| معلومات عامة | |
| الجهة الفاتحة | الإمبراطورية الروسية |
| المساحة المضمومة | نحو 1.5 مليون ميل مربع |
| عدد السكان المضمومين تقريبًا | لا يقل عن 6 ملايين نسمة، أغلبهم مسلمون |
| محطات زمنية كبرى | |
| بداية التوغل في سهوب قزاقستان | 1730–1731م |
| سقوط طشقند | 17 يونيو 1865م |
| إخضاع بخارى (حماية) | 1868م |
| إخضاع خيوة (حماية) | 1873م |
| ضم خوقند | 1876م |
| إخضاع القبائل التركمانية (كوك تبه) | 1881م |
| انتهاء مرحلة الفتح الإمبراطوري | 1885م |
يُعدّ التوسع الروسي في آسيا الوسطى أحد أبرز نماذج التوسع الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر، إذ حوّل الجيش القيصري في غضون نحو ثلاثة أرباع القرن مساحات شاسعة من السهوب والصحارى والخانات الإسلامية المستقلة، الممتدة من نهر الأورال إلى حدود الصين وأفغانستان، إلى أقاليم تابعة مباشرة للتاج الروسي أو محميات خاضعة له. ولم يكن هذا التوسع حدثًا واحدًا مفاجئًا، بل عملية تراكمية امتدت من إخضاع قبائل قزاقستان في القرن الثامن عشر، مرورًا بالحروب ضد خانات بخارى وخيوة وخوقند في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، وانتهاءً بإخضاع القبائل التركمانية في الثمانينيات منه، وقد اكتسبت هذه الحملات أبعادًا استراتيجية إضافية بفعل التنافس الشهير مع بريطانيا المعروف باسم “اللعبة الكبرى”.
أولاً: سهوب قزاقستان أولى ساحات التوسع
شكّلت أراضي القزاق، الممتدة شرق بحر قزوين وشمال بحر آرال، أول ساحة توسع روسي منتظم في آسيا الوسطى، إذ بدأت روسيا في القرن الثامن عشر التوغل تدريجيًا في هذه الأراضي، مستفيدة من الانقسامات الداخلية بين القزاق، وكان هذا التقدم بطيئًا ونادرًا ما اتسم بالعنف، لكنه كان محتومًا في جوهره، إذ مثّل النمط التقليدي لزحف المجتمعات الزراعية المستقرة على أراضي الرعاة الرحّل. وقد اعتقد بعض زعماء القزاق أن الحماية الروسية ستوفر لهم أمنًا من غارات الجونغار، فبين عامي 1731 و1742 قبلت “الحشود” الثلاثة (الصغرى والوسطى وجزء من الكبرى) الحماية الروسية.
غير أن هذه “الحماية” الأولية سرعان ما تحولت إلى إخضاع فعلي؛ فقد عملت روسيا خلال القرن التاسع عشر على قمع ما تبقى من استقلالية خانات القزاق، فألغت خانية الحشد الأوسط عام 1822، ثم خانية الحشد الأصغر عام 1824، وأخيرًا خانية الحشد الأكبر عام 1848. ورافق هذا الإخضاع السياسي استيطان واسع للفلاحين السلافيين والقوزاق والمنفيين السياسيين في السهوب، حتى بلغ عدد المستوطنين السلاف قرابة مليوني نسمة بحلول عام 1914، وذلك بعد أن قسّمت البيروقراطية الروسية السهوب عام 1868 إلى وحدات إدارية جديدة (مقاطعات وأقاليم) دون مراعاة لكفاية الموارد المائية أو جودة التربة بالنسبة للسكان الأصليين.
