البعثة النبوية هي الحدث التأسيسي الجوهري في تاريخ الإسلام، ويُعنى بها اصطفاء الله تعالى لمحمد بن عبد الله ﷺ وإرسالُه رسولاً إلى الناس كافةً، وذلك بنزول الوحي عليه في غار حراء من جبل النور قرب مكة المكرمة، في ليلة من العشر الأواخر من شهر رمضان عام 610م الموافق للسنة الأربعين من عمره الشريف. كانت أولى آيات الوحي القرآني الكريم التي أتى بها جبريل عليه السلام خمسَ آيات من مطلع سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وقد رواها رواية تامة الإمامُ البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها. مرّت البعثة النبوية بمرحلتَين كبريَيَن متمايزتَين: مرحلة مكة المكرمة التي امتدت ثلاثة عشر عاماً (610-622م) وغلب عليها الاضطهاد والصبر والتكوين الروحي للنواة المؤمنة، ثم مرحلة المدينة المنورة التي امتدت عشر سنوات (622-632م) وتجلّى فيها بناء الدولة الإسلامية والتشريع الكامل ونشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية كلها. ظلّ النبي ﷺ طوال حياته صابراً على تحقيق رسالةٍ وصفها القرآن الكريم بأنها رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، انتهت بوفاته ﷺ في الثاني عشر من ربيع الأول عام 11هـ الموافق لعام 632م في المدينة المنورة، تاركاً خلفه ديناً بات في غضون قرن واحد يمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى حدود الصين والهند شرقاً، ومرسِّخاً حضارةً أسهمت في صياغة ملامح التاريخ الإنساني بصورة لا مثيل لها في تاريخ الأديان والدعوات.

البعثة النبوية
الاسم الكامل للنبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي
الكُنية أبو القاسم
الألقاب الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الله
تاريخ الميلاد نحو 570م (عام الفيل) — مكة المكرمة
بداية البعثة
تاريخ نزول الوحي الأول عام 610م — ليلة من العشر الأواخر من رمضان
مكان نزول الوحي الأول غار حراء، جبل النور، مكة المكرمة
عمر النبي عند البعثة 40 سنة قمرية و6 أشهر و12 يوماً
أول آيات نزلت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ — أول خمس آيات من سورة العلق
أول من أسلمت السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها (الزوجة)
أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه
أول من أسلم من الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه
مراحل البعثة
مرحلة الدعوة السرية نحو 3 سنوات (610-613م) — دار الأرقم مقراً للقاءات
مرحلة الدعوة الجهرية بمكة نحو 10 سنوات (613-622م)
هجرة الحبشة الأولى نحو 615م — 15 رجلاً و4 نساء
هجرة الحبشة الثانية نحو 616م — 83 رجلاً و19 امرأة
عام الحزن 619م — وفاة خديجة وأبي طالب
الإسراء والمعراج نحو 620-621م
الهجرة إلى المدينة 622م — تأريخ بداية التقويم الهجري
مرحلة الدعوة في المدينة 10 سنوات (622-632م)
فتح مكة رمضان 8هـ / يناير 630م
حجة الوداع ذو الحجة 10هـ / مارس 632م
وفاة النبي ﷺ 12 ربيع الأول 11هـ / 8 يونيو 632م — المدينة المنورة
مدة البعثة الإجمالية 23 سنة كاملة
المصادر التاريخية الرئيسية
المصدر الأول القرآن الكريم
السيرة النبوية سيرة ابن هشام (ت. 218هـ) المعتمدة على ابن إسحاق (ت. 151هـ)
الحديث النبوي الشريف صحيح البخاري، صحيح مسلم، وسائر كتب السنة
المصادر التاريخية الكلاسيكية الطبقات الكبرى لابن سعد، البداية والنهاية لابن كثير
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: الجزيرة العربية قبيل البعثة — عالَم ينتظر فجراً

كانت الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي عالَماً متشعّب التضاريس متباين الحضارات؛ بادية متقشّفة وواحات ناضرة وموانئ تجارية صاخبة، تُجاورها قوى كبرى من الساسانيين في الشمال الشرقي والبيزنطيين في الشمال الغربي يتنافسان على النفوذ والسيطرة ويَستنزفان العرب في حروبهما المتواصلة. كانت مكة المكرمة قلبَ الجزيرة العربية النابضَ في هذه الحقبة، وقد كسبت مكانتها المتميزة من عاملَين متلازمَين: موقعها الجغرافي على طرق القوافل التجارية الواصلة بين اليمن وبلاد الشام ومنها إلى حوض البحر المتوسط من جهة، ومن وجود الكعبة المشرفة التي كانت مركز التعظيم الديني لعرب شبه الجزيرة كافة من جهة أخرى.

سيطرت قبيلة قريش على مكة بعد أن حكّم فيها قُصَيّ بن كلاب — جدّ النبي ﷺ الأعلى — النظامَ القبلي المكّي في القرن الخامس الميلادي، وتقاسمت بطون قريش الوظائفَ الدينية والاقتصادية لمكة من سدانة الكعبة وسقاية الحاج والرفادة إلى إدارة شؤون التجارة. وقد وصف المؤرخ المستشرق برنارد لويس في كتابه «العرب في التاريخ» تجارةَ قريش بأن قوافلها «وصلت إلى الحدود البيزنطية والحبشية والفارسية وأدارت تجارة واسعة، ترتحل في القوافل الكبرى مرتَين في العام إلى الشمال والجنوب».

كان الدين السائد في مكة وعموم نجد والحجاز الوثنيةَ المتمثلة في تعظيم الأصنام، إذ كانت الكعبة تحتوي وفق الروايات الإسلامية على ثلاثمائة وستين صنماً تمثّل آلهة القبائل العربية المختلفة، وكان أبرزها هُبَل واللات والعُزّى ومناة. وإلى جانب الوثنية كانت ثمة جاليات يهودية متعددة في المدينة وخيبر ووادي القرى، وجماعات مسيحية في اليمن والحيرة والشام، ونفر من الحنفاء الذين اشمأزّوا من الوثنية واتجهوا بفطرتهم نحو التوحيد دون أن يدخلوا في اليهودية أو المسيحية، وكان النبي ﷺ قبيل بعثته يُذكر في كتب السيرة ضمن هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم نفوراً فطرياً من الشرك ويتحينون العبادة الخالصة.

يصف علماء السيرة المجتمعَ الجاهلي — وهو المصطلح الذي استخدمه القرآن الكريم في إشارته إلى الحالة الفكرية والروحية السائدة قبيل الإسلام — بجملة من السمات البنيوية: التشتت القبلي الذي كان يُكرّس العصبية ويُقدّس الثأر ويجعل من الحرب القبلية واقعاً دائماً، والتفاوت الاجتماعي الصارخ بين فئة أرستقراطية تجارية ثرية تحتكر قرارات مكة وفقراء ومستضعفين ومماليك لا صوت لهم ولا حقوق تعلو على إرادة سادتهم، وممارسات اجتماعية قاسية كوأد البنات الذي كان يُمارَس في بعض القبائل على خلفية خشية العار أو الفقر.

كانت الأرض يومئذٍ قد عمّها جهل بالله وضلال عن الحق، فقضى الله أن يُنقذ الناس برسول يُقيم لهم الحجة ويُبيّن الطريق.
— ابن هشام، السيرة النبوية، ج1، مقدمة باب البعثة

ثانياً: النبي ﷺ قبيل البعثة — شخصية تتكوّن وروح تتهيّأ

وُلد محمد بن عبد الله ﷺ في عام الفيل (نحو 570م) في مكة المكرمة من قبيلة قريش الكريمة، بطن بني هاشم منها. تُوفّي أبوه عبد الله قبل مولده أو بُعيده وفق اختلاف روايات السيرة، وفارقت أمه آمنة بنت وهب الحياةَ وهو في السادسة من عمره، فكفله جدّه عبد المطلب حتى توفي وللغلام ثمانية أعوام، ثم انتقلت حضانته إلى عمّه أبي طالب الذي احتضنه وآزره في أشد ساعات الدعوة ضراوةً حتى لحظة رحيله.

اكتسب النبي ﷺ في مرحلة الشباب لقب «الأمين» لما عُرف به بين أهل مكة من صدق في القول وأمانة في المعاملة وبُعد عن الشهادة بالزور وتجنّب لكل ما يُدنّس النفس من منكرات مجتمعه، حتى كانت قريش تعمد إليه في فضّ نزاعاتها وردّ حكمها إليه. كان يعمل راعياً للغنم في صباه ثم اشتغل بالتجارة مسافراً في قوافل قريش إلى الشام واليمن، وفي رحلته الأولى إلى الشام برفقة عمه أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة تروي بعض كتب السيرة كسيرة ابن إسحاق لقاءه بالراهب بُحيرى الذي لاحظ علائم النبوة في هيئته.

