يمثّل العصر الحجري الحديث، أو “العصر النيوليتي”، المرحلة الأخيرة من العصر الحجري في تاريخ البشرية، ويتميّز باستخدام أدوات حجرية مصقولة أو مطحونة بدلاً من الأدوات المشذّبة الخشنة التي سادت في العصر الحجري القديم، إلى جانب اعتماد متزايد على النبات والحيوان المستأنسَين، واستقرار جماعات بشرية في قرى دائمة، وظهور حرف جديدة كصناعة الفخار والنسيج. بدأت أولى ملامح هذا التحول في منطقة الشرق الأدنى نحو عام ١٠٠٠٠ قبل الميلاد، بالتزامن مع تراجع الأنهار الجليدية في نهاية العصر البليستوسيني وبداية العصر الهولوسيني، قبل أن تنتشر تقنياته تدريجياً نحو آسيا وأوروبا وأفريقيا، فيما نشأت أنماط حياة نيوليتية مماثلة بصورة مستقلة في مناطق أخرى من العالم كالأمريكتين. ولا يشير مصطلح “النيوليتي” إلى حقبة زمنية واحدة موحدة عالمياً، بل إلى مرحلة تقنية واجتماعية بلغتها مجتمعات مختلفة في أزمنة متفاوتة بحسب الجغرافيا والظروف البيئية المحلية.

معلومات عامة
التسمية العصر الحجري الحديث (النيوليتي)
البداية التقريبية نحو ١٠٠٠٠ ق.م في الشرق الأدنى
النهاية التقريبية تتراوح بين نحو ٤٥٠٠ و٢٠٠٠ ق.م بحسب المنطقة
الموقع الأول للظهور الهلال الخصيب في الشرق الأدنى
العصر السابق العصر الحجري القديم / الميزوليتي
العصر اللاحق العصر النحاسي ثم العصر البرونزي
الخصائص الأساسية
الأدوات حجارة مصقولة ومطحونة
الاقتصاد زراعة الحبوب واستئناس الحيوان
السكن قرى ومستوطنات دائمة
الحرف الفخار، النسيج
مواقع أثرية رئيسية
غوبكلي تبه جنوب شرق الأناضول، نحو ٩٦٠٠-٨٢٠٠ ق.م
تشاتال هويوك وسط الأناضول، من نحو ٧١٠٠ ق.م
أريحا وادي الأردن، من أقدم المستوطنات المسوَّرة
COSMALORE · الموسوعة العربية

من الالتقاط إلى الإنتاج: التحول الاقتصادي الكبير

شكّل العصر الحجري الحديث نقطة تحول جوهرية في تاريخ البشرية، إذ لم تعد المجتمعات تعتمد حصرياً على الصيد وصيد الأسماك وجمع النباتات البرية، بل شرعت في زراعة الحبوب وبناء مساكن دائمة والتجمع في قرى مستقرة، وهو تحول أتاح للمجتمعات الزراعية إنتاج فائض غذائي مكّن بعض أفرادها من التفرغ لحرف متخصصة لم تكن ممكنة في ظل نمط الحياة الرحّالة السابق. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن هذا الانتقال من اقتصاد “التقاط الغذاء” إلى اقتصاد “إنتاج الغذاء” جرى بالتدريج عبر آسيا وأوروبا انطلاقاً من نقطة أصل في منطقة الهلال الخصيب، وليس عبر قفزة مفاجئة موحدة زمنياً في كل مكان.

المرحلة السابقة للفخار: غوبكلي تبه ونظيراتها

تكشف الاكتشافات الأثرية في جنوب شرق الأناضول عن مرحلة مبكرة من العصر الحجري الحديث سبقت معرفة صناعة الفخار، عُرفت بـ”العصر الحجري الحديث السابق للفخار”، ومن أبرز مواقعها موقع غوبكلي تبه، الذي يضم مبانٍ دائرية وبيضاوية ضخمة أقامتها جماعات من الصيادين وجامعي الثمار بين عامي ٩٦٠٠ و٨٢٠٠ قبل الميلاد تقريباً، مزينة بأعمدة حجرية على شكل حرف T منقوشة بصور حيوانات برية. واللافت في هذا الموقع أن بناءه الضخم تم قبل استقرار الزراعة الكاملة في المنطقة بوقت طويل، إذ يعود إلى فترة كان سكانها لا يزالون يعتمدون أساساً على الصيد وجمع الثمار، ما دفع بعض الباحثين إلى مراجعة الافتراض التقليدي القائل بأن الاستقرار الزراعي هو الذي مهّد بالضرورة لظهور العمارة المنظمة والطقوس الجماعية، لصالح احتمال أن تكون التجمعات الطقسية الكبرى قد سبقت الزراعة المستقرة في بعض السياقات. وبعد غوبكلي تبه بقرون، نشأ موقع تشاتال هويوك في وسط الأناضول، الذي يُعدّ من أقدم التجمعات الحضرية الكثيفة المعروفة، إذ ضمّ في ذروته آلاف السكان في منازل طينية متلاصقة يُدخل إليها من أسطحها.

انتشار الزراعة من الهلال الخصيب

انطلقت تقنيات الزراعة النيوليتية من منطقة الهلال الخصيب في الشرق الأدنى، وامتدت شرقاً حتى وادي نهر السند في الهند بحلول عام ٥٠٠٠ قبل الميلاد تقريباً، بينما ظهرت مجتمعات زراعية معتمدة على الدُّخن والأرز في وادي نهر هوانغ خه في الصين وفي جنوب شرق آسيا بحلول عام ٣٥٠٠ قبل الميلاد. وفي أوروبا، بدأ الانتقال النيوليتي في جنوب شرق القارة نحو الألفية الثامنة قبل الميلاد، لينتشر تدريجياً نحو الشمال الغربي، حيث لم يكتمل هذا التحول في بريطانيا واسكندنافيا إلا بعد عام ٣٠٠٠ قبل الميلاد. أما في العالم الجديد، فقد تحقق نمط الحياة النيوليتي بصورة مستقلة تماماً عن الشرق الأدنى، إذ استُؤنست الذرة والفاصولياء والقرع تدريجياً في المكسيك وأمريكا الوسطى ابتداءً من نحو ٦٥٠٠ قبل الميلاد، وإن لم تبدأ الحياة القروية المستقرة هناك إلا في وقت لاحق كثيراً، نحو عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد.

لم يعد الإنسان في هذا العصر معتمداً حصراً على الصيد وصيد الأسماك وجمع النباتات البرية.
— من وصف موسوعة بريتانيكا لطبيعة التحول الاقتصادي في العصر الحجري الحديث

العمارة الحجرية الضخمة والطقوس الجنائزية

رافق استقرار المجتمعات النيوليتية وتراكم فائضها الاقتصادي ظهور عمارة حجرية ضخمة تُعرف بـ”الميغاليث”، تجلّت في أوروبا الغربية عبر نصب حجرية كبرى ومقابر ذات ممرات وحُجرات دفن جماعية، من أبرزها مجمع ستونهنج وموقع أفبري في إنجلترا، اللذان أُقيما على مراحل متعاقبة امتدت قروناً، فضلاً عن مقبرة نيوغرينج في أيرلندا. وقد أتاح الاستقرار الدائم، خلافاً لنمط الحياة الرحّالة، تخصيص الوقت والجهد الجماعي اللازمَين لإقامة مثل هذه المنشآت الضخمة، التي ما زال الغرض الدقيق من كثير منها موضع نقاش بين الباحثين، وإن كانت الأدلة ترجّح ارتباطها بطقوس جنائزية ودينية جماعية.

الآثار الصحية والاجتماعية للاستقرار

لم يكن التحول النيوليتي خالياً من الأعباء، إذ رافق التقارب المتزايد بين الإنسان والحيوانات المستأنسة ارتفاعاً في مخاطر الأمراض المعدية المنقولة من الحيوان إلى الإنسان، فضلاً عن تغيرات في النظام الغذائي والنشاط البدني ترتبت على الانتقال من نمط حياة الصيد والجمع المتنقل إلى الاستقرار الزراعي. كما تشير الأدلة الأثرية من مواقع في الشرق الأدنى، ومنها آثار أسلحة مغروسة في هياكل عظمية ومواقع محصّنة بأسوار وخنادق كأريحا، إلى تصاعد النزاعات بين الجماعات مع تزايد الكثافة السكانية والتنافس على الموارد والأراضي الزراعية الثابتة، خلافاً لأنماط النزاع الأكثر محدودية التي عرفتها المجتمعات المتنقلة في العصور الأسبق.

نهاية العصر النيوليتي والانتقال إلى عصر المعادن

لم يكن للعصر الحجري الحديث تاريخ نهاية موحد عالمياً، بل انتهى تدريجياً في كل منطقة مع ظهور تقنيات معالجة المعادن، إذ بدأ الانتقال نحو العصر النحاسي في الشرق الأدنى نحو عام ٤٥٠٠ قبل الميلاد مع بدايات صهر النحاس، تمهيداً لظهور العصر البرونزي، بينما استمرت الأدوات الحجرية سائدة في مناطق أخرى من العالم لقرون إضافية بعد ذلك. وبذلك يمثّل العصر الحجري الحديث الحلقة الأخيرة في تسلسل “عصور الحجر” الذي وضعه علماء الآثار في القرن التاسع عشر لتصنيف مراحل تطور الأدوات البشرية المبكرة، قبل أن تفسح المرحلة الحجرية الطريق أمام عصور استخدام المعادن.