ثورة القرامطة هي الحركة الدينية والسياسية الثورية التي أسسها حمدان قرمط في جنوب العراق أواخر القرن التاسع الميلادي كفرع متطرف من الحركة الإسماعيلية الشيعية، والتي تطورت لاحقاً إلى دولة مستقلة قائمة بذاتها في إقليم البحرين التاريخي، أي شرق الجزيرة العربية، حكمها آل الجنّابي عبر عدة أجيال متعاقبة بين نهاية القرن التاسع ونهاية القرن الحادي عشر الميلادي تقريباً. وقد جمعت هذه الحركة بين بعد عقدي باطني تأويلي يرفض ظاهر الشريعة الإسلامية التقليدية، وبعد اجتماعي واقتصادي راديكالي أقام في إقليم الأحساء نظاماً وُصف بأنه أقرب إلى “جمهورية” جماعية شاركت فيها الجماعة بالموارد والثروات على نحو نادر في التاريخ الإسلامي الوسيط. غير أن القرامطة اكتسبوا شهرتهم التاريخية الأبرز، والأكثر إثارة للجدل والاستنكار في العالم الإسلامي حتى اليوم، من خلال سلسلة من الغارات العنيفة على قوافل الحجيج وحواضر العراق، بلغت ذروتها المأساوية في نهب مدينة مكة المكرمة نفسها خلال موسم الحج عام 930م، حين اقتحمت قواتهم بقيادة أبي طاهر الجنّابي المدينة المقدسة، وقتلت آلاف الحجاج، ونزعت الحجر الأسود من الكعبة المشرفة ونقلته إلى معقلهم في الأحساء، حيث ظل بعيداً عن مكانه الأصلي أكثر من عشرين عاماً قبل أن يُعاد مقابل فدية ضخمة عام 951م. وقد ظلت هذه الحادثة، إلى جانب الأصول العقدية الإسماعيلية الباطنية للحركة، سبباً رئيسياً في وصمها لدى غالبية المسلمين عبر التاريخ بوصفها فرقة خارجة عن الإجماع الإسلامي، بل ووصفتها مصادر سنية تاريخية عديدة بأنها أقرب إلى حركة تخريبية استهدفت هدم أسس الدين نفسه من الداخل، فيما ترى قراءات تاريخية واجتماعية حديثة أن للحركة أيضاً بعداً اجتماعياً وسياسياً ثورياً مرتبطاً بالتمرد على السلطة العباسية المركزية وأشكال الظلم الاجتماعي التي عانت منها فئات مهمشة في المجتمع العباسي المتأخر.
| نظرة عامة | |
| التسمية | القرامطة (نسبة إلى حمدان قرمط) |
| الانتماء العقدي | فرع متطرف من الإسماعيلية الشيعية |
| فترة النشاط | نحو 899م – 1077م |
| النطاق الجغرافي | العراق، البحرين، اليمن، بلاد الشام |
| العاصمة الرئيسية | الأحساء (الهجر) |
| أبرز القادة | |
| المؤسس الفكري | حمدان قرمط |
| مؤسس دولة البحرين القرمطية | أبو سعيد الجنّابي (899 – 913م) |
| قائد نهب مكة | أبو طاهر سليمان الجنّابي (914 – 944م) |
| محطات فاصلة | |
| تأسيس دولة البحرين القرمطية | 899م |
| نهب مكة وسرقة الحجر الأسود | 11 يناير 930م |
| إعادة الحجر الأسود | 951م، مقابل فدية |
| القضاء النهائي على الدولة | 1077م، على يد العيونيين |
النشأة الفكرية: حمدان قرمط والحركة الإسماعيلية
تعود جذور الحركة القرمطية إلى الانشقاق الكبير الذي وقع داخل الشيعة الإسماعيلية عقب وفاة الإمام جعفر الصادق عام 765م، حين اختلف أتباعه حول الإمام الشرعي التالي، إذ رأى فريق أن الإمامة انتقلت إلى ابنه إسماعيل بن جعفر ثم إلى ابنه محمد بن إسماعيل من بعده، خلافاً لموقف الشيعة الاثني عشرية الذين اعتبروا أن الإمامة انتقلت إلى موسى الكاظم. وقد ظهرت الحركة القرمطية تحديداً في جنوب العراق في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، وذلك على يد داعية عُرف باسم حمدان قرمط، الذي نظّم أتباعه في شبكة دعوية سرية محكمة، معتمداً تأويلات باطنية جذرية للنصوص الدينية تختلف اختلافاً جوهرياً عن التفسير الظاهري السائد لدى غالبية المسلمين، فيما يرجّح بعض الباحثين أن اسم “قرمط” مشتق من لقب حمدان نفسه، وإن ظل أصل هذه التسمية موضع خلاف بين المؤرخين حتى اليوم. وقد نشطت الدعوة القرمطية في هذا السياق التاريخي المضطرب الذي شهده العراق العباسي أواخر القرن التاسع، والذي تزامن مع اندلاع ثورة الزنج الكبرى التي قادها العبيد الأفارقة المجلوبون من شرق أفريقيا في جنوب العراق لأربعة عشر عاماً متصلة، وهو مناخ من الاضطراب الاجتماعي والسياسي العميق وفّر أرضية خصبة لانتشار حركات دعوية ثورية جديدة كالقرمطية تحمل وعوداً بالعدالة الاجتماعية والمساواة.
تأسيس دولة البحرين القرمطية
تأسست الدولة القرمطية المستقلة الفعلية في إقليم البحرين التاريخي، الذي يشمل شرق الجزيرة العربية الحالي بما فيه الأحساء والقطيف والبحرين الحديثة، عام 899م تقريباً، على يد أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي، الذي أقام عاصمته في مدينة الأحساء (المعروفة تاريخياً بالهَجَر)، ونجح خلال سنوات قليلة في بسط سيطرته على معظم مناطق شرق الجزيرة العربية بعد إلحاق هزائم متكررة بالجيوش العباسية المرسلة لإخضاعه، بما في ذلك انتصاره الحاسم على جيش عباسي في البصرة عام 900م. وقد أرسى أبو سعيد داخل هذه الدولة الوليدة نظاماً اجتماعياً واقتصادياً استثنائياً وُصف من قبل بعض المؤرخين بأنه أقرب إلى تجربة “شيوعية بدائية”، إذ ألغى الضرائب والجزية المفروضة على السكان، وضمن رعاية اجتماعية شاملة لأفراد الجماعة من المهد إلى اللحد في الصحة والمرض على حد سواء، معتمداً في تمويل هذا النظام على غنائم الغارات العسكرية المتكررة وعائدات موقعه الاستراتيجي المسيطر على طرق التجارة البرية والبحرية في الخليج العربي. وبعد اغتيال أبي سعيد عام 913م، خلفه ابنه أبو طاهر سليمان الجنّابي على رأس الدولة، الذي واصل توسيع نفوذها عبر غارات متكررة استهدفت البصرة والكوفة، بل هدد العاصمة العباسية بغداد ذاتها في عدة مناسبات.
نهب مكة المكرمة عام 930م
شكّل غزو أبي طاهر الجنّابي لمكة المكرمة في موسم الحج من عام 930م، والذي وقع تحديداً في الحادي عشر من يناير من ذلك العام، أشد الأحداث دموية وإثارة للصدمة في تاريخ الحركة القرمطية بأكمله، إذ اقتحمت قواته المدينة المقدسة بذريعة أداء مناسك الحج، قبل أن تتحول فجأة إلى مهاجمة الحجاج العزل داخل المدينة نفسها، في مجزرة استمرت ما بين ثمانية وأحد عشر يوماً متواصلاً، تُرك خلالها كثير من جثث القتلى بلا دفن، فيما تشير بعض المصادر التاريخية إلى سقوط ما يقارب ثلاثين ألف قتيل من الحجاج والمقيمين خلال هذه الحادثة. وقد ارتبطت هذه الحملة بحسب عدد من المصادر التاريخية بقناعة عقدية باطنية بلغت حد الإفراط لدى أبي طاهر، إذ اعتقد أن “المهدي المنتظر” قد ظهر في شخص شاب فارسي يُدعى أبا الفضل الأصفهاني، وهو ما دفعه إلى اعتبار الشرائع الدينية القائمة، بما فيها فريضة الحج نفسها، باطلة وقد انتهى زمانها بظهور هذا “المهدي” المزعوم. وقد بلغت هذه الحادثة ذروة استفزازها للعالم الإسلامي بأسره حين نهبت القوات القرمطية الكعبة المشرفة ذاتها، ونزعت الحجر الأسود من مكانه في ركنها الشرقي، ونقلته إلى معقلها في الأحساء، فيما ألقت بجثث بعض القتلى في بئر زمزم المقدسة، في عمل وُصف على نطاق واسع بأنه أعظم تدنيس تعرضت له الأماكن الإسلامية المقدسة عبر التاريخ الإسلامي بأكمله، وأثار موجة استنكار عارمة عمّت العالم الإسلامي شرقاً وغرباً.
أنا بالله، والله معي، وأنا الذي أزلت زخرف الكعبة وحجرها الأسود، فأين ربكم الذي كنتم تعبدون؟
— مضمون منسوب إلى أبي طاهر الجنّابي عقب نهب مكة، بحسب مصادر تاريخية إسلامية، 930
احتجاز الحجر الأسود وإعادته
ظل الحجر الأسود، أقدس الرموز المادية في الإسلام، محتجزاً لدى القرامطة في معقلهم بالأحساء لمدة تزيد على عشرين عاماً كاملة، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن أبا طاهر حاول في مرحلة ما نصب الحجر في مسجد خاص أسماه “مسجد الضرار” داخل عاصمته، ساعياً بذلك إلى تحويل وجهة فريضة الحج بأكملها بعيداً عن مكة المكرمة نحو معقله الخاص، غير أن هذه المحاولة فشلت فشلاً ذريعاً، إذ استمر الحجاج المسلمون في التوجه نحو الموقع الأصلي للحجر في مكة رغم غيابه الفعلي عنه. وقد استغل القرامطة احتجاز هذا الرمز الديني المقدس كأداة ابتزاز مالي وسياسي مباشرة بحق الخلافة العباسية، إلى أن تم التوصل أخيراً إلى اتفاق أعاد الحجر الأسود إلى مكانه الأصلي في الكعبة عام 951م، مقابل فدية مالية ضخمة دفعتها الخلافة العباسية، حيث أُعيد الحجر ملفوفاً في كيس وأُلقي به داخل المسجد الجامع في الكوفة، مرفقاً برسالة تقول: “بأمر أخذناه، وبأمر رددناه”، وقد وُجد الحجر مكسوراً إلى سبع قطع، فأُعيد تجميعه ووُضع داخل إطار فضي لحمايته، وهو الإطار الذي لا يزال محيطاً بالحجر حتى اليوم.
البعد الاجتماعي والتنظيم الداخلي
تُظهر الدراسات التاريخية والاجتماعية أن الدولة القرمطية في البحرين لم تكن مجرد كيان عسكري توسعي، بل شكّلت أيضاً تجربة اجتماعية داخلية استثنائية بمقاييس عصرها، إذ نظّم القرامطة مجتمعهم الداخلي وفق مبادئ مساواتية صارمة، وامتنعوا عن فرض الضرائب التقليدية على أفراد جماعتهم، فيما اشتهروا أيضاً بلقب “البقلية” نسبة إلى نظامهم الغذائي النباتي الصارم الذي التزم به كثير من أتباعهم. وقد اعتمد هذا التنظيم الداخلي على هيكل قيادي هرمي ديني وسياسي في آن واحد، توارثته أسرة آل الجنّابي عبر أجيال متعاقبة، فيما ربط الباحثون في مجال التاريخ الاجتماعي هذه التجربة بسياق أوسع من حركات التمرد والاحتجاج الاجتماعي التي عرفها العالم الإسلامي في هذه الحقبة المضطربة من أواخر العصر العباسي، والتي عبّرت عن نفسها بأشكال متعددة، من ثورة الزنج ذات الطابع العرقي والطبقي، إلى الحركة القرمطية ذات الطابع العقدي والاجتماعي المتشابك.