في الخامسة والعشرين من عمره تزوج النبي ﷺ من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، سيدة قريشية ذات مكانة ومال وشخصية استثنائية كانت أسبق إليه وعيناً على صفاته الجليلة. وكانت هذه الزيجة من أعمق المحطات في حياته ﷺ قبل البعثة وبعدها؛ إذ وجد فيها سنداً روحياً وانساندت إليه في أول لحظات الوحي الصعبة وأول من آمنت برسالته. وفي السنوات التي سبقت البعثة تنامى اتجاهه ﷺ نحو الخلوة والتأمل في ملكوت الله، مُتخذاً من غار حراء ملاذاً للتحنّث والعبادة في سكون الجبل بعيداً عن صخب مكة وضجيجها، كان يمكث فيه الأيام والليالي ذوات العدد، يحمل معه الزاد والسكينة، يتأمل في آفاق السماء وعظمة الخلق، قبل أن تفتح له تلك الليلة المباركة بابَ الاتصال الأعظم بين السماء والأرض.

ثالثاً: ليلة الوحي الأولى — لحظة تُؤرَّخ لها البشرية

كان النبي ﷺ في خلوته المعتادة بغار حراء حين جاءه جبريل عليه السلام حاملاً الوحي الإلهي في تلك الليلة الفارقة من رمضان عام 610م. تروي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في حديثها المتفق على صحته في الصحيحَين أن أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه — أي يتعبد — الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك.

جاءه جبريل عليه السلام فقال: «اقرأ». فقال ﷺ: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال: «اقرأ». فقال: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه الثانية حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال: «اقرأ». فقال: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه الثالثة ثم أرسله فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده.

دخل على خديجة رضي الله عنها يقول: «زمّلوني، زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، ثم حكى لها ما جرى فقالت له تلك الكلمات الخالدة التي رُويت في أمهات كتب السيرة والحديث — وفيها معنى الإسلام قبل أن يُسمّى الإسلامَ: «كلاّ والله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتكسب المعدوم وتُقري الضيف وتُعين على نوائب الحق». ثم ذهبت به إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، الشيخ الناسك الذي كان قد تنصّر وتعلّم العبرية وقرأ الكتب المقدسة، فأخبره الخبر فصاح ورقة: «هذا الناموس الأكبر الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذَعاً إذ يُخرجك قومك». فقال ﷺ: «أوَمخرجيّ هم؟» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي».

أعقبت نزولَ الوحي الأول فترةُ انقطاع لم يُجزم المؤرخون بمدتها الدقيقة — وتُسمى فترة الفترة أو الفتور — كان النبي ﷺ خلالها في ترقّب وشوق لاستئناف الوحي، حتى نزلت عليه سورة المدثر بأوائلها الآمرة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ﴾، فانطلق الوحي بعدها متواصلاً لا ينقطع طوال الثلاثة والعشرين عاماً التي شكّلت مدة البعثة كاملة حتى لحظة الوفاة.

رابعاً: مرحلة الدعوة السرية — بناء النواة الأولى

استمرت مرحلة الدعوة السرية نحو ثلاث سنوات (610-613م)، وكان النبي ﷺ فيها يتحرى أصحاب الاستعداد الروحي والفطرة السليمة في دوائره المقربة يدعوهم فرادى وأزواجاً دون إعلان جماعي. شكّلت هذه المرحلة اللبنةَ البشرية الأولى للإسلام عبر انتقاء أسلم حجر في صرحه المستقبلي وتعميق إيمانه قبل أن يُلقَى في مواجهة الإنكار الجماعي. تشير المصادر إلى أن عدد المسلمين في نهاية المرحلة السرية لم يتجاوز نحو أربعين نفراً يتلاقون في الخفاء.

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، خليل النبي ﷺ الذي عرفه قبل البعثة معرفة حميمة وكان يُدرك من صدقه وأمانته ما يجعل تصديقه به أيسر من تصديق سواه، أول من دعاه النبي ﷺ من الرجال البالغين فأجاب فوراً دون تردد أو استئناس بالنظر، وكان إسلامه ثمرةً جوهرية للمرحلة السرية إذ استخدم صلاته الواسعة في استمالة عدد من صحابة الدرجة الأولى إلى الإسلام: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعاً.

اتخذت حلقات المسلمين الأوائل من دار الأرقم بن أبي الأرقم، المتخفية عند سفح جبل الصفا في مكة، مركزاً للاجتماع والتدارس والتعليم القرآني، بعيداً عن مجمعات قريش وعيون مراقبيها. كان النبي ﷺ يقرأ عليهم ما أُنزل من القرآن ويُعلّمهم معانيه ويُزكّي نفوسهم ويُرسّخ في وجدانهم عقيدة التوحيد، فكانت دار الأرقم المعهدَ الأول في تاريخ الإسلام والحاضنةَ الروحية للجيل المؤسّس الذي حمل الرسالة إلى العالم بعد ذلك.

خامساً: الإعلان الجهري بالدعوة — الصدع بالحق

بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة السرية نزل الأمر الإلهي بالجهر والإعلان: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94)، وقبلها: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214). انتقل النبي ﷺ على إثر هذا الأمر إلى مرحلة الإفصاح الكامل؛ فصعد جبل الصفا ونادى بطون قريش بأسمائها، فلما اجتمعوا خطبهم قائلاً: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً في سفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك كذباً. قال: «فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد».

كان نداء الإسلام في مرحلة الجهر يمتد ليطال القوافل القادمة إلى مكة في مواسم الحج والأسواق السنوية كسوق عكاظ وذي المجاز ومجنّة، يقف فيها النبي ﷺ يدعو القبائل العربية القادمة من كل فجّ إلى التوحيد ويعرض عليهم دين الحق بينما يسعى عمّه أبو لهب خلفه يُكذّبه ويُحذّر منه الناس. وقد شكّلت هذه الجولات الدعوية في أسواق العرب ومواسمهم أداةً استراتيجية ذكية مكّنت الرسالة من تجاوز الحصار القرشي في مكة والوصول إلى القبائل العربية في أرجاء الجزيرة.

سادساً: موقف قريش وأساليب المواجهة

ما إن أعلن النبي ﷺ دعوته جهاراً حتى انبرت قريش في وجهه بترسانة من أدوات المواجهة متعددة الأوجه. كان الاعتراض الديني والاجتماعي أعمقها أثراً؛ إذ رأى زعماء قريش في الدعوة الإسلامية تهديداً مزدوجاً: ضربةً لمكانتهم الدينية القائمة على سدانة الكعبة وإدارة الحج وما يجلبانه من هيبة ومال، وتحدياً لنظامهم الطبقي الذي يُسوّي بين أشراف قريش وعبيدهم في القيمة الإنسانية أمام الله إذ يُقرّر القرآن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

لجأت قريش إلى وسائل متنوعة لمقاومة الدعوة: السخرية والاستهزاء بالنبي ﷺ ووصفه بالساحر والمجنون والكاهن، ثم التعذيب الجسدي الوحشي للمستضعفين من المسلمين الذين لا قبيلة تحميهم كبلال الحبشي وعمار بن ياسر وأمه سمية أول شهيدة في الإسلام وخبّاب بن الأرت وغيرهم ممن عُذِّبوا في الرمال المحرقة وبالأثقال والنار. وعرضت قريش على النبي ﷺ عبر وساطات عمّه أبي طالب تنازلات متراكمة: المال والجاه والسلطة والملك، فكان ﷺ يردّها بعزم قائلاً في المأثور عنه: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه».

سابعاً: الهجرة إلى الحبشة — أول هجرة في تاريخ الإسلام

حين اشتدّ الأذى على المسلمين المستضعفين الذين لا قبيلة تصونهم ولا عشيرة تذبّ عنهم، أذن النبي ﷺ لفريق منهم بالهجرة إلى الحبشة حيث ملك عادل لا يُظلَم عنده أحد، هو النجاشي أصحمة بن أبجر. كانت الهجرة الأولى نحو عام 615م مؤلّفة من خمسة عشر رجلاً وأربع نساء، في مقدمتهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، غادروا مكة خُفيةً ليلاً نحو ميناء جدة وركبوا سفن التجار إلى أرض الحبشة.

