تُعدّ الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917 من أكثر الأحداث تأثيراً في تشكيل ملامح القرن العشرين السياسية، إذ لم تكتفِ بإسقاط أسرة رومانوف التي حكمت روسيا قرابة ثلاثة قرون، بل أفضت إلى قيام أول دولة شيوعية في التاريخ، وأرست الأساس الأيديولوجي لصراع دولي طويل امتد لعقود لاحقة. وقد شهد عام 1917 وحده ثورتين متمايزتين؛ الأولى في فبراير (مارس بالتقويم الغربي) والتي أطاحت بالحكم القيصري المطلق ونصّبت حكومة مؤقتة ليبرالية واشتراكية معتدلة، والثانية في أكتوبر (نوفمبر بالتقويم الغربي) والتي أوصلت حزب البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين إلى السلطة عبر انقلاب شبه خالٍ من إراقة الدماء. وقد جاءت هذه الأحداث المتسارعة نتاجاً لتراكم أزمات بنيوية عميقة في الدولة القيصرية، أبرزها الفساد الإداري المستشري، واستياء الفلاحين والعمال والأقليات القومية من حكم استبدادي مطلق، وقد بلغ هذا الاستياء ذروته إثر الخسائر الفادحة والمجانية إلى حد كبير التي تكبدتها روسيا في الحرب العالمية الأولى. وقد انزلقت البلاد بعد استيلاء البلاشفة على السلطة إلى حرب أهلية دامية استمرت حتى مطلع العشرينيات، انتهت بتصفية العائلة القيصرية وتأسيس الاتحاد السوفيتي.

معلومات عامة
ثورة فبراير (الإطاحة بالقيصر) 8–12 مارس 1917 (24–28 فبراير بالتقويم القديم)
ثورة أكتوبر (استيلاء البلاشفة) 6–7 نوفمبر 1917 (24–25 أكتوبر بالتقويم القديم)
القيصر المخلوع نيكولاي الثاني
رئيس الحكومة المؤقتة الأخير ألكسندر كيرينسكي
زعيم البلاشفة فلاديمير لينين
التطورات اللاحقة
إعدام العائلة القيصرية 16–17 يوليو 1918، يكاترينبورغ
الحرب الأهلية الروسية 1918 – 1922 (بين الجيش الأحمر والجيش الأبيض)
تأسيس الاتحاد السوفيتي 1922
الحزب الحاكم لاحقاً الحزب الشيوعي (البلاشفة سابقاً)
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: روسيا القيصرية عشية الثورة

عانت الإمبراطورية الروسية طوال العقد الذي سبق عام 1917 من تصدعات عميقة في شرعية حكمها الاستبدادي، وقد كشفت الهزيمة المُذلة أمام اليابان في الحرب الروسية اليابانية بين عامي 1904 و1905 عن هشاشة النظام القيصري، فأفضت إلى موجة اضطرابات داخلية عُرفت بثورة 1905 أجبرت القيصر نيكولاي الثاني على إصدار “بيان أكتوبر” الذي حوّل الحكم نظرياً من استبداد مطلق إلى ملكية دستورية عبر تأسيس مجلس نيابي “الدوما”، غير أن السياسات الرجعية اللاحقة للقيصر، بما فيها حله المتكرر لهذا المجلس، أبقت على استياء واسع طال حتى الأوساط المعتدلة من طبقة النبلاء. وقد شكّل انخراط روسيا في الحرب العالمية الأولى عام 1914 الضربة الأخيرة التي قوّضت ما تبقى من شرعية النظام؛ إذ منيت جيوشها بهزائم فادحة أمام القوات الألمانية، فيما تفاقمت الأزمة الاقتصادية الداخلية جراء تحويل الموارد نحو المجهود الحربي، وانتشرت شائعات حول تورط حاشية القيصر، بما فيها زوجته الألمانية الأصل، في مفاوضات سرية لصلح منفرد مع دول المحور المركزي، وهو ما زاد من عزلة النظام شعبياً وسياسياً.

ثانياً: ثورة فبراير وسقوط الحكم القيصري

اندلعت الشرارة الفعلية للثورة في فبراير 1917 حين خرجت احتجاجات شعبية واسعة في العاصمة بتروغراد بسبب نقص حاد في المواد الغذائية، وسرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى إضرابات عمالية عارمة ومظاهرات مناهضة للحرب، وحين انضمت وحدات من الجيش المتمركز في العاصمة إلى صفوف المحتجين بدلاً من قمعهم، أدرك القيصر نيكولاي الثاني أنه فقد آخر أدوات سيطرته، فتنازل عن العرش في مارس 1917 منهياً بذلك حكم أسرة رومانوف الذي استمر ثلاثة قرون. وقد أعقب سقوط النظام القيصري تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة الأمير جورجي لفوف، سعت إلى الاستمرار في الحرب إلى جانب الحلفاء وإدارة شؤون البلاد ريثما تُعقد جمعية تأسيسية منتخبة تحدد شكل الحكم النهائي، غير أن هذه الحكومة تشاركت السلطة الفعلية بشكل متزايد مع مجلس بتروغراد للسوفييت، وهو مجلس شعبي يمثل العمال والجنود، في وضع عُرف تاريخياً بـ”ازدواجية السلطة”.

