تُعرف الدولة السيخية، المعروفة أيضًا بإمبراطورية البنجاب، بأنها الكيان السياسي الذي أسسه المهراجا رانجيت سينغ في شبه القارة الهندية، إذ حوّل تحالفًا من ميثاقات سيخية متناحرة إلى دولة موحدة قوية بسط نفوذها على إقليم البنجاب بأسره في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي. وقد تأسست هذه الدولة رسميًا سنة 1799م حين استولى رانجيت سينغ، الملقب لاحقًا بـ”أسد البنجاب”، على مدينة لاهور، لتمتد إمبراطوريته لاحقًا من ممر خيبر شمالًا إلى نهر ستلج جنوبًا، ومن كشمير إلى صحراء ثار، معكوسة بذلك اتجاه الغزوات التقليدية التي طالما انطلقت من الشمال الغربي نحو عمق الهند. وقد اشتهرت هذه الدولة بقوتها العسكرية اللافتة، وبإصلاحاتها الإدارية الحديثة نسبيًا، وبسياسة تسامح ديني غير مألوفة في محيطها، قبل أن تنهار بعد وفاة مؤسسها إثر سلسلة من الحروب الأنجلو سيخية أفضت في نهاية المطاف إلى ضم البنجاب بأكمله إلى الإمبراطورية البريطانية سنة 1849م.

معلومات عامة
الاسم الدولة السيخية (إمبراطورية البنجاب)
الفترة 1799م – 1849م
العاصمة لاهور
المؤسس المهراجا رانجيت سينغ
أقصى امتداد من ممر خيبر إلى ستلج، ومن كشمير إلى صحراء ثار
محطات حاسمة
تأسيس الخالصة 1699م، على يد المعلم غوبيند سينغ
استيلاء رانجيت سينغ على لاهور يوليو 1799م
إعلان رانجيت سينغ مهراجا 1801م
وفاة رانجيت سينغ 27 يونيو 1839م
ضم البنجاب لبريطانيا مارس 1849م، عقب الحرب الأنجلو سيخية الثانية
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولًا: تأسيس الخالصة وجذور القوة السيخية العسكرية

يعود الأساس الديني والعسكري الذي قامت عليه لاحقًا الدولة السيخية إلى سنة 1699م، حين أسس المعلم العاشر للسيخية، غورو غوبيند سينغ، جماعة الخالصة، وهي جماعة سيخية منقّاة خالية من التمييز الطبقي، تجسد الشجاعة والالتزام بالمبادئ السيخية. وقد أعادت هذه الخطوة تعريف مفهوم السلطة داخل المجتمع السيخي، وأدخلت طقس تعميد جديدًا ومدونة سلوك خاصة، ووفرت للجماعة السيخية رؤية دينية وسياسية جديدة تمامًا، حوّلتها تدريجيًا من طائفة دينية مسالمة إلى جماعة منظمة قادرة على الدفاع عن نفسها عسكريًا في وجه الاضطهاد المتكرر الذي واجهته على يد السلطة المغولية الحاكمة آنذاك.

ثانيًا: رانجيت سينغ وتوحيد البنجاب

وُلد رانجيت سينغ سنة 1780م، ورث زعامة قبيلة الشوكرشاكية السيخية عقب وفاة والده سنة 1792م وهو لم يزل صبيًا، ثم برز تدريجيًا بوصفه الزعيم الأبرز بين الميثاقات السيخية المتنافسة المعروفة بـ”المسلات”، إلى أن استولى على مدينة لاهور سنة 1799م، وهي المدينة التي كانت تشكل العاصمة التقليدية لإقليم البنجاب بأسره. وبحلول سنة 1801م، أعلن رانجيت سينغ نفسه مهراجا على البنجاب، فسكّ عملة باسم المعلمين السيخ الروحيين، وأدار دولته باسم الجماعة السيخية العامة لا باسمه الشخصي، وذلك في خطوة رمزية أضفت شرعية دينية إضافية على حكمه الفتي. وقد استولى سنة 1802م على مدينة أمريتسار، المركز التجاري والمدينة المقدسة لدى السيخ على حد سواء، وواصل إخضاع الإمارات السيخية والبشتونية الصغيرة المنافسة، ليصبح بحلول سنة 1809م الحاكم الفعلي بلا منازع لمعظم أنحاء البنجاب.

ثالثًا: بناء جيش الخالصة الحديث

حقق رانجيت سينغ جميع فتوحاته اعتمادًا على جيش بنجابي موحد ضم سيخًا ومسلمين وهندوسًا معًا في صفوفه، في مؤشر واضح على الطابع التعددي النسبي الذي طبع دولته منذ نشأتها. وقد أدرك رانجيت سينغ أهمية التحديث العسكري على الطراز الأوروبي، فاستعان بضباط أوروبيين لتدريب مشاته ومدفعيته وفق أحدث الأساليب العسكرية المعروفة آنذاك، محولًا بذلك جيشه إلى قوة قتالية منظمة ومهيبة نافست في كفاءتها جيوش شركة الهند الشرقية البريطانية نفسها.

