تُمثّل الثورة الشيوعية الصينية التي بلغت ذروتها عام 1949 واحدة من أكبر التحولات السياسية في القرن العشرين من حيث حجم السكان المتأثرين بها، إذ أفضت إلى استيلاء الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ على السلطة في أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، بعد ما يقارب ربع قرن من الصراع المسلح المتقطع مع الحزب القومي “الكومينتانغ” بقيادة تشيانغ كاي شيك. وقد تشابكت هذه الحرب الأهلية الطويلة مع أحداث كبرى أخرى هزّت الصين والعالم، من الغزو الياباني وحرب المقاومة الصينية اليابانية إلى الحرب العالمية الثانية، قبل أن تُستأنف المواجهة المباشرة بين الطرفين فور استسلام اليابان عام 1945 وتنتهي بانتصار شيوعي حاسم أعلن بموجبه ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر 1949، فيما لجأت حكومة تشيانغ كاي شيك المهزومة إلى جزيرة تايوان لتواصل من هناك ادعاءها تمثيل الصين الشرعية.
| الأطراف والقيادات | |
| الحزب المنتصر | الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ |
| الحزب المهزوم | حزب الكومينتانغ القومي بقيادة تشيانغ كاي شيك |
| القوة العسكرية الشيوعية | جيش التحرير الشعبي |
| محطات رئيسية | |
| تأسيس الحزب الشيوعي الصيني | 1921 |
| انقسام التحالف الأول (مذبحة شنغهاي) | أبريل 1927 |
| المسيرة الكبرى | 1934 – 1935، نحو 10,000 كم |
| الحرب الأهلية الحاسمة | 1945 – 1949 |
| إعلان الجمهورية الشعبية | 1 أكتوبر 1949، بكين |
| النتائج | |
| مصير الحكومة القومية | الانسحاب إلى تايوان |
| الموقف السوفيتي | اعتراف بحكومة ماو عام 1949 |
أولاً: التحالف الأول وانقسامه الدموي عام 1927
تأسس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 متأثراً بأصداء الثورة الروسية وانتشار الأفكار الماركسية اللينينية بين بعض المثقفين الصينيين، وقد دخل الحزب الوليد في تحالف تكتيكي مع حزب الكومينتانغ القومي بتوجيه من الأممية الشيوعية “الكومنترن”، حيث انضم أعضاء شيوعيون بصفة فردية إلى صفوف الحزب القومي بهدف دعم مشروع توحيد الصين تحت راية واحدة ومواجهة حكم أمراء الحرب المتناحرين. غير أن وفاة الزعيم القومي المؤسس صن يات صن عام 1925 كشفت عن انقسام عميق داخل الكومينتانغ بين جناح يساري وآخر يميني تزعمه الجنرال تشيانغ كاي شيك، الذي استغل قوة الجيش الذي بناه في أكاديمية هوامبوا العسكرية لفرض نفسه وريثاً رئيسياً لإرث صن يات صن. وبينما كان تشيانغ يقود حملة “التوسع الشمالي” لتوحيد البلاد عسكرياً، تنامى قلقه من تزايد نفوذ الشيوعيين والنقابات العمالية التي أسسوها، فاختار في أبريل 1927، بعد أن حظي بدعم ضمني من موسكو استمر حتى تلك اللحظة، تنفيذ انقلاب دموي مباغت في مدينة شنغهاي طرد بموجبه الشيوعيين من صفوف حزبه وسحق التنظيمات النقابية التي كانوا يقودونها، في حدث شكّل القطيعة النهائية بين الطرفين وبداية فعلية للحرب الأهلية الصينية الطويلة.
ثانياً: المسيرة الكبرى وبروز ماو تسي تونغ زعيماً وحيداً
بعد أن اضطر الشيوعيون للانسحاب من المدن إلى الريف عقب انقلاب عام 1927، تمكن ماو تسي تونغ من بناء قاعدة ثورية زراعية في إقليم جيانغشي جنوب شرق الصين اعتماداً على تعبئة الفلاحين بدلاً من البروليتاريا الحضرية التي ركزت عليها النظرية الماركسية اللينينية التقليدية. غير أن حملات التطويق العسكرية المتلاحقة التي شنها تشيانغ كاي شيك بين عامي 1930 و1934، والتي حشد لخامستها وحدها نحو 700 ألف جندي مدعومين بتحصينات إسمنتية محكمة، أرغمت القوات الشيوعية على الفرار من قاعدتها في أكتوبر 1934 في عملية انسحاب أسطورية عُرفت بـ”المسيرة الكبرى”، امتدت قرابة عشرة آلاف كيلومتر عبر ثمانية عشر سلسلة جبلية وأربعة وعشرين نهراً وصولاً إلى إقليم شنشي في شمال غرب البلاد. ورغم أن الغالبية الساحقة من المشاركين في هذه المسيرة، الذين قُدّر عددهم الأولي بمئات الآلاف، لم تكمل الرحلة القاسية، فإن الناجين منها شكّلوا النواة الصلبة لقيادة الحزب الشيوعي لاحقاً، كما رسّخت هذه التجربة مكانة ماو تسي تونغ بوصفه الزعيم الأوحد للحزب بدعم من رفاق دربه كتشو إن لاي وتشو دي.