ثانياً: دوافع التوسع الروسي
لم تكن الدوافع الاقتصادية هي المحرك الأساسي للفتح الروسي في مراحله الأولى؛ فالاستيطان الفلاحي للسهوب البكر والزراعة المنهجية للقطن كانا تطورين لاحقين، بل كانت العوامل المحددة للتقدم الروسي معقدة ومتشابكة، من بينها الجاذبية التاريخية للحدود المفتوحة، وتعطش سلك الضباط للمجد العسكري، والخوف من مزيد من التغلغل البريطاني في آسيا الوسطى عبر نهر السند، فضلًا عن خطاب الإمبريالية المعدي السائد في تلك الحقبة. ومنذ البداية، كانت أهداف روسيا كقوة استعمارية محدودة بشكل صارم: الحفاظ على “الأمن والنظام” بأقل كلفة ممكنة، والتدخل بأقل قدر ممكن في نمط الحياة التقليدي لرعاياها الجدد.
في المقابل، يرى المؤرخ البريطاني ألكسندر موريسون، في دراسته المرجعية الأحدث والأكثر شمولًا عن هذا الفتح، أن كتابة تاريخ التوسع الروسي شابتها أساطير راسخة، أبرزها فرضية “اللعبة الكبرى” مع البريطانيين في الهند، وفرضية “القطن” التي تزعم أن آسيا الوسطى فُتحت لتوفير مصدر للقطن الخام وسوق أسيرة للصناعة الروسية، وهما فرضيتان لا تصمدان أمام التمحيص الدقيق للوثائق؛ فـ”اللعبة الكبرى” في رأيه نتاج هواجس أنجلو-هندية لا تكشف شيئًا عن الدوافع الروسية الفعلية، بينما “أسطورة القطن” هي طرح سوفيتي رسمي مستمد من كتابات لينين أكثر منه من الأدلة التاريخية الفعلية. ويخلص موريسون إلى أن ما تكشفه المصادر هو عملية عرضية وفوضوية، خالية من أي هدف استراتيجي أو اقتصادي شامل مسبق، حيث اتخذت النخبة العسكرية والدبلوماسية للإمبراطورية الروسية سلسلة من القرارات المرتجلة التي غالبًا ما كانت مدفوعة بعوامل محلية بحتة، وتُغلّب الأمن العسكري قصير الأمد والعلاقات مع دول وشعوب آسيا الوسطى.
اللعبة الكبرى هي نتاج جنون العظمة الأنجلو-هندي، ولا تخبرنا بشيء عن الدوافع الروسية الحقيقية.
— ألكسندر موريسون، مؤرخ في جامعة أكسفورد، 2020
ثالثاً: سقوط طشقند وتأسيس تركستان الروسية
شكّل سقوط طشقند عام 1865 نقطة التحول الحاسمة في مسار الفتح الروسي؛ ففي عام 1864 أُرسل الجنرال ميخائيل تشيرنيايف في مهمة محدودة إلى آسيا الوسطى، فاستولى على مدينتي أولي آتا وتشيمكنت، ثم تجاوز تعليماته الرسمية بمهاجمة طشقند نفسها، ونجح في فتحها عام 1865 عقب حصار دام قرابة شهر. ورغم أن تشيرنيايف نال استقبالًا حماسيًا في العاصمة القيصرية سان بطرسبرغ، فإنه أُقيل من منصبه واليًا عسكريًا على الإقليم الجديد بعد فشله في حملات توسع لاحقة عام 1866.
وفي عام 1867 أنشأت الحكومة القيصرية، بموجب مرسوم إمبراطوري، إقليم “حكومة تركستان العامة”، وجعلت من طشقند عاصمة له، وعيّنت الجنرال قسطنطين فون كاوفمان أول حاكم عام له. وقد بلغت مساحة هذا الإقليم بحلول تعداد عام 1897 نحو 1.7 مليون كيلومتر مربع، بعدد سكان تجاوز خمسة ملايين نسمة، واستمر قائمًا حتى الثورة الروسية عام 1917. واعتمدت الإدارة الروسية في هذا الإقليم على نظام حكم غير مباشر جزئيًا، إذ فوّضت كثيرًا من الصلاحيات لإدارة محلية من شيوخ يُعرفون باسم “الأقساقيل”، في تمايز واضح عن أنظمة الحكم المباشر المطبقة في روسيا الأوروبية نفسها.