أرسلت قريش خلفهم وفداً من أشطر رجالها دبلوماسياً هو عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة يحملان هدايا لوجهاء الحبشة ويسعيان إلى استعادة المهاجرين بوصفهم عصاة فارّين من دين آبائهم. بيد أن النجاشي أبى أن يصدر حكمه إلا بعد سماع موقف المهاجرين؛ فأُحضر جعفر بن أبي طالب متحدثاً باسمهم فأبلغه الدين الجديد وتلا عليه سورة مريم وما فيها من إجلال للسيد المسيح عليه السلام، فبكى النجاشي وبكت أساقفته وقال: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة»، ورفض تسليمهم إلى قريش برغم الإلحاح والهدايا.

ثامناً: عام الحزن — الخسارات الكبرى

في العام العاشر للبعثة (619م) فجعت حياة النبي ﷺ بخسارتَين فادحتَين متتاليتَين أُسمّيت بـ«عام الحزن» في كتب السيرة؛ أولاهما وفاة عمّه أبي طالب الذي كان درعه السياسية وسياجه القبلي الذي أربك مخططات قريش لتكبيل النبي ﷺ وكسر حامية الجوار التي تعصمه. تُنقل روايات كثيرة في السيرة تُبيّن كيف كان أبو لهب وأبو جهل وغيرهم يكفّون عن بعض ما يريدون بسبب مكانة أبي طالب في قريش واحترامه فيها، وقد أفلت قريش من هذا العقال فعلاً بعد موته وجاهرت بالأذى والعدوان بصورة غير مسبوقة.

وأعقبت رحيلَ أبي طالب وفاةُ أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها بعد خمسة وعشرين عاماً من رعاية لم تتزعزع ومناصرة لم تضعف. كانت خديجة السند الروحي الأول للنبي ﷺ ومحلّ أسراره ومُوازِن وجدانه وحاضنة مخاوفه في اللحظات الأولى الحرجة للوحي، وأبلغ ما قيل في وصف مكانتها عنده ﷺ قوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «أمنت بي حين كفر الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها».

تاسعاً: الإسراء والمعراج — آفاق ما وراء الأرض

في أعقاب عام الحزن وعلى وقع الضغوط المتصاعدة، جاءت رحلة الإسراء والمعراج تسليةً ربانية كبرى وإكراماً إلهياً فريداً للنبي ﷺ. يُقرّر القرآن الكريم هذه الرحلة في مطلع سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فيما تُشير سورة النجم إلى جانب من رؤية معراجية أعلى وأشمل.

انطوت رحلة الإسراء على أبعاد دينية وتشريعية جوهرية؛ ففي المسجد الأقصى أمّ النبي ﷺ الأنبياءَ جميعاً في صلاة جماعية مُعلِنةً ختمه للنبوة وجمعه لخيوط كل الرسالات السماوية في رسالة واحدة خاتمة. وفي رحلة المعراج إلى السماوات العلى فُرضت على الأمة الإسلامية الصلوات الخمس خمساً بعد أن كانت خمسين حتى خُفِّفت بشفاعة موسى عليه السلام. وقد صنّف المؤرخ ووات والت مونتغمري في دراسته «محمد في مكة» الإسراءَ والمعراجَ تجربةً روحية بالغة الأثر في إعادة شحن عزيمة النبي ﷺ وإعداده لمرحلة جديدة من الرسالة.

عاشراً: بيعتا العقبة والتمهيد للهجرة الكبرى

في موسم الحج لعام 621م التقى النبي ﷺ بنفر من أهل يثرب (المدينة) من قبيلتَي الأوس والخزرج فدعاهم إلى الإسلام فاستجابوا وعادوا يحملون في صدورهم نور الإيمان ليصلوا به وعودهم إلى مجتمعهم. في العام التالي 622م اجتمع باثنَين وسبعين رجلاً وامرأتَين من أهل يثرب في العقبة اجتماعاً سرياً أُبرمت فيه بيعة العقبة الثانية الكبرى التي مثّلت الميثاق التأسيسي لعلاقة جديدة: التزام أهل يثرب بحماية النبي ﷺ مما يحمون منه أنفسهم وأبناءهم وأزواجهم، وبايعوه على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى النفقة في العسر واليسر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام لله لا يخافون في الله لومة لائم.

