شكّلت حروب نابليون، التي امتدت من عام 1803 حتى عام 1815، سلسلة من النزاعات المسلحة الواسعة النطاق التي خاضتها فرنسا الإمبراطورية بقيادة الإمبراطور نابليون بونابرت ضد تحالفات أوروبية متعاقبة ومتغيّرة، وأفضت إلى فترة من الهيمنة الفرنسية القصيرة على معظم القارة الأوروبية. وقد جاءت هذه الحروب امتداداً مباشراً لحروب الثورة الفرنسية التي اندلعت بين عامي 1792 و1799، لتشكّل معاً فترة شبه متواصلة من القتال دامت ثلاثة وعشرين عاماً، انتهت أخيراً بهزيمة نابليون الحاسمة في معركة واترلو. واتُّخذ الثامن عشر من مايو عام 1803، وهو تاريخ إعلان بريطانيا الحرب على فرنسا عقب انهيار معاهدة أميان، نقطة بداية رسمية متعارف عليها لهذه الحروب، رغم استمرار الجدل التاريخي حول هذا التحديد الزمني الدقيق. وقد أعادت هذه الحروب، التي تُصنَّف تقليدياً إلى خمسة ائتلافات كبرى إضافة إلى حملتي شبه الجزيرة الأيبيرية وروسيا، رسم خريطة القارة الأوروبية سياسياً واجتماعياً، وأفرزت في نهاية المطاف بريطانيا قوة بحرية واقتصادية لا تُنازَع طوال القرن التالي.
معلومات عامة
التسمية حروب نابليون (Napoleonic Wars)
التاريخ 18 مايو 1803 – 20 نوفمبر 1815
المدة نحو اثني عشر عاماً (وثلاثة وعشرون عاماً مع حروب الثورة الفرنسية)
الموقع أوروبا، البحر الأبيض المتوسط، مصر، منطقة الكاريبي، المحيط الأطلسي
النتيجة هزيمة فرنسا النهائية في واترلو؛ مؤتمر فيينا وإعادة رسم خريطة أوروبا
المعاهدة الختامية معاهدة باريس الثانية، 20 نوفمبر 1815
الائتلافات الكبرى
الائتلاف الثالث 1805
الائتلاف الرابع 1806-1807
الائتلاف الخامس 1809
الائتلاف السادس 1812-1814
الائتلاف السابع 1815
الأطراف المتحاربة
الإمبراطورية الفرنسية وحلفاؤها فرنسا، إيطاليا (النابليونية)، الكونفدرالية الراينية، الدوقية الكبرى لوارسو، إسبانيا (حتى 1808)، الإمبراطورية الروسية (1807-1810)
القوى الأوروبية المتحالفة ضدها المملكة المتحدة، روسيا، النمسا، بروسيا، السويد، البرتغال، إسبانيا (من 1808)، هولندا
القيادات الرئيسة
فرنسا الإمبراطور نابليون الأول بونابرت
المملكة المتحدة دوق ولينغتون آرثر ويلزلي، الأدميرال هوراشيو نيلسون، رئيس الوزراء ويليام بيت الأصغر
روسيا القيصر ألكسندر الأول، الفيلد مارشال ميخائيل كوتوزوف
بروسيا الفيلد مارشال غيبهارد فون بلوخر
النمسا الإمبراطور فرانس الأول، الأرشيدوق تشارلز
أبرز المعارك
معركة الطرف الأغر (الترافالغار) 21 أكتوبر 1805 – هزيمة بحرية فرنسية إسبانية حاسمة أمام الأسطول البريطاني
معركة أوسترليتز 2 ديسمبر 1805 – أعظم انتصارات نابليون البرية
حملة غزو روسيا 1812 – كارثة عسكرية كبرى لفرنسا
معركة الأمم (لايبزيغ) 16-19 أكتوبر 1813 – أكبر معركة في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى
معركة واترلو 18 يونيو 1815 – الهزيمة النهائية لنابليون
النتائج العامة
السياسي مؤتمر فيينا وإعادة ترسيم حدود أوروبا، صعود بروسيا قوة عظمى، بداية عصر السلام البريطاني
الاجتماعي انتشار القانون المدني النابليوني وأفكار الثورة الفرنسية في أرجاء أوروبا
COSMALORE · الموسوعة العربية
الخلفية التاريخية وصعود نابليون

جاءت حروب نابليون امتداداً مباشراً لحروب الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1792 بين فرنسا الثورية وتحالف من الملكيات الأوروبية التي رأت في الأفكار الجمهورية الفرنسية تهديداً وجودياً لأنظمتها الملكية التقليدية. وفي التاسع من نوفمبر عام 1799، الموافق للثامن عشر من شهر برومير وفق التقويم الجمهوري الفرنسي، نفّذ الجنرال الشاب نابليون بونابرت انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة الإدارة الفرنسية المتداعية، ونصّب نفسه قنصلاً أول للجمهورية الفرنسية، في خطوة شكّلت بداية فعلية لصعوده نحو السلطة المطلقة.

وبعد سلسلة من الانتصارات العسكرية التي حققها ضد قوات الائتلاف الثاني، توصل بونابرت إلى تسوية سلمية مؤقتة مع بