبنية المواد الثلاثين — تحليل تفصيلي

تستهلّ ديباجة الإعلان بتشخيص تاريخي جلي لأسباب الصياغة: «إن الاعتراف بالكرامة المتأصّلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية وغير القابلة للتصرف هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم». تُقرّر هذه الجملة الافتتاحية في ضربة واحدة أن الحقوق الإنسانية تنبع من الوجود الإنساني ذاته لا من منح دولة أو سلطة، وأن الكرامة الإنسانية مصدر الحقوق لا نتيجتها. ثم تُشير الديباجة إلى الصلة العضوية بين الحقوق الداخلية والسلام الدولي: إن الدول التي تُحسن معاملة مواطنيها أقل ميلاً إلى العدوان الخارجي.

تُرسّخ المادتان الأولى والثانية المبدأَين التأسيسيَّين اللذَين ينبثق منهما كل ما عداهما؛ تُقرّر المادة الأولى أن «جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً ووجداناً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء»، فيما تُرسّخ المادة الثانية مبدأ عدم التمييز وتُسرده سرداً استيعابياً: العرق واللون والجنس واللغة والدين والرأي السياسي والأصل القومي أو الاجتماعي والثروة والميلاد أو أي وضع آخر، وهي قائمة وصفها بعض المؤرخين بأنها كانت أوسع وأشمل تعريف للمساواة الإنسانية أُنجز في أي وثيقة حقوقية في تاريخ البشرية.

تتناول المواد 3 إلى 11 ما يمكن تسميته الحقوق الفردية الأساسية: الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي (م.3)، وحظر الرق والاسترقاق (م.4)، وحظر التعذيب والعقوبات القاسية والمهينة (م.5)، والاعتراف بالشخصية القانونية لكل إنسان (م.6)، والمساواة أمام القانون وحق التقاضي (م.7-10)، وقرينة البراءة حتى تثبت الإدانة (م.11). واللافت أن هذه المواد نصّت لأول مرة في وثيقة دولية على أن مبدأ التقنين الجنائي المسبق (عدم جواز العقاب على فعل لم يكن مُجرَّماً وقت ارتكابه) يسري بغض النظر عمّا تنصّ عليه القوانين الوطنية، في رسالة مُضمَرة لكنها صريحة تُفنّد الحجة التي استخدمها المدافعون عن جرائم النازية بالقول إنها كانت مشروعة قانوناً.

تُحدّد المواد 12 إلى 17 الحقوقَ المدنية والسياسية التفصيلية: حق الخصوصية وحظر التدخل التعسفي في الشؤون الخاصة (م.12)، وحرية التنقل والإقامة والهجرة (م.13)، والحق في اللجوء (م.14)، والحق في الجنسية وحظر التجريد منها تعسفاً (م.15)، والحق في الزواج بغض النظر عن العرق أو الجنسية أو الدين مع كامل المساواة في الحقوق الزوجية (م.16)، وأخيراً الحق في التملك وحظر نزع الملكية التعسفي (م.17). وقد كانت المادة 14 المتعلقة بالحق في اللجوء من أكثر المواد الخلافية إثارةً للنقاش، إذ عارض الغرب في بادئ الأمر صياغتها بحيث تجعل اللجوء حقاً ملزماً تمنحه الدول، فجرى التوافق على صياغة أضعف تمنح الشخص «حق التماس اللجوء والتمتع به» دون أن تفرض على الدول التزاماً صريحاً بمنحه.

تُكرّس المواد 18 إلى 21 الحقوقَ التي يمكن تسميتها الحريات الدستورية الكبرى: حرية الفكر والوجدان والدين بما في ذلك الحق في تغيير الدين أو المعتقد (م.18)، وحرية الرأي والتعبير بما فيها تلقّي المعلومات ونقلها عبر الحدود (م.19)، وحق التجمع السلمي وتكوين الجمعيات (م.20)، والحق في المشاركة السياسية والتصويت والانتخاب (م.21). وكانت المادة 18 المتعلقة بحرية تغيير الدين سبباً رئيسياً لامتناع المملكة العربية السعودية عن التصويت، بينما ترى الأنظمة الشمولية المادةَ التاسعة عشرة بشأن حرية التعبير عبر الحدود تدخلاً سافراً في السيادة الوطنية.

