| معلومات عامة | |
| التسمية | الحملة الصليبية الأولى (First Crusade) |
| التاريخ | 1095 – 1099 م |
| نقطة الانطلاق | مجمع كليرمونت، 27 نوفمبر 1095 |
| الموقع | الأناضول، بلاد الشام، فلسطين |
| قوام الجيوش | نحو 60,000 مقاتل إلى جانب أعداد كبيرة من غير المقاتلين |
| النتيجة | سقوط القدس بيد الصليبيين وتأسيس الإمارات الصليبية في الشرق |
| الأطراف المتحاربة | |
| قوات الحملة الصليبية | جيوش الإمارات الفرنسية والنورماندية واللورينية، بدعم بيزنطي جزئي |
| القوى الإسلامية المواجهة | سلطنة سلاجقة الروم، إمارة أنطاكية السلجوقية، الدولة الفاطمية في مصر والقدس |
| القيادات الرئيسة | |
| المرجعية الدينية والبابوية | البابا أوربان الثاني، الأسقف أديمار اللوبوي (الممثل البابوي) |
| قادة الحملة الأمراء | غودفروا دو بويون، بوهيموند الطرنتي، ريموند الرابع كونت تولوز، روبرت دوق نورماندي، بلدوين البولوني |
| الإمبراطورية البيزنطية | الإمبراطور أليكسيوس الأول كومنينوس |
| السلاجقة | قِلِج أرسلان الأول سلطان سلاجقة الروم |
| أبرز الأحداث والمعارك | |
| حملة العامة (الجماهيرية) | مارس-أكتوبر 1096 – إبادة شبه كاملة على يد السلاجقة قرب نيقية |
| حصار نيقية | مايو-يونيو 1097 – استسلام المدينة للقوات البيزنطية الصليبية المشتركة |
| حصار أنطاكية | أكتوبر 1097 – يونيو 1098 – استمر ثمانية أشهر قبل سقوط المدينة |
| سقوط القدس | 15 يوليو 1099 – استيلاء الصليبيين على المدينة بعد حصار قصير |
| النتائج والكيانات الناشئة | |
| الكيانات الصليبية المؤسَّسة | مملكة بيت المقدس، إمارة أنطاكية، مقاطعة الرها، مقاطعة طرابلس |
| أول حاكم للقدس | غودفروا دو بويون، حامي القبر المقدس |
بحلول أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، كانت معظم أرجاء شرق البحر المتوسط، بما فيها مدينة القدس، تخضع للحكم الإسلامي منذ ما يزيد على أربعة قرون منذ الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرن السابع الميلادي. ورغم أن الحجاج المسيحيين كانوا قد تمتعوا تقليدياً بحرية الوصول إلى المواقع المقدسة طوال هذه القرون، فإن صعود نفوذ الأتراك السلاجقة في المنطقة وتوسعهم السريع على حساب الأراضي البيزنطية في الأناضول خلال سبعينيات القرن الحادي عشر أحدث حالة من عدم الاستقرار أثارت قلقاً متصاعداً في القسطنطينية ومدن أوروبا الغربية على حد سواء.
وفي مارس من عام 1095، أرسل الإمبراطور البيزنطي أليكسيوس الأول كومنينوس مبعوثين إلى مجمع بياتشنزا الكنسي طالباً مساعدة عسكرية من الغرب اللاتيني لصد التقدم السلجوقي المتسارع داخل الأراضي البيزنطية. وقد رأى البابا أوربان الثاني في هذا الطلب فرصة سياسية ودينية مزدوجة، إذ أتاحت له توحيد طاقات النبلاء الأوروبيين المتحاربين فيما بينهم وتوجيهها نحو هدف ديني مشترك، مع تعزيز نفوذ الكنيسة الرومانية ومد جسور التقارب مع الكنيسة البيزنطية الشرقية التي كانت قد انفصلت عن روما رسمياً قبل أربعين عاماً فحسب فيما عُرف بالانشقاق الكبير.
