فتح الأندلس هو الحملة العسكرية التي شنّها المسلمون بقيادة القائد البربري طارق بن زياد ووالي شمال أفريقيا موسى بن نصير بين عامي 711 و716م تقريباً، وأدت إلى سقوط مملكة القوط الغربيين التي كانت تحكم شبه جزيرة إيبيريا، وضم معظم أراضيها إلى الخلافة الأموية. بدأ الفتح حين عبر طارق بن زياد على رأس جيش صغير مضيق جبل طارق، الذي حمل اسمه لاحقاً، مستفيداً من دعوة أحد الفصائل القوطية المتنازعة على العرش لطلب المساندة، فحقق انتصاراً حاسماً على الملك رذريق في معركة وادي لكة، قبل أن يزحف نحو العاصمة طليطلة ويسقطها. ولحق به موسى بن نصير على رأس جيش أكبر، فأكمل الاثنان معاً إخضاع الجزء الأعظم من شبه الجزيرة خلال سنوات قليلة، مستفيدين من هشاشة المجتمع القوطي وانقساماته الداخلية. وقد أسس هذا الفتح حضارة إسلامية غنية استمرت قروناً طويلة تحت اسم الأندلس، رغم أن التوسع الإسلامي شمالاً توقف عند حدود جبال البرانس بعد هزيمة بلاط الشهداء عام 732م أمام الفرنجة.
| بيانات عامة | |
| الاسم | فتح الأندلس |
| الفترة الزمنية | 711م – 716م تقريباً (92 – 97هـ) |
| القائد الميداني | طارق بن زياد |
| الوالي والقائد العام | موسى بن نصير، والي إفريقية |
| الخليفة | الوليد بن عبدالملك (الأموي) |
| الخصم | |
| الخصم | مملكة القوط الغربيين |
| الملك القوطي | رذريق (لذريق) |
| الأحداث الحاسمة | |
| نقطة العبور | مضيق جبل طارق، مايو 711م |
| المعركة الفاصلة | معركة وادي لكة، يوليو 711م |
| سقوط العاصمة القوطية | طليطلة، 711م |
| استدعاء القائدين لدمشق | 714م |
| النتائج | |
| حد التوسع الشمالي | معركة بلاط الشهداء، 732م |
| قيام الإمارة المستقلة | 756م، عبدالرحمن الداخل |
الخلفية: التوسع الإسلامي في شمال أفريقيا
مع سقوط قرطاجة عام 698م، تراجعت آخر معاقل البيزنطيين في شمال أفريقيا أمام الزحف العربي، وفي عام 705م عيّن الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك موسى بن نصير والياً على المغرب، فأتم ضم كامل شمال أفريقيا حتى مدينة طنجة، وسعى جاهداً في نشر الإسلام بين قبائل البربر، حتى لم يبق خارج السيطرة الإسلامية سوى مدينة سبتة التي كان يحكمها القائد القوطي المعروف بالكونت يوليان. وقد توصل هذا القائد في نهاية المطاف إلى اتفاق مع موسى بن نصير لشن غزو مشترك على شبه جزيرة إيبيريا، في خطوة مهّدت الطريق مباشرة لانطلاق حملة الفتح.
أزمة القوط وطلب الاستنجاد من موسى بن نصير
جاء الغزو الإسلامي لإسبانيا نتيجة تضافر استعداد إسلامي راسخ للتوسع مع أزمة سياسية داخلية عميقة عصفت بمملكة القوط الغربيين، إذ انقسم البلاط القوطي بعد وفاة الملك ويتيزا عام 710م بين مؤيدي أبنائه المحرومين من العرش والملك الجديد رذريق الذي اغتصب الحكم، فلجأ أنصار أبناء ويتيزا إلى طلب الدعم من موسى بن نصير لمواجهة الملك المغتصب. وقد شكّل هذا الانقسام الداخلي عاملاً حاسماً في تسهيل النجاح السريع للحملة الإسلامية اللاحقة، إذ لم يكن المجتمع القوطي الإسباني قد حقق بعد اندماجاً متماسكاً وموحداً، فضلاً عن استياء اليهود العميق من الاضطهاد الذي عانوا منه في ظل التشريعات القانونية الصادرة عن مجالس طليطلة الكنسية.
عبور طارق بن زياد المضيق ومعركة وادي لكة
في أبريل أو مايو من عام 711م، أرسل موسى بن نصير جيشاً بربرياً بقيادة مولاه طارق بن زياد عبر المضيق الذي يحمل اسمه اليوم بالعربية جبل طارق تخليداً لهذه الحملة. وحين علم الملك رذريق بالغزو، حشد جيشاً كبيراً لمواجهة القوة الإسلامية، فالتقى الجيشان في معركة حاسمة على ضفاف وادي عُرف باسم وادي لكة في يوليو من العام نفسه، انتهت بهزيمة ساحقة للقوط ومقتل الملك رذريق نفسه، لتنهار بذلك القيادة المركزية للمملكة القوطية بالكامل تقريباً في ضربة واحدة.