تُمثّل المواد 22 إلى 27 ما أصرّت عليه الكتلة السوفيتية وبعض ممثلي أمريكا اللاتينية: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما كان جديداً نسبياً في القانون الدولي، إذ لم تكن الإعلانات الليبرالية التقليدية قد أدرجتها في صلب منظومتها الحقوقية. تشمل هذه المجموعة الحق في الضمان الاجتماعي (م.22)، وحق العمل في ظروف عادلة ومنصفة وحرية الانتساب إلى النقابات (م.23)، والحق في الراحة وفي إجازة دورية بأجر (م.24)، والحق في مستوى معيشي كافٍ يشمل الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الطبية (م.25)، والحق في التعليم وبالمجان في مراحله الأساسية (م.26)، والحق في الاشتراك في الحياة الثقافية وفي التمتع بفوائد التقدم العلمي (م.27).

تختتم المواد 28 إلى 30 الإعلانَ بما يمكن وصفه بـ«الجبهة» أو «التاج» وفق تشبيه كاسان المعماري: الحق في نظام اجتماعي دولي يجعل هذه الحقوق واقعاً ملموساً (م.28)، وواجبات الفرد إزاء مجتمعه مع تحديد القيود المشروعة على الحقوق بشروط ثلاثة دقيقة: الحقوق والحريات الأخرى، والمتطلبات العادلة للنظام العام والأخلاق والصحة العامة في مجتمع ديمقراطي (م.29)، وحظر توظيف أي حكم من أحكام الإعلان لإلغاء الحقوق الواردة فيه (م.30). وتُمثّل هذه المواد الأخيرة بالغَ الأهمية في سدّ الثغرات التفسيرية التي حاول بعض الأنظمة استغلالها لتبرير تقييد الحقوق.

سادساً: جلسة التصويت التاريخية في ديسمبر 1948م

في العاشر من ديسمبر 1948م، وفي قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في قصر شايو الباريسي، رُفعت الأيدي مؤيدةً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتأييد ثمانية وأربعين دولة مقابل صفر معارض وثمانية دول ممتنعة. كانت اللحظة التاريخية استثنائية في حجمها ودلالتها؛ فللمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري توافقت أمم متباينة الثقافات والأنظمة على وثيقة واحدة تُعلن حقوقاً مشتركة لكل بني الإنسان.

كتب هيرنان سانتا كروز، عضو لجنة الصياغة عن تشيلي، في مذكراته يصف تلك اللحظة: «أدركت بوضوح تام أنني أُشارك في حدث تاريخي بالغ الأهمية؛ فقد تحقّق توافق حول القيمة العليا للشخص الإنساني، وهي قيمة لا تنبع من قرار سلطة دنيوية، بل من مجرد الوجود — الذي يُفضي إلى الحق غير القابل للانتزاع في الحياة حرّاً من الحاجة والاضطهاد ومتمتعاً بكامل إنسانيته. كان في القاعة الكبرى مناخ من التضامن الحقيقي والأخوة بين رجال ونساء من كل خطوط العرض، لا مثيل له في أي تجمع دولي آخر خبرته».

أما الدول الثماني الممتنعة فكانت لكل منها دوافعها الخاصة: امتنع الاتحاد السوفيتي وجمهوريتاه (بيلاروسيا وأوكرانيا) ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا — كلها من المعسكر الشرقي — بحجة أن الإعلان يُفرط في التأكيد على الحقوق الليبرالية الفردية على حساب الحقوق الاجتماعية الجماعية، وأنه لا يُدين الفاشية والنازية بصورة صريحة. أما المملكة العربية السعودية فامتنعت أساساً بسبب المادة 18 المتعلقة بحرية تغيير الدين التي رأت فيها تعارضاً مع أحكام الفقه الإسلامي، فيما امتنعت جنوب أفريقيا تحديداً لأن الإعلان يُدين نظام الفصل العنصري الذي بدأت حكومة الوطنيين في تطبيقه للتو عام 1948م.