الأصل التاريخي للفاطميين وانقسام الحركة الإسماعيلية
ترتبط الحركة القرمطية تاريخياً وعقدياً بنشأة الدولة الفاطمية التي تأسست في شمال أفريقيا في نهاية القرن التاسع الميلادي، إذ كان الطرفان فرعين من الحركة الإسماعيلية الشيعية الأوسع قبل أن ينقسما، حين رفض القرامطة الاعتراف بدعوى الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي بالإمامة الشرعية، معتبرين أنها تخالف تسلسل الإمامة الذي آمنوا به عبر محمد بن إسماعيل، وهو الخلاف العقدي الذي أدى إلى قطيعة تامة بين القرامطة والفاطميين، بل تحولت العلاقة بينهما لاحقاً إلى عداء مسلح مباشر تخللته مواجهات عسكرية متكررة بين الطرفين. وقد استمر هذا الانقسام العميق بين الفرعين الإسماعيليين طوال فترة وجود الدولتين، إذ سعى الفاطميون في مصر لاحقاً إلى استمالة القرامطة أو مهادنتهم دبلوماسياً بغية توظيف قوتهم العسكرية ضد الخلافة العباسية المشتركة بينهما كخصم، وإن لم تصل العلاقة بين الطرفين قط إلى مستوى التحالف الكامل نظراً للخلاف العقدي الجوهري بينهما.
الأفول والقضاء على الدولة القرمطية
دخلت الدولة القرمطية في مرحلة أفول تدريجي بطيء اعتباراً من أواخر القرن العاشر الميلادي، إذ فقدت تدريجياً كثيراً من نفوذها الإقليمي الواسع وقدرتها على شن حملات عسكرية موسّعة كما كانت عليه في عهد أبي طاهر الجنّابي، وذلك في ظل صراعات داخلية على الزعامة وضغوط عسكرية متجددة من الخلافة العباسية ومن الدولة البويهية الشيعية الصاعدة في العراق وإيران على حد سواء. وقد استمرت بقايا هذه الدولة قائمة بشكل ضعيف نسبياً في إقليم الأحساء والبحرين حتى تعرضت لهزيمة عسكرية حاسمة عام 1076-1077م على يد تحالف قبلي محلي عُرف بالعيونيين، بدعم من الخلافة العباسية والدولة السلجوقية الصاعدة آنذاك، وذلك في معركة عُرفت تاريخياً بـ”ثورة العيونيين على القرامطة”، وهي المعركة التي أنهت رسمياً الوجود السياسي المستقل لدولة القرامطة في شرق الجزيرة العربية بعد ما يقارب قرنين كاملين من التأسيس.
الموقف الفقهي والتاريخي من القرامطة
يحتل القرامطة موقعاً بالغ السلبية في السردية التاريخية والفقهية الإسلامية السائدة عبر القرون، إذ وصفتهم مصادر إسلامية سنية عديدة بأنهم من أشد الفرق خروجاً عن الإسلام وأكثرها عداءً لأصوله وشعائره الأساسية، مستندة بشكل خاص إلى حادثة نهب مكة وانتهاك حرمة الكعبة المشرفة عام 930م بوصفها الدليل الأبرز على هذا الخروج، فيما اعتبر فقهاء مسلمون معاصرون لهم ولاحقون أفعالهم هذه دليلاً قاطعاً على بطلان دعواهم الدينية وزيفها. وفي المقابل، يشير باحثون في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، من خلفيات أكاديمية غربية بشكل رئيسي، إلى أن الحركة القرمطية تستحق قراءة أكثر تعقيداً تتجاوز الإدانة الدينية المجردة، باعتبارها تعبيراً سياسياً واجتماعياً ثورياً عن احتجاج فئات مهمشة، من فلاحين وبدو ومهمشين اجتماعياً، ضد بنية السلطة العباسية المركزية القائمة آنذاك، وضد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الحاد الذي عانت منه هذه الفئات في تلك الحقبة التاريخية، وإن كانت هذه القراءة لا تُعفي الحركة في نظر غالبية المؤرخين من مسؤوليتها عن أعمال عنف موثقة طالت مدنيين وحجاجاً عزّلاً.