زحف طارق نحو طليطلة
بدلاً من العودة إلى أفريقيا بعد انتصاره الحاسم، قرر طارق بن زياد مواصلة التقدم شمالاً نحو العاصمة القوطية طليطلة، التي سقطت بيسر نسبي أمام تقدمه، فأمضى فيها فصل الشتاء التالي مستقراً ومنظماً لشؤون الأراضي المفتوحة حديثاً. وقد استفاد طارق خلال زحفه من التعاون الذي أبداه بعض العناصر المحلية الساخطة على الحكم القوطي، وعلى رأسهم يهود إسبانيا الذين رأوا في الفتح الإسلامي فرصة للتحرر من الاضطهاد الذي عانوا منه لعقود طويلة تحت الحكم القوطي.
وصول موسى بن نصير واستكمال الفتح
في العام التالي، قاد موسى بن نصير بنفسه جيشاً عربياً أكبر عبر المضيق، فحاصر مدينة ماردة (مريدة) وأخذها بعد حصار طويل، ثم التحق بطارق في طليطلة صيف عام 713م. ومن هناك، تقدم موسى شمال شرقاً نحو سرقسطة، وواصل حملته حتى بلغ الجبال الشمالية، متنقلاً من الغرب إلى الشرق لإخضاع بقية السكان الذين لم يبق أمامهم سوى الاستسلام أو الفرار. وبحلول صيف عام 714م، كانت الجزء الأعظم من شبه جزيرة إيبيريا قد وقع بالكامل تقريباً تحت السيطرة الإسلامية، في واحدة من أسرع حملات الفتح وأكثرها اتساعاً في التاريخ الإسلامي المبكر.
استدعاء القائدين إلى دمشق
في ذروة نجاحهما، استدعى الخليفة الأموي كلاً من طارق بن زياد وموسى بن نصير إلى دمشق، فغادرا الأندلس في نهاية صيف عام 714م تاركين وراءهما بلاداً واسعة خاضعة لسيادة الخلافة الأموية، ولم يعودا إليها أبداً. وقد تولى ابن موسى، عبدالعزيز، حكم الأندلس من بعدهما، واتخذ من إشبيلية عاصمة له، قبل أن يُغتال لاحقاً وسط اتهامات سياسية داخلية، لتدخل الأندلس مرحلة من عدم الاستقرار السياسي استمرت لعقود تحت سلسلة من الولاة المتعاقبين المعينين من دمشق.
المجتمع الجديد في الأندلس
أفرز الفتح الإسلامي بنية اجتماعية جديدة ومعقدة في الأندلس، تصدرها العرب بوصفهم الطبقة الحاكمة، وتميّز بينهم من دخل البلاد مبكراً مع موسى بن نصير عام 712م ومن وصل لاحقاً من الجند الشاميين عام 740م، يليهم البربر الذين شكلوا الغالبية العظمى من قوة الفتح العسكرية وازداد نفوذهم تدريجياً عبر القرون بفعل تدفقهم المستمر من أفريقيا. أما السكان الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام، المعروفون بالمولّدين، فقد شكّلوا مع الوقت الأغلبية السكانية نتيجة دوافع اجتماعية واقتصادية دفعت أعداداً متزايدة منهم للتحول عن المسيحية عبر القرون الثلاثة الأولى للفتح، بينما ظل من تمسّك بدينه المسيحي، المعروفون بالمستعربين، واليهود يشغلون مرتبة أدنى في الهرم الاجتماعي وإن كانوا في وضع أفضل بكثير مما كانوا عليه إبان الحكم القوطي.
توقف التوسع عند بلاط الشهداء
واصل التوسع الإسلامي شمال جبال البرانس في فترة ما يُعرف بالإمارة التابعة، الممتدة من 711 إلى 756م، والتي ظلت خلالها الأندلس تابعة سياسياً للخليفة الأموي في دمشق، إلى أن اصطدم هذا التوسع بجيش الفرنجة بقيادة شارل مارتل قرب مدينة تور عام 732م، في معركة عُرفت في المصادر العربية باسم بلاط الشهداء، وانتهت بهزيمة القوة الإسلامية بقيادة الوالي عبدالرحمن الغافقي، لتشكل هذه المعركة بداية التراجع الإسلامي التدريجي عن أقصى حدوده الشمالية في أوروبا الغربية.
قيام الإمارة الأموية المستقلة
شهدت هذه المرحلة اضطرابات داخلية متصاعدة بين الفصائل العربية والبربرية المختلفة، تفاقمت إثر ثورة بربرية كبرى ضد الحكم العربي في شمال أفريقيا امتدت تداعياتها إلى الأندلس نفسها. وقد وضع هذا الوضع المضطرب حداً له عام 756م حين نجح الأمير الأموي عبدالرحمن الداخل، الناجي الوحيد تقريباً من مذبحة العباسيين لأسرته الحاكمة في المشرق، في الوصول إلى الأندلس وتأسيس إمارة مستقلة سياسياً عن الخلافة العباسية التي حلت محل الأمويين في دمشق، وإن ظل محتفظاً بلقب الأمير دون الخليفة تجنباً للمواجهة الدينية الرمزية المباشرة مع بغداد. وبهذا افتُتح عهد جديد من الحكم الأموي الأندلسي المستقل الذي شهد ازدهاراً حضارياً استمر قروناً طويلة تالية.