رابعاً: إخضاع خانات بخارى وخيوة وخوقند
بعد سقوط طشقند، اتجه الزحف الروسي جنوبًا نحو الخانات الثلاث التي كانت تتقاسم السيطرة على منطقة ما وراء النهر: إمارة بخارى، وخانية خيوة، وخانية خوقند. ففي عام 1868 هزمت قوات فون كاوفمان جيش أمير بخارى مظفر الدين عند سمرقند، وفُرضت عليه معاهدة حوّلت إمارته إلى محمية روسية تتحكم موسكو بموجبها في علاقاتها الخارجية، مع احتفاظ الأمير بشؤونه الداخلية. وفي العام نفسه فُرضت معاهدة مماثلة على خانية خوقند حوّلتها إلى دولة تابعة لروسيا.
أما خانية خيوة، فقد تعرضت عام 1873 لهجوم روسي منظم بقيادة فون كاوفمان نفسه، انطلق من ثلاثة محاور مختلفة نحو العاصمة، وفي التاسع والعشرين من مايو من ذلك العام دخل فون كاوفمان مدينة خيوة، بعد أن فرّ خانها محمد رحيم الثاني أولًا إلى قبائل التركمان، ثم عاد بعد أيام قليلة ليعلن استسلامه في معسكر القائد الروسي قرب المدينة. وبذلك تحوّلت خيوة، شأن بخارى، إلى محمية شبه مستقلة تحتفظ بحكمها الداخلي بينما تتبع موسكو في السياسة الخارجية.
وكانت خوقند آخر الخانات الثلاث زوالًا؛ إذ أدى تصاعد التمرد الداخلي فيها عام 1875 إلى تدخل عسكري روسي واسع بقيادة الجنرالين فون كاوفمان وسكوبيليف، استمر قرابة ستة أشهر من القتال الشرس، وانتهى بإصدار القيصر ألكسندر الثاني في فبراير 1876 مرسومًا يقضي بضم الخانية بأكملها وإلغائها نهائيًا، لتُدمج أراضيها ضمن إقليم فرغانة التابع لحكومة تركستان العامة.
خامساً: إخضاع قبائل التركمان ومعركة كوك تبه
ظلت قبائل التركمان في منطقة عبر بحر قزوين آخر معقل يقاوم التوسع الروسي في آسيا الوسطى، وقد واجه الروس مقاومة عنيدة من قبيلة التكة التركمانية عند قلعة كوك تبه، إذ مُنيت الحملة الروسية الأولى عام 1879 بهزيمة موصوفة بأنها الأسوأ للجيش الروسي في آسيا الوسطى منذ عام 1717. غير أن الجنرال ميخائيل سكوبيليف قاد حملة ثانية أكثر تجهيزًا في نهاية عام 1880، واختار حصار القلعة بدلًا من اقتحامها المباشر، وفي الثاني عشر من يناير 1881 فجّر الروس لغمًا تحت أسوار القلعة، واقتحموا كوك تبه بعد معارك عنيفة انتهت بمقتل آلاف من المدافعين والمدنيين التركمان.
وقد اشتهرت عن الجنرال سكوبيليف مقولة قاسية أدلى بها في سان بطرسبرغ عام 1882 تلخّص فلسفته العسكرية في التعامل مع شعوب آسيا الوسطى، مفادها أن مدة السلام في آسيا تتناسب طرديًا مع حجم الدمار الذي يوقعه القائد بخصمه، وأن الضربة الأشد تضمن هدوءًا أطول أمدًا. ومثّلت معركة كوك تبه نهاية أي مقاومة تركمانية منظمة، ولم تستعِد هذه القبائل استقلالها إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بعد أكثر من قرن من الزمن.
كلما اشتد الضرب الذي توجهه إليهم، طال أمد هدوئهم بعد ذلك.