وفي السابع والعشرين من نوفمبر عام 1095، وفي ختام أعمال مجمع كليرمونت بوسط فرنسا، ألقى البابا أوربان الثاني خطاباً مؤثراً أمام حشد ضخم من النبلاء ورجال الدين، استحضر فيه صوراً قاتمة عما وصفه بمعاناة المسيحيين الشرقيين، ودعا الفرسان الفرنجة إلى التوجه شرقاً لتحرير الكنائس الشرقية والأرض المقدسة، واعداً كل من يشارك في هذه الحملة، أو يلقى حتفه في سبيلها، بغفران تام لكافة خطاياه. وقد لاقى هذا الخطاب صدى هائلاً تجاوز توقعات البابا نفسه، الذي كان يستهدف أساساً استقطاب طبقة الفرسان المدربين، فانضمت إلى الدعوة أعداد ضخمة من الفلاحين والعامة الذين عانوا طويلاً من الجفاف والمجاعة والأوبئة المتكررة، ورأوا في هذه الحملة فرصة للخلاص الروحي والمادي معاً.
قبل أن تنطلق الجيوش النظامية الكبرى التي خطط لها أوربان الثاني للتحرك في الخامس عشر من أغسطس عام 1096، تشكّلت موجة عفوية من الحشود الشعبية غير المنظمة، عُرفت تاريخياً باسم حملة العامة أو حملة الشعب، بقيادة الواعظ الشعبي بطرس الناسك ومساعده غولتر بلا مال. وقد ضمت هذه الجموع خليطاً من الفلاحين الفقراء وصغار الفرسان غير المدربين، الذين انطلقوا عبر أوروبا الوسطى تاركين وراءهم أثراً من النهب والفوضى في المجر وبلغاريا قبل وصولهم إلى القسطنطينية.
ومن المآسي الأليمة التي رافقت هذه الموجة الشعبية، أن جماعات منها، وعلى رأسها الفصيل الذي قاده الكونت إيميشو دي لانينغن عبر منطقة الراين الألمانية، انحرفت عن وجهتها الأصلية لتنفذ مذابح وحشية بحق الجاليات اليهودية في عدد من المدن الألمانية، من بينها شبايرا وماينتس وتريير وكولونيا، في حلقة مأساوية تُعتبر من أبكر فصول معاداة السامية المنظمة في التاريخ الأوروبي. وبعد عبور حشود بطرس الناسك مضيق البوسفور إلى الأراضي الأناضولية في أغسطس 1096، استمرت في نهب الريف المحيط وتوغلت بشكل عشوائي داخل الأراضي السلجوقية قرب مدينة نيقية، إلى أن أحاط بها جيش السلطان قِلِج أرسلان الأول وأبادها بالكامل تقريباً في معركة سيفيتوت في أكتوبر من العام ذاته.
انطلقت الجيوش النظامية الكبرى للحملة الصليبية الأولى في أغسطس عام 1096، مؤلفة من أربعة جيوش رئيسية إضافة إلى قوة خامسة أصغر، سلكت طرقاً متعددة نحو القسطنطينية واجتمعت قرب أسوارها بين نوفمبر 1096 وأبريل 1097. وكان أبرز قادة هذه الحملة كل من غودفروا دو بويون دوق لورين السفلى، وشقيقاه أوستاش وبلدوين، وبوهيموند الطرنتي النورماندي وابن أخيه تانكريد، وريموند الرابع كونت تولوز يرافقه الممثل البابوي الأسقف أديمار اللوبوي، إضافة إلى روبرت دوق نورماندي شقيق ملك إنجلترا، وهوغ دي فرماندوا شقيق ملك فرنسا.