حادي عشر: الهجرة إلى المدينة — نقطة التحوّل في تاريخ الرسالة

بعد أن تواطأت قريش في «دار الندوة» على مؤامرة اغتيال النبي ﷺ بأن ينهض بقتله شاب من كل قبيلة حتى يتفرق دمه على القبائل ويعجز بنو هاشم عن المطالبة بثأره، أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة. غادر النبي ﷺ مكة مع صاحبه أبي بكر الصديق ليلاً في ثقة ورباطة جأش أسطوريتَين، محاطَين بمراقبة قريش، مستعيناً بفراسة دليله عبد الله بن أُريقط اللؤي وبخطط اتقاء مسبقة أخفت آثار مساره، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام حتى فتر طلبه، ثم انطلق حتى وصل المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول الأول للهجرة / 22 سبتمبر 622م.

أرّخ المسلمون بهذا الحدث تأريخاً مدنياً أصبح معياراً للتقويم الإسلامي بالقمر؛ فالهجرة النبوية ليست مجرد رحلة جغرافية من مدينة إلى أخرى، بل هي نقطة تحوّل حضارية فارقة تُرسّخ ولادة مجتمع وبناء دولة وانتقال الدعوة من طور البيان والصبر إلى طور التشريع والبناء. في المدينة المنورة ستنكشف أبعاد الرسالة الإسلامية كاملةً: من صياغة الوثيقة الجامعة بين المهاجرين والأنصار واليهود — التي رأى فيها كثير من الباحثين كالمستشرق مونتغمري وات دستوراً مدنياً مبكراً — إلى بناء المسجد مركزاً للعبادة والحكم والتشريع والتعلّم، إلى التأسيس التدريجي لمنظومة قانونية وأخلاقية شاملة أربكت الموازين الحضارية المعروفة في العالم القديم.

ثاني عشر: خصائص البعثة النبوية وسماتها الجوهرية

تتميز البعثة النبوية بجملة من الخصائص التي تُميّزها في سياق تاريخ الأنبياء والرسالات وتجعلها موضع دراسة مستمرة في تاريخ الأديان والحضارات: أولها الشمولية والعالمية إذ يُقرّر القرآن الكريم صراحةً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: 28)، فكانت رسالة لكل البشر لا لأمة بعينها أو جيل بعينه، وثانيها الختمية إذ أعلن القرآن أن النبي ﷺ خاتم النبيين ورسالته ختم الرسالات: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: 40).

وثالثها التوثيق الكامل الذي جعل من البعثة النبوية الأكثر توثيقاً بين سائر تجارب النبوة في التاريخ؛ إذ حُفظ القرآن الكريم كتابةً وحفظاً منذ اليوم الأول للوحي، وجُمعت أحاديث النبي ﷺ بمنهجية علمية أسّست لعلم الإسناد والجرح والتعديل الذي يُذهل علماء منهجية البحث الحديث بدقته وشموليته. وقد وصف المستشرق الألماني ميخائيل كوك في دراسته حول المحمدية هذه المنهجية بأنها «واحدة من أدق مناهج الحفاظ على التراث الشفهي وتوثيقه في تاريخ الحضارة الإنسانية».

أما رابع هذه الخصائص فهي الأثر التحوّلي الحضاري الفائق؛ فقد أحدثت البعثة النبوية في غضون قرن واحد تحوّلاً ديموغرافياً وسياسياً وحضارياً أسقط إمبراطورية فارس وزعزع القيصرية البيزنطية ووحّد شبه الجزيرة العربية الممزقة وأسّس للتعاقب الحضاري الذي أفرز في قرون لاحقة مراكز علمية وفلسفية وطبية وفلكية وفلسفية في بغداد والقاهرة والأندلس أسهمت في إشعال نهضة أوروبا الحديثة.

إن محمداً كان في مكانة فريدة في تاريخ العالم، كأميٍّ في الظاهر من أمة أمية، تجرّأ على دعوة العالمَين الفارسي والرومي، ووضع أسس الإيمان القادر على تحقيق الوحدة الأخلاقية بين الشعوب.
— ويليام مونتغمري وات، محمد في مكة، جامعة أكسفورد، 1953م

خرجت البعثة النبوية من غار حراء الصغير الكائن في جبل لا يزال قائماً اليوم تهفو إليه أنظار الملايين من حجاج بيت الله، لتُسكَب في رسالة حوّلت مسار البشرية وغيّرت وجه التاريخ، مُرسّخةً مبادئ التوحيد والعدل والأخوة الإنسانية في أرقى صياغاتها في رسالة جمعت بين ما أُنزل على إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، وأتمّته وختمته في نسق إلهي واحد متكامل أعلنت آخر آياته في حجة الوداع عام 632م: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ (المائدة: 3).