سابعاً: القيمة القانونية للإعلان — بين الإلزام الأخلاقي والتطور القانوني

صدر الإعلان العالمي في بادئ أمره «مجرد إعلان» وليس معاهدةً ملزِمة، وهو الاختيار الذي أصرّت عليه إليانور روزفلت معتقدةً أن الوثيقة ستمارس على المجتمع الدولي التأثيرَ ذاته الذي مارسه إعلان الاستقلال الأمريكي داخل الولايات المتحدة، أي تأثير الوثيقة المؤسِّسة التي تُرسّخ قيماً وتُربّي وجداناً وتُحرّك حركات حقوق أكثر مما تُنفّذ بالإكراه القانوني المباشر. غير أن التطور الذي شهده الإعلان لاحقاً فاق هذا التصوّر؛ إذ استشهدت به المحاكم الوطنية والدولية بوصفه مرجعاً قانونياً، وأُدرجت مبادئه في مئات الدساتير الوطنية، حتى ذهب فقهاء القانون الدولي الراسخون كهرش لوتربخت وآخرون إلى اعتبار الإعلان في جملته أو في مبادئه الجوهرية قد انتقل إلى مرتبة «القانون الدولي العرفي»، أي أنه صار ملزِماً لجميع الدول بصرف النظر عن موقفها من التوقيع عليه.

تُقرّ دراسة أكاديمية حديثة (2023م) بأن «الممارسة الدولية على مدى خمسة وسبعين عاماً تُثبت أن الإعلان، وإن كان أداةً غير مُلزِمة من الناحية الفنية، فقد اكتسب مكانةً أخلاقية وقانونية وسياسية راسخة. وتُجمع الدراسات على أن انتهاكات حقوق الإنسان باتت عالمية النطاق حتى وإن لم تصبح حقوق الإنسان عالميةَ التطبيق بعد».

ثامناً: العهدان الدوليان 1966م — إكمال شريعة الإنسانية

أشارت روزفلت منذ البداية إلى أن الإعلان الذي صدر عام 1948م لم يكن سوى «المرحلة الأولى» من مشروع أوسع، وأن ثمة معاهداتٍ ملزمة ينبغي أن تعقبه. استغرق إنجاز هذه المعاهدات ثمانية عشر عاماً إضافية من المفاوضات المضنية، إلى أن أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966م عهدَين دوليَّين يُكمّلان مع الإعلان ما بات يُعرف بـ«الشريعة الدولية لحقوق الإنسان»:

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) يُحوّل الحقوق المدنية والسياسية الواردة في الإعلان إلى التزامات قانونية ملزمة على الدول المُصادِقة عليه، مع آليات شكاوى فردية وتقارير دورية لرصد الامتثال. أما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) فيُلزم الدول بالتحرك التدريجي نحو تحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة. دخل العهدان حيز التنفيذ عام 1976م بعد حصولهما على العدد الكافي من التصديقات، لتكتمل بذلك الثلاثية الحقوقية الكبرى: الإعلان + العهد المدني والسياسي + العهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

تاسعاً: الأثر العالمي — الإعلان في الأنظمة القانونية الوطنية والدولية

انتشر تأثير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في موجات متتالية؛ ففي الموجة الأولى (الخمسينيات والستينيات) وجدت الدول الأفريقية والآسيوية المستقلة حديثاً لغةَ الإعلان سلاحاً أخلاقياً وقانونياً في مواجهة الاستعمار ولقرع أبواب الاعتراف الدولي. وفي الموجة الثانية (السبعينيات والثمانينيات) صار الإعلان ركيزةً لحركات مناهضة الأنظمة الاستبدادية في أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، إذ يُستشهد بنصوصه في المرافعات القانونية أمام المحاكم الوطنية وفي النضال الشعبي الميداني على حدٍّ سواء.

على الصعيد القانوني الدولي، تشعّبت من الإعلان منظومة غنية من الاتفاقيات الدولية المتخصصة: اتفاقية مناهضة التعذيب (1984م)، واتفاقية حقوق الطفل (1989م) التي باتت أكثر المعاهدات الدولية تصديقاً في التاريخ، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965م)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979م)، وغيرها العشرات. وقد نشأت إلى جانب هذه المنظومة الأممية محاكمُ إقليمية لحقوق الإنسان تستند قراراتها في مرجعيتها الأولى إلى الإعلان ومبادئه: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

مستقبل العالم يجب أن يتجه نحو توسيع نطاق حقوق الإنسان في كل أرجائه. إن الناس الذين لمسوا طعم الحرية لن يقنعوا أبداً حتى ينالوها لأنفسهم. والناس الذين يستمرون في الحرمان من الاحترام الذي يستحقونه بوصفهم بشراً لن يرضوا إلى الأبد بهذا الحرمان.
— إليانور روزفلت، خطاب السوربون، باريس، سبتمبر 1948م

عاشراً: الانتقادات والجدل — الكونية مقابل النسبية الثقافية

لم يخلُ مسار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من جدل فلسفي وسياسي عميق يتمحور حول سؤال جوهري: هل يمكن لحقوق ما أن تكون كونيةً حقاً بمعنى سريانها على جميع البشر بصرف النظر عن ثقافاتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم؟ أثارت هذه الإشكالية موجة من النقد الأنثروبولوجي الفلسفي كان في طليعتها موقف رابطة الأنثروبولوجيا الأمريكية التي أصدرت عام 1947م — أي قبل اعتماد الإعلان — بياناً رسمياً حذّرت فيه من أن تعريف الإعلان للحقوق الكونية يعكس نموذجاً غربياً يُحمَل على سائر الثقافات بصورة غير عادلة.