وقد استقبل الإمبراطور أليكسيوس الأول هذه الجيوش بحذر بالغ، إذ اشترط على القادة الصليبيين أداء يمين الولاء له والتعهد بإعادة أي أراضٍ بيزنطية سابقة يستردونها من السلاجقة إلى السلطة البيزنطية، مقابل تزويدهم بالمؤن والإمدادات اللازمة ونقلهم عبر مضيق البوسفور إلى آسيا الصغرى. وكانت أولى المحطات العسكرية الكبرى لهذه الجيوش مدينة نيقية، التي فُرض عليها حصار محكم بدأ في مايو 1097، وانتهى في يونيو من العام ذاته باستسلام المدينة، التي سلّمها حاكمها السلجوقي للقوات البيزنطية المرافقة للصليبيين تجنباً لنهبها على يد الجيوش الصليبية.
بعد سقوط نيقية، واصلت الجيوش الصليبية تقدمها عبر هضبة الأناضول الوعرة، متكبدة خسائر فادحة جراء قسوة المناخ ونقص الإمدادات والمناوشات المستمرة مع فرق الفرسان السلجوقية، قبل أن تصل في أكتوبر من عام 1097 إلى أسوار مدينة أنطاكية الحصينة في شمال سوريا، التي كانت تُعد من أهم المدن الاستراتيجية في طريق الحملة نحو فلسطين. وقد فُرض على هذه المدينة حصار استثنائي الطول استمر ثمانية أشهر كاملة، عانى خلالها الجيش الصليبي من مجاعة حادة ونفاد شبه تام للمؤن، حتى اضطر كثير من الجنود إلى التخلي عن الحملة والفرار نحو السواحل أو العودة إلى أوروبا.
وفي الثالث من يونيو عام 1098، تمكن بوهيموند الطرنتي من اختراق دفاعات المدينة عبر اتفاق سري مع أحد حراس الأسوار، فسقطت أنطاكية أخيراً بيد الصليبيين، إلا أن الفرحة بهذا الانتصار لم تدم طويلاً، إذ وصل في الأيام التالية مباشرة جيش إسلامي ضخم بقيادة كربوقا أتابك الموصل لاستعادة المدينة، فوجد الصليبيون أنفسهم محاصَرين هذه المرة داخل أسوار المدينة التي استولوا عليها للتو. وفي الثامن والعشرين من يونيو عام 1098، خرج الجيش الصليبي المنهك في هجوم يائس خارج الأسوار، ونجح بشكل مفاجئ في إلحاق هزيمة حاسمة بالجيش الإسلامي الأكبر عدداً، وهو الانتصار الذي عُزي في الروايات الصليبية المعاصرة إلى عوامل خارقة للطبيعة، من بينها اكتشاف ما زُعم أنه رمح يسوع المقدس داخل المدينة، وهو ما أعاد إشعال الحماس الديني في صفوف الجيش المرهق.
بعد فترة طويلة من الخلافات بين القادة الصليبيين حول مصير أنطاكية ومسار الحملة، استؤنف الزحف جنوباً نحو القدس في يناير عام 1099، وكانت المدينة في تلك الفترة تحت سيطرة الدولة الفاطمية المصرية التي كانت قد انتزعتها حديثاً من السلاجقة قبل وصول الصليبيين بفترة وجيزة. وفي السابع من يونيو عام 1099، وصل الجيش الصليبي، الذي تقلّص عدده بشدة جراء سنوات القتال والمجاعة والمرض، إلى أسوار القدس وضرب حولها حصاراً محكماً.
وبعد حصار استمر نحو شهر ونصف، تمكنت القوات الصليبية من اقتحام أسوار المدينة في الخامس عشر من يوليو عام 1099، باستخدام أبراج حصار خشبية ضخمة بُنيت في عجالة بفضل وصول إمدادات خشبية عبر السفن الجنوية والإنجليزية إلى ميناء يافا القريب. وقد أعقب سقوط المدينة مذبحة واسعة النطاق راح ضحيتها عدد كبير من سكانها المسلمين واليهود، إذ تتفق المصادر المسيحية والإسلامية المعاصرة على وقوع عمليات قتل جماعي واسعة، وإن اختلفت الروايات التاريخية حول الحجم الدقيق لهذه الخسائر البشرية، فيما يتفق المؤرخون المحدثون على أن سقوط القدس شكّل حدثاً بالغ القسوة خلّف أثراً عميقاً ودائماً في الذاكرة الجماعية لكلا الطرفين.