ثالثاً: الجبهة المتحدة الثانية والمواجهة مع الاحتلال الياباني
فرض الغزو الياباني المتصاعد لمنشوريا عام 1931 ثم لبقية الصين اعتباراً من عام 1937 هدنة قسرية على الصراع الداخلي بين الشيوعيين والقوميين، إذ أدرك الطرفان أن استمرار الاقتتال الداخلي في وجه عدو خارجي مشترك سيقود إلى كارثة أكبر، فتشكلت “الجبهة المتحدة الثانية” التي جمعت قوات الطرفين اسمياً تحت راية موحدة لمقاومة الاحتلال الياباني طوال سنوات الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا التحالف ظل هشاً وتكتيكياً بطبيعته، إذ واصل كل طرف بناء قواته وتوسيع مناطق نفوذه بمعزل عن الآخر استعداداً لجولة حاسمة قادمة، فيما استفاد الشيوعيون بشكل خاص من انخراطهم في مقاومة شعبية فعالة ضد الغزاة اليابانيين لاكتساب تأييد قومي واسع في الريف الصيني، بعكس تراجع هيبة القوات القومية التي أنهكها الصراع على جبهات متعددة.
رابعاً: استئناف الحرب الأهلية الحاسمة 1945-1949
ما إن استسلمت اليابان عام 1945 حتى تجدد الصراع المباشر بين الشيوعيين والقوميين على السيطرة على الصين، في سباق محموم لملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوات اليابانية، خصوصاً في منطقة منشوريا الاستراتيجية الغنية بالصناعة. وقد لعبت القوى الخارجية دوراً مؤثراً في هذه المرحلة، إذ قدّمت الولايات المتحدة دعماً مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً واسعاً للحكومة القومية سعياً لضمان قيام صين موحدة وديمقراطية موالية للغرب، بينما اكتفى الاتحاد السوفيتي بتفكيك المعدات الصناعية اليابانية في منشوريا ونقلها إلى أراضيه دون تدخل عسكري مباشر لصالح أي من الطرفين. وقد مرّ الصراع بثلاث مراحل متمايزة؛ ففي المرحلة الأولى بين عامي 1945 و1946 تسابق الطرفان لملء فراغ القوة مع استمرار مفاوضات هشة لتسوية سياسية؛ وفي المرحلة الثانية خلال عامي 1947 و1948 تحول ميزان القوى تدريجياً لصالح الشيوعيين بعد نجاحات قومية أولية؛ أما المرحلة الثالثة والحاسمة فشهدت سلسلة انتصارات عسكرية شيوعية ساحقة أفضت إلى انهيار كامل للجبهة القومية.
خامساً: انتصار الشيوعيين وإعلان الجمهورية الشعبية
في أقل من أربع سنوات ونصف بعد استسلام اليابان، تمكن الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي، الاسم الذي أصبحت تُعرف به قواته آنذاك، من إخضاع كامل الصين القارية، وذلك بفضل مزيج من الانتصارات العسكرية المتلاحقة وثورة اجتماعية شعبية عميقة استندت إلى تأييد واسع من فلاحي الريف الصيني الذين وعدهم الشيوعيون بإصلاح زراعي جذري يعيد توزيع الأراضي. وفي الأول من أكتوبر 1949، وقف ماو تسي تونغ ليعلن رسمياً قيام جمهورية الصين الشعبية وعاصمتها بكين، بعد أن أعاد للمدينة اسمها التاريخي القديم، فيما فرّت الحكومة القومية المهزومة بقيادة تشيانغ كاي شيك إلى جزيرة تايوان لتواصل من هناك حكمها ومطالبتها بتمثيل الصين الشرعية كاملة.
سادساً: التداعيات الدولية للثورة
شكّل انتصار الشيوعيين في الصين صدمة سياسية كبرى للولايات المتحدة التي كانت قد راهنت بثقلها الدبلوماسي والعسكري على الحكومة القومية، وأثار هذا “الفقدان” المفاجئ للصين موجة اتهامات داخلية حادة في واشنطن طالت إدارة الرئيس هاري ترومان، ودفعتها لنشر وثيقة رسمية عُرفت بـ”الكتاب الأبيض حول الصين” في أغسطس 1949 دافعت فيها عن سياستها بالقول إن مصير الحرب الأهلية كان يجب أن تحسمه القوى الصينية نفسها دون تدخل خارجي حاسم. وفي المقابل بادر الاتحاد السوفيتي إلى الاعتراف بحكومة ماو الجديدة فور إعلانها، لتبدأ بذلك مرحلة تحالف استراتيجي بين أكبر قوتين شيوعيتين في العالم شكّلت لعقود لاحقة أحد المحاور الرئيسية لصراعات الحرب الباردة في آسيا، من الحرب الكورية إلى حرب فيتنام، فيما ظلت مسألة تايوان، حيث تحصنت بقايا الحكومة القومية، قضية عالقة تلقي بظلالها على العلاقات الدولية حتى اليوم.