يرى المنتقدون من موقع النسبية الثقافية أن الإعلان يُولي الأولوية للحرية الفردية على حساب القيم الجماعية والالتزامات الاجتماعية التي تُشكّل صميم كثير من الحضارات غير الغربية. كما يرى بعضهم أن القانون الطبيعي والعقلانية الغربية التي تُشكّل أساسه الفلسفي لا يحملان الطابع الكوني الذي يدّعيانه، بل هما نتاج سياق تاريخي وحضاري محدد. وقد وظّف كثير من الحكومات الاستبدادية هذا الخطاب «النسبي الثقافي» ذريعةً لرفض الرقابة الدولية على ممارساتها الحقوقية، مما جعل هذا الجدل الفلسفي ذا أبعاد سياسية بالغة الحساسية.

في المقابل، يردّ المدافعون عن الكونية بحجج قوية؛ أبرزها أن فريق الصياغة لم يكن غربياً خالصاً، بل ضمّ ممثلين من الصين ولبنان والهند وتشيلي والفلبين وعشرات الدول غير الغربية، وأن تشانغ الصيني بالذات كان من أشد المدافعين عن إدراج المنظور الكونفوشيوسي في الإعلان. فضلاً عن ذلك، يرى المدافعون أن الخطابَ النسبي الثقافي يُستخدم في أغلب الأحيان ذريعةً لتبرير الانتهاكات الجسيمة بحق الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمعات، وأن مبدأ الكرامة الإنسانية يجد صدىً في كل الحضارات وإن تباينت تعبيراتها. يُكرّس إعلان فيينا لحقوق الإنسان عام 1993م — الذي صادق عليه 171 دولة — مبدأ أن «طابع الحقوق الكونية هو أمر لا يقبل الجدل»، مع الاعتراف بأن «الخصوصيات الوطنية والإقليمية والخلفيات التاريخية والثقافية والدينية ينبغي أخذها في الاعتبار».

حادي عشر: الإعلان في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين

في ذكراه الخامسة والسبعين عام 2023م، وصف تقرير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الإعلانَ بأنه «ثورة لم تكتمل»، مُشيراً إلى الهوّة الواسعة بين المبادئ المُعلَنة والتطبيق الفعلي في عالم لا يزال يشهد انتهاكات جسيمة لأبسط الحقوق الواردة فيه. تبرز تحديات جديدة لم يتوقعها واضعو الإعلان عام 1948م: من حقوق الفضاء الرقمي وخصوصية البيانات والمراقبة الرقمية الجماعية، إلى مسألة مسؤولية الشركات متعددة الجنسيات عن انتهاكات حقوق الإنسان في سلاسل التوريد العالمية، إلى تداعيات تغير المناخ على حقوق الأجيال القادمة وحق السكان الأكثر هشاشةً في الكوكب في البيئة الصحية.

غير أن الإعلان — كما يرى المؤرخ الأيرلندي شيموس هيني الشاعر — «موجود دائماً كوسيلة لتسليط الضوء على الانتهاك حتى في غياب العلاج الفوري: إنه يتجسّد في الخيال الأخلاقي للبشرية معادلاً لما يمثّله معيار الذهب في المنظومة النقدية… حتى حين تُتجاهل مواده أو تُنتهك من حكومات وقّعت عليها، فإنه يوفّر معياراً كونياً لـ’الصوت الصغير الهادئ’ الذي لا يسكت». ويبقى الإعلان في هذا الفهم ليس وصفةً للكمال ولا وثيقةً اكتملت غاياتها، بل هو مشروع متواصل يختبر في كل عصر مدى استعداد البشرية لأن تكون في مستوى أفضل ما أعلنته عن نفسها: أن كل إنسان، بمجرد أن يكون إنساناً، يستحق أن يُعامَل بكرامة لا تُقايَض ولا تُساوَم عليها.