وفي الثاني والعشرين من يوليو عام 1099، عُقد مجلس في كنيسة القيامة لتحديد شكل الحكم في القدس، وقد رفض ريموند كونت تولوز، رغم كونه القائد الأبرز للحملة آنذاك، قبول لقب الملك متذرعاً بأنه لا يليق إلا بالمسيح نفسه، فتمت تسوية الأمر بتولي غودفروا دو بويون مقاليد الحكم، لكن بلقب متواضع هو “حامي القبر المقدس” بدلاً من لقب الملك.
أفضى نجاح الحملة الصليبية الأولى إلى تأسيس أربعة كيانات سياسية صليبية مستقلة في بلاد الشام، عُرفت مجتمعة باسم الشرق اللاتيني أو عبر البحر، وهي مملكة بيت المقدس التي شكّلت أهم هذه الكيانات وأكبرها، ومقاطعة الرها التي أسسها بلدوين البولوني في مارس 1098 كأول إمارة صليبية على الإطلاق، وإمارة أنطاكية التي آلت إلى بوهيموند الطرنتي، ومقاطعة طرابلس التي تأسست لاحقاً على يد أسرة ريموند كونت تولوز. وقد ظلت هذه الإمارات تعتمد بشكل شبه دائم على الإمدادات والدعم العسكري المتجدد من أوروبا الغربية للحفاظ على بقائها في محيط إسلامي معادٍ ومتفوق عددياً.
ومن الناحية البيزنطية، أسهم تأسيس هذه الإمارات الصليبية في تخفيف الضغط السلجوقي عن الأناضول إلى حد كبير، إذ تمكنت الإمبراطورية البيزنطية، بمساعدة القوات الصليبية المارة عبر أراضيها، من استعادة أجزاء واسعة من أراضيها الأناضولية المفقودة، ودخلت في القرن الثاني عشر فترة من الازدهار والاستقرار النسبي لم تشهدها منذ عقود طويلة. غير أن هذا التحالف العملي بين بيزنطة والغرب اللاتيني ظل هشاً ومثقلاً بالشكوك المتبادلة، وهو التوتر الذي سيتفاقم بشكل كارثي بعد قرن واحد فقط حين ستتحول الحملة الصليبية الرابعة، بدلاً من توجهها نحو الأراضي الإسلامية، إلى نهب القسطنطينية المسيحية نفسها عام 1204.
أما على الصعيد الإسلامي، فقد مثّل نجاح الحملة الصليبية الأولى صدمة عميقة لم تستوعبها القوى الإسلامية المجاورة فوراً، نظراً لانقسامها الحاد آنذاك بين الخلافة العباسية السنية في بغداد والدولة الفاطمية الشيعية في القاهرة، وهو الانقسام الذي سهّل إلى حد بعيد تقدم الجيوش الصليبية دون مواجهة موحدة جادة. ولم تبدأ ردة الفعل الإسلامية المنظمة والفعالة لاسترداد هذه الأراضي في التبلور إلا بعد عقود من ترسخ الوجود الصليبي، عبر مسيرة الجهاد التي تدرّجت بدءاً من عماد الدين زنكي ونجله نور الدين محمود، ووصولاً إلى صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس نفسها عام 1187، في خاتمة المطاف الذي أطلق سلسلة جديدة من الحملات الصليبية اللاحقة.
من أرض الكفار، نزل علينا شر هائل، وحلّ بكنائس الله في الأراضي الشرقية الدمار، أيها الإخوة، يجب أن نسرع إلى نجدتها.
— البابا أوربان الثاني، خطاب مجمع كليرمونت، 27 نوفمبر 1095