ثالثاً: صعود البلاشفة بين ثورتي فبراير وأكتوبر

لم تنجح الحكومة المؤقتة، التي تولى ألكسندر كيرينسكي قيادتها لاحقاً، في معالجة الأزمات الجوهرية التي أشعلت الثورة أساساً، إذ أصرّت على مواصلة المشاركة في الحرب العالمية الأولى رغم استنزافها المستمر للموارد البشرية والاقتصادية، وتلكأت في تنفيذ إصلاح زراعي عاجل يلبي مطالب الفلاحين بالأرض. وفي هذا المناخ من خيبة الأمل المتصاعدة عاد فلاديمير لينين، زعيم الجناح البلشفي المتشدد داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، من منفاه السويسري في أبريل 1917، وطرح فور وصوله برنامجاً سياسياً جذرياً عُرف بـ”أطروحات أبريل” طالب فيه بإنهاء فوري للحرب ونقل كامل السلطة إلى مجالس السوفييت. وقد استغل البلاشفة تنامي الاستياء الشعبي واستمرار الحرب ليكسبوا تأييداً متزايداً بين عمال المدن الجائعين والجنود المنهكين، حتى تمكنوا بحلول سبتمبر 1917 من حيازة الأغلبية داخل سوفييتي بتروغراد وموسكو.

رابعاً: ثورة أكتوبر واستيلاء البلاشفة على السلطة

في ليلة 24–25 أكتوبر 1917 (7–8 نوفمبر بالتقويم الغربي)، نفّذ الحرس الأحمر البلشفي، بتخطيط وتنظيم لعب فيه ليون تروتسكي دوراً محورياً، عملية استيلاء منظمة على المواقع الاستراتيجية في العاصمة بتروغراد، شملت محطات السكك الحديدية ومكاتب البرق والمباني الحكومية، قبل أن يتم اقتحام القصر الشتوي مقر الحكومة المؤقتة واعتقال وزرائها، في عملية اتسمت بقدر محدود نسبياً من إراقة الدماء مقارنة بما تلاها من أحداث. وقد حاول كيرينسكي الفرار من العاصمة سعياً لحشد قوات موالية لاستعادة السلطة، لكن محاولته باءت بالفشل واضطر لمغادرة البلاد، فيما أقرّ مؤتمر السوفييتات الثاني تشكيل حكومة جديدة يهيمن عليها البلاشفة بشكل شبه كامل. وقد غيّر الحزب اسمه لاحقاً إلى “الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)” عام 1918 قبل أن يستقر أخيراً على اسم “الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي” عام 1952، بعد أن قمع تدريجياً كافة التنظيمات السياسية المنافسة له، بما فيها حلفاؤه المؤقتون من الاشتراكيين الثوريين اليساريين.

خامساً: الحرب الأهلية الروسية وإعدام العائلة القيصرية

أفضت معاهدة بريست-ليتوفسك التي وقّعها البلاشفة عام 1918 للخروج من الحرب العالمية الأولى، والتي تنازلوا بموجبها عن مساحات شاسعة من الأراضي الروسية لألمانيا، إلى شرخ حاد بين البلاشفة وحلفائهم السابقين من الاشتراكيين الثوريين اليساريين الذين انسحبوا من الائتلاف الحاكم احتجاجاً، فيما تقاربت في الأشهر التالية معارضتان متمايزتان لحكم لينين، الأولى من اليسار غير البلشفي الذي عزله حل الجمعية التأسيسية المنتخبة، والثانية من اليمين “الأبيض” المؤيد لاستعادة النظام القديم، لتندلع حرب أهلية شرسة استمرت من عام 1918 حتى 1922 بين الجيش الأحمر البلشفي وقوات الجيش الأبيض المتحالفة أحياناً مع تدخلات أجنبية. وفي خضم هذه الحرب، وبعد أن نُقل القيصر السابق نيكولاي الثاني وأسرته إلى مدينة يكاترينبورغ في الأورال، أمر البلاشفة المحليون بإعدام العائلة القيصرية بأكملها في ليلة 16–17 يوليو 1918 خشية أن تتمكن قوات الجيش الأبيض المتقدمة من تحريرها واتخاذها رمزاً لحركة مناهضة للثورة، لتنتهي بذلك ثلاثة قرون من حكم أسرة رومانوف بشكل دموي ونهائي.

سادساً: نتائج الثورة وتأسيسها للدولة السوفيتية

انتهت الحرب الأهلية بانتصار حاسم للجيش الأحمر البلشفي، الذي نجح رغم الحصار الاقتصادي والعزلة الدولية في سحق مختلف فصائل المعارضة المسلحة المتناثرة على أطراف البلاد، ليؤسس بذلك أول دولة شيوعية مستقرة في التاريخ، تُوّجت رسمياً بقيام الاتحاد السوفيتي عام 1922. ولم تقتصر تداعيات الثورة الروسية على الداخل الروسي وحده، بل امتدت لتشكل مصدر إلهام مباشر لحركات شيوعية وثورية في أنحاء متفرقة من العالم، وولّدت في المقابل ردود فعل أيديولوجية مضادة ساهمت في صعود تيارات الفاشية في أوروبا خلال العقود اللاحقة، كما أرست الأساس لتنافس دولي طويل الأمد شكّل بنية العلاقات الدولية طوال معظم القرن العشرين إبان الحرب الباردة.