تُعد مجزرة صبرا وشاتيلا واحدة من أكثر الأحداث دموية ومأساوية في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية والصراع العربي الإسرائيلي، إذ راح ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين في بيروت الغربية، على مدى ثلاثة أيام في منتصف سبتمبر 1982، على يد ميليشيا الكتائب اللبنانية (حزب الكتائب) التي دخلت المخيمين تحت مظلة عسكرية إسرائيلية. وقد جاءت هذه المجزرة في أعقاب اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، زعيم حزب الكتائب، على يد عملاء سوريين في الرابع عشر من سبتمبر 1982، وهو ما فجّر موجة عنف انتقامي استهدفت المخيمين. وقد تباينت تقديرات عدد الضحايا تبايناً كبيراً بين مختلف المصادر، إذ تراوحت بين سبعمئة وثلاثة آلاف قتيل، فيما شكّلت هذه المجزرة صدمة دولية واسعة أفضت لاحقاً إلى تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية عُرفت باسم لجنة كاهان.

معلومات عامة
التاريخ 16 – 18 سبتمبر 1982
المكان مخيما صبرا وشاتيلا، بيروت الغربية، لبنان
السياق التاريخي الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982
الحدث المباشر السابق اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، 14 سبتمبر 1982
الأطراف
الجهة المنفذة ميليشيا حزب الكتائب اللبنانية (القوات اللبنانية)
الجهة المُمكّنة للدخول قوات الدفاع الإسرائيلية
الضحايا مدنيون فلسطينيون ولبنانيون
الحصيلة والتحقيق
عدد الضحايا التقديري بين 700 و3000 قتيل (تقديرات متباينة)
لجنة التحقيق لجنة كاهان الإسرائيلية (1983)
أبرز نتيجة سياسية استقالة وزير الدفاع أرييل شارون
COSMALORE · الموسوعة العربية

الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982

جاءت مجزرة صبرا وشاتيلا في سياق سياسي وعسكري مضطرب أعقب الغزو الإسرائيلي للبنان الذي انطلق في يونيو 1982 بهدف معلن هو إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من الأراضي اللبنانية. وقد سبق هذا الغزو توتر متصاعد على الحدود الشمالية لإسرائيل، إذ أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بقصف مواقع لمنظمة التحرير الفلسطينية في يونيو 1982 عقب محاولة اغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا من قبل مجموعة فلسطينية منشقة، فردت المنظمة بوابل صاروخي على بلدات إسرائيلية في الشمال، ما دفع إسرائيل إلى شن غزو جديد لجنوب لبنان. وقد توسع نطاق هذا الغزو تدريجياً حتى بلغت القوات الإسرائيلية محيط العاصمة بيروت، في عملية عسكرية واسعة النطاق جاوزت كثيراً حدود الأهداف المعلنة في جنوب لبنان.

اغتيال بشير الجميل ودخول القوات الإسرائيلية بيروت الغربية

شكّل اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، زعيم حزب الكتائب والقوة الرئيسية للميليشيا المسيحية المارونية الموحدة المعروفة بالقوات اللبنانية، في الرابع عشر من سبتمبر 1982 على يد عملاء سوريين، نقطة تحول مباشرة أدت إلى اندلاع موجة عنف واسعة النطاق. وفي أعقاب هذا الاغتيال مباشرة، تقدمت القوات الإسرائيلية لاحتلال بيروت الغربية، وفي خضم الاضطراب الذي أعقب ذلك، سمحت القوات الإسرائيلية لميليشيا الكتائب بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، انتقاماً معلناً لمقتل الجميل.

أحداث المجزرة: ثلاثة أيام من العنف

دخلت عناصر ميليشيا الكتائب مخيمي صبرا وشاتيلا، وقتلت خلال ثلاثة أيام متتالية امتدت من السادس عشر إلى الثامن عشر من سبتمبر 1982 مئات المدنيين الفلسطينيين، وسط تقديرات متباينة بشأن الحصيلة النهائية للضحايا تراوحت بين سبعمئة وثلاثة آلاف قتيل بحسب المصادر المختلفة. وقد وقعت هذه الأحداث في وقت كانت فيه المخيمات محاصرة عملياً من قبل القوات الإسرائيلية المحيطة بها، وهو ما أثار لاحقاً تساؤلات واسعة حول مدى العلم المسبق للقيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بما كان يجري داخل المخيمين، وحول درجة مسؤوليتها في عدم التدخل لوقف المجزرة رغم علمها المستمر بتطوراتها.

لجنة كاهان: التحقيق الرسمي الإسرائيلي

أثارت المجزرة موجة غضب دولي وإسرائيلي داخلي واسعة النطاق، ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تشكيل لجنة تحقيق قضائية رسمية عُرفت باسم لجنة كاهان، نسبة إلى رئيسها القاضي إسحاق كاهان، رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية آنذاك. وقد أصدرت اللجنة تقريرها في مطلع عام 1983، وخلصت فيه إلى أن وزير الدفاع أرييل شارون يتحمل “مسؤولية غير مباشرة” عن المجزرة، نظراً لتجاهله خطر إراقة الدماء عند موافقته على السماح لقوات الكتائب بدخول المخيمين، وأن هذه المسؤولية جعلته غير لائق للاستمرار في منصب وزير الدفاع. وفي وجه هذه الاستنتاجات القاسية، وصف شارون الاتهامات الموجهة إليه بأنها “افتراء دموي”، متهماً رئيس الوزراء مناحيم بيغن بتسليمه “للغوغاء”، غير أنه اضطر في نهاية المطاف إلى تقديم استقالته من منصب وزير الدفاع في فبراير 1983 بعد ضغط شعبي وسياسي واسع النطاق.

ردود الفعل الدولية والمحلية

خلّفت مجزرة صبرا وشاتيلا صدمة عميقة على المستويين الدولي والإسرائيلي الداخلي على حد سواء، إذ خرجت احتجاجات شعبية واسعة في إسرائيل نفسها تطالب بإجراء تحقيق شامل في ملابسات المجزرة ودرجة المسؤولية الإسرائيلية عنها، وهو الضغط الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تشكيل لجنة كاهان. كما أثارت المجزرة إدانات دولية واسعة النطاق، وأضرت بصورة إسرائيل على الساحة العالمية بشكل ملحوظ، وأصبحت أحد أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 برمّته.

الإرث التاريخي للمجزرة

لا تزال مجزرة صبرا وشاتيلا حتى اليوم من أشد الأحداث حضوراً في الذاكرة الجماعية الفلسطينية واللبنانية، ورمزاً بارزاً لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين خلال الحرب الأهلية اللبنانية والصراعات الإقليمية المرتبطة بها. وقد ظلت هذه المجزرة، رغم مرور أكثر من أربعة عقود عليها، موضع نقاش قانوني وتاريخي وسياسي متجدد بشأن طبيعة المسؤولية الدولية عن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في مناطق النزاع، وبشأن حدود مسؤولية القوى العسكرية المسيطرة فعلياً على أرض ما عن أفعال القوى المحلية العاملة تحت مظلتها.