لقد كان رانجيت سينغ رجلًا واحد العين، لكنه رأى بها ما عجز الآخرون عن رؤيته بعينين اثنتين.
— من الوصف الذي تناقلته الروايات التاريخية عن مهابة المهراجا رانجيت سينغ رغم فقدانه إحدى عينيه في صغره

رابعًا: معاهدة أمريتسار مع بريطانيا

وقّع رانجيت سينغ سنة 1809م معاهدة صداقة مع شركة الهند الشرقية البريطانية، عُرفت بمعاهدة أمريتسار، حددت نهر ستلج حدًا فاصلًا بين الأراضي البريطانية والأراضي السيخية، وهي معاهدة اعترفت رسميًا بسيادة الدولة السيخية على البنجاب، وحالت مؤقتًا دون أي توسع بريطاني مباشر نحو الشمال. وقد أتاحت هذه التسوية لرانجيت سينغ التفرغ لتوسيع نفوذه غربًا وشمالًا بدلًا من الانشغال بمواجهة القوة البريطانية الصاعدة جنوبًا، فضمّ إلى دولته كشمير وبيشاور، وطرد القوات الأفغانية من معظم أنحاء البنجاب.

خامسًا: التسامح الديني والإدارة الداخلية

تميزت الدولة السيخية بسمة استثنائية نسبيًا في محيطها الإقليمي، إذ سمحت لأبناء الديانات المختلفة بالوصول إلى مناصب السلطة والنفوذ داخل جهاز الدولة، فلم يقتصر الحكم على السيخ وحدهم رغم كونهم العنصر المهيمن سياسيًا وعسكريًا، بل شارك فيه مسلمون وهندوس أيضًا بدرجات متفاوتة. وقد أولى رانجيت سينغ اهتمامًا شخصيًا مباشرًا بشؤون الإيرادات والتجارة في أرجاء مملكته الواسعة، مستعيدًا ازدهارًا اقتصاديًا ملموسًا للبنجاب، ومقدمًا رعاية رسمية سخية لمختلف الفئات المهمة داخل مجتمعه المتنوع، وهي سياسة ساهمت في ترسيخ ولاء واسع النطاق لدولته الوليدة.

سادسًا: وفاة رانجيت سينغ وانهيار الاستقرار الداخلي

توفي المهراجا رانجيت سينغ في السابع والعشرين من يونيو سنة 1839م في مدينة لاهور، لتدخل الدولة السيخية بعد وفاته مباشرة في مرحلة من الاضطراب الداخلي الحاد، مع تعاقب سريع لعدد من الخلفاء الضعفاء، وتصاعد نفوذ الجيش نفسه في الحياة السياسية على حساب استقرار السلطة المدنية. وقد أضعف هذا الاضطراب الداخلي المتصاعد قدرة الدولة على مواجهة الضغط البريطاني المتنامي من الجنوب، في وقت لم تعد فيه بريطانيا ترى في الدولة السيخية منطقة عازلة مفيدة لها ضد أي توسع محتمل للإمبراطورية الروسية نحو أفغانستان وشمال الهند.

سابعًا: الحرب الأنجلو سيخية الأولى

اندلعت الحرب الأنجلو سيخية الأولى بين سنتي 1845 و1846م، بفعل شكوك متبادلة متصاعدة، واضطراب داخل صفوف الجيش السيخي نفسه، ورفض السيخ السماح بمرور قوات بريطانية عبر أراضيهم أثناء الحرب الأفغانية الأنجلو أفغانية الأولى. وقد عبرت القوات السيخية نهر ستلج في ديسمبر سنة 1845م، غير أنها مُنيت بهزائم متتالية في أربع معارك دامية وشرسة عند موادكي وفيروزبور وأليوال وسوبراون، لتضطر الدولة السيخية بعدها إلى التنازل عن أراضٍ واسعة شرق نهر ستلج، وفصل إقليمي كشمير وجامو عنها، وتقليص حجم جيشها المهيب بشكل كبير.

ثامنًا: الحرب الأنجلو سيخية الثانية وضم البنجاب

لم تحل نتائج الحرب الأولى الخلافات الجوهرية القائمة بين الطرفين، فاندلعت الحرب الأنجلو سيخية الثانية سنة 1848م، بدءًا بتمرد قاده مولراج، والي إقليم مولتان، في أبريل من ذلك العام، ثم تصاعد ليتحول إلى انتفاضة وطنية شاملة حين انضم الجيش السيخي نفسه إلى صفوف المتمردين في الرابع عشر من سبتمبر 1848م. وقد حقق البريطانيون انتصارهم الحاسم في معركة كوجرات في الحادي والعشرين من فبراير سنة 1849م، مما دفع الجيش السيخي إلى الاستسلام النهائي في الثاني عشر من مارس من العام نفسه، ليعلن اللورد دالهاوزي، الحاكم العام البريطاني للهند، ضم البنجاب رسميًا إلى الإمبراطورية البريطانية، منهيًا بذلك نهائيًا وجود الدولة السيخية المستقلة بعد نصف قرن كامل من قيامها.

تاسعًا: الإرث التاريخي للدولة السيخية

خلّفت الدولة السيخية إرثًا سياسيًا وعسكريًا فريدًا في تاريخ شبه القارة الهندية الحديث، إذ مثّلت التجربة الوحيدة التي نجح فيها الفاتحون التقليديون القادمون من شمال غرب الهند في عكس اتجاه الغزو، بدلًا من أن تظل المنطقة ممرًا دائمًا للغزاة الوافدين من آسيا الوسطى وأفغانستان. وقد أرست هذه التجربة القصيرة نسبيًا، التي لم تدم سوى خمسين عامًا، ذاكرة تاريخية عميقة الأثر في الوعي السيخي الجمعي، لا تزال تُستحضر حتى اليوم بوصفها اللحظة الذهبية التي حكم فيها السيخ أنفسهم دولة مستقلة وقوية في وطنهم التاريخي بالبنجاب.