— الجنرال ميخائيل سكوبيليف، سان بطرسبرغ، 1882
سادساً: منافسة اللعبة الكبرى مع بريطانيا
اكتسب التوسع الروسي بعدًا دوليًا إضافيًا بفعل التنافس الاستراتيجي طويل الأمد مع الإمبراطورية البريطانية، والمعروف تاريخيًا باسم “اللعبة الكبرى”، وهو مصطلح صاغه الضابط البريطاني آرثر كونولي، ثم اشتهر عالميًا بفضل رواية الكاتب روديارد كبلينغ “كِم” الصادرة عام 1901. وكانت بريطانيا تخشى في المقام الأول أن تشكّل التحركات الروسية في آسيا الوسطى مقدمة لغزو محتمل للهند عبر الحدود الشمالية الغربية، وهو ما دفع صناع القرار في لندن إلى تبني سياسة استباقية عدوانية للدفاع عن أثمن ممتلكاتها الاستعمارية.
وانتهت هذه المنافسة رسميًا مع توقيع الاتفاقية الأنجلو-روسية في الحادي والثلاثين من أغسطس 1907، التي اعترفت فيها كل من الدولتين بمناطق نفوذ الأخرى في آسيا، وذلك بعد أن أنهكت الحرب الروسية اليابانية (1904–1905) القدرات العسكرية والمالية للإمبراطورية الروسية، ودفعت البلدين إلى إعادة تركيز اهتمامهما على الخطر الألماني المتصاعد في أوروبا.
سابعاً: نهاية الحكم القيصري وبداية الحقبة السوفيتية
جاءت نهاية الحكم القيصري في آسيا الوسطى مفاجئة وسريعة؛ فقد وصلت أخبار ثورة فبراير 1917 إلى تركستان بصورة نائية جدًا عن الأحداث الفعلية في بتروغراد، حتى إن بعض المؤرخين وصف الأمر بالقول إن “الثورة وصلت إلى تركستان عبر برقية”، غير أن انهيار الحكومة القيصرية ألقى بالإقليم بأكمله في فوضى عنيفة. وفي نوفمبر من العام نفسه، أعلنت مجموعة من زعماء آسيا الوسطى في مدينة خوقند قيام “حكومة تركستان المستقلة ذاتيًا”، إلا أن قوات السوفييت المتمركزة في طشقند سحقتها خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو الحدث الذي أشعل فتيل مقاومة طويلة عُرفت باسم “ثورة الباسمجية”.
وبحلول عام 1920 نجحت القوات السلافية والأوروبية المسيطرة على طشقند في خلع أمير بخارى وخان خيوة، وأُعلنت “جمهوريتان شعبيتان سوفيتيتان” في مكانهما، بمشاركة تحالفات هشة من الإصلاحيين والاشتراكيين ورجال الدين المسلمين والتجار. ثم أقدمت السلطات السوفيتية في عامي 1924 و1925 على إعادة رسم خريطة آسيا الوسطى بالكامل وفق مبدأ إحادية العرق لكل كيان قومي رئيسي، فنشأت بذلك بين ليلة وضحاها جمهوريتا أوزبكستان وقره قلبقستان بوصفهما إقليمين محدَّدين عرقيًا داخل الاتحاد السوفيتي، لتتشكل من هذا التقسيم الإداري الأسس الجغرافية والسياسية لدول آسيا الوسطى الخمس المستقلة اليوم: كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وطاجيكستان.
ولا يزال إرث هذا التوسع الروسي الطويل، بمراحله القيصرية والسوفيتية المتعاقبة، حاضرًا بقوة في البنية الديموغرافية والسياسية والحدودية لدول آسيا الوسطى المعاصرة، من تعداداتها السكانية المتعددة الأعراق إلى حدودها المرسومة إداريًا في العشرينيات، وهو ما يجعل دراسة هذا التوسع مدخلًا أساسيًا لفهم تعقيدات المنطقة حتى اليوم.