تُعدّ ثورة المهدية في السودان واحدة من أبرز الحركات الدينية والسياسية في تاريخ أفريقيا الحديث، إذ اندلعت عام 1881 بقيادة الزعيم الديني محمد أحمد بن عبد الله، الذي أعلن نفسه “المهدي المنتظر” الذي بشّرت به التقاليد الإسلامية، وقاد حركة جهادية واسعة النطاق هدفت إلى إسقاط الحكم التركي المصري في السودان وتطهير الإسلام مما اعتبره ممارسات فاسدة تسللت إليه. وقد نجحت هذه الحركة في تحقيق انتصار تاريخي غير مسبوق حين أسقطت مدينة الخرطوم، عاصمة الإدارة المصرية في السودان، بعد حصار طويل انتهى بمقتل الحاكم البريطاني الجنرال تشارلز غوردون في يناير عام 1885، لتؤسس بذلك دولة إسلامية مستقلة امتدت من البحر الأحمر شرقاً إلى أواسط أفريقيا غرباً. غير أن هذه الدولة لم تدم طويلاً بعد وفاة مؤسسها، إذ انهارت في نهاية المطاف أمام القوات الأنجلو-مصرية التي أعادت احتلال السودان عام 1898 عقب معركة أم درمان الحاسمة.
أولاً: السودان تحت الحكم التركي المصري وجذور السخط
خضع السودان منذ عشرينيات القرن التاسع عشر لسيطرة الحكم التركي المصري الذي فرضه محمد علي باشا، والي مصر آنذاك، بعد حملته العسكرية على البلاد، فأُلحق السودان اسمياً بالدولة العثمانية عبر تبعيته للولاية المصرية. وقد اتسم هذا الحكم بفرض ضرائب باهظة على السكان المحليين، إلى جانب استغلال واسع في تجارة الرقيق والعمل القسري، وهي سياسات أثارت استياءً متراكماً في أوساط القبائل السودانية عبر عقود طويلة. وقد تزامن هذا السخط الشعبي مع تصاعد النفوذ الأوروبي، وبخاصة البريطاني، على الإدارة المصرية نفسها، وهو ما عزز لدى شرائح واسعة من السودانيين شعوراً بأن الحكم القائم لم يعد يمثل الإسلام الحقيقي، بل أصبح أداة بيد قوى أجنبية غير مسلمة.
ثانياً: محمد أحمد وإعلان المهدية
وُلد محمد أحمد بن عبد الله، الملقب لاحقاً بالمهدي، لأسرة بسيطة يعمل ربّها في بناء السفن في منطقة دنقلا شمال السودان، ونشأ نشأة دينية عميقة تلقى خلالها تعليمه في إحدى الطرق الصوفية، وهي الطريقة السمانية، قبل أن يعتزل في جزيرة آبا بالنيل الأبيض لممارسة التقشف الديني. وخلال جولة قام بها عام 1880 في إقليم كردفان، اطلع محمد أحمد عن قرب على حجم السخط الشعبي من سياسات الحكومة، ورأى في نفسه لاحقاً “مجدداً” مكلفاً بمهمة إصلاح الدين الإسلامي وإعادته إلى صورته الأصلية كما كان في عهد النبي محمد، معتبراً أن العلماء الرسميين المؤيدين للإدارة التركية المصرية لا يقلون كفراً عن المسيحيين أنفسهم. وفي يونيو عام 1881، أعلن محمد أحمد علناً أنه “المهدي” الذي بشّر به التراث الإسلامي بوصفه المخلّص الذي سيعيد للإسلام مجده، فأطلق بذلك حركة المهدية التي سرعان ما استقطبت أنصاراً عُرفوا باسم “الأنصار”، من بينهم رجال الدين الساخطون على الوضع الديني القائم، وتجار كانوا مرتبطين سابقاً بتجارة الرقيق.
رأى محمد أحمد نفسه “مجدداً” مكلفاً بمهمة إصلاح الإسلام وإعادته إلى صورته النقية كما كان يمارسه النبي محمد، واعتبر العلماء الموالين للإدارة التركية المصرية كفاراً لا يقلون عن المسيحيين.
— من التوصيف التاريخي لنشأة حركة المهدية
ثالثاً: الانتصارات المبكرة وتوسع الدولة المهدية
حقق أنصار المهدي سلسلة من الانتصارات العسكرية المتلاحقة ضد القوات المصرية المتمركزة في السودان، التي فشلت في احتواء الحركة الناشئة رغم عدة محاولات عسكرية باءت بالفشل، واضطرت إلى التراجع إلى حاميات محصنة متفرقة. وقد بلغت هذه الانتصارات ذروتها الأولى عام 1883، حين نجحت قوات المهدي في سحق حملة عسكرية بريطانية مصرية مشتركة كان يقودها الكولونيل البريطاني وليام هيكس، الذي قُتل في المعركة، وهو ما دفع الحكومة البريطانية إلى إعادة تقييم موقفها بالكامل تجاه الوجود في السودان، وقررت في نهاية المطاف الانسحاب الكامل من البلاد بدلاً من مواصلة القتال.
رابعاً: حصار الخرطوم ومقتل الجنرال غوردون
في إطار قرار الانسحاب البريطاني من السودان، أُرسل الجنرال البريطاني تشارلز غوردون، الذي كان قد اكتسب شهرة واسعة من تجاربه العسكرية السابقة في الصين وحكمه السابق للسودان، بمهمة الإشراف على إجلاء الحاميات المصرية من الخرطوم. غير أن غوردون، بعد وصوله إلى الخرطوم في فبراير عام 1884، اتخذ قراراً مخالفاً لتعليماته الرسمية، إذ فضّل تحصين المدينة والدفاع عنها بدلاً من إخلائها، أملاً في كسر شوكة حركة المهدية قبل أن تتمكن من التوسع نحو مصر نفسها. وقد بدأ الحصار المهدي الفعلي للمدينة في الثالث عشر من مارس عام 1884، واستمر قرابة عشرة أشهر ونصف الشهر عانى خلالها سكان المدينة والحامية المدافعة عنها من المجاعة والأوبئة نتيجة العزلة التامة عن العالم الخارجي. ورغم إرسال الحكومة البريطانية حملة إغاثة متأخرة بقيادة الجنرال غارنيت وولزلي في يوليو 1884، فإنها وصلت بعد فوات الأوان، إذ اقتحمت قوات المهدي، التي بلغ عددها نحو خمسين ألف مقاتل، مدينة الخرطوم في السادس والعشرين من يناير عام 1885، وقُتل الجنرال غوردون مع كامل الحامية المدافعة عن المدينة تقريباً.
خامساً: الخلافة المهدية ونهاية الحركة في معركة أم درمان
لم يعش محمد أحمد طويلاً بعد انتصاره التاريخي في الخرطوم، إذ توفي بعد أشهر قليلة فقط، في الثاني والعشرين من يونيو عام 1885، تاركاً وراءه دولة إسلامية ناشئة اتخذت من مدينة أم درمان عاصمة لها، وآلت قيادتها إلى أبرز أتباعه، عبد الله بن محمد التعايشي، الذي حمل لقب “الخليفة” واصفاً نفسه بخليفة المهدي. واستمرت الدولة المهدية قائمة لأكثر من عقد من الزمن، حافظت خلاله على استقلالها في مواجهة محاولات القوى الاستعمارية المحيطة، بريطانية وإيطالية وإثيوبية وبلجيكية، قبل أن تقرر الحكومة البريطانية في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر إعادة غزو السودان بشكل نهائي، فأرسلت حملة عسكرية أنجلو-مصرية بقيادة الجنرال هوراشيو هربرت كيتشنر، التي ألحقت هزيمة ساحقة بجيش الخليفة في معركة أم درمان الحاسمة بتاريخ الثاني من سبتمبر عام 1898، مستخدمة أسلحة رشاشة حديثة فاقت بكثير قدرات الجيش المهدي التقليدي. وقد أنهت هذه المعركة فعلياً وجود الدولة المهدية المستقلة، لتدخل السودان بعدها تحت نظام الحكم الثنائي الأنجلو-مصري الذي استمر حتى استقلال البلاد في منتصف القرن العشرين، فيما ظلت حركة المهدية، رغم زوال دولتها السياسية، قوة دينية واجتماعية مؤثرة في الحياة السودانية حتى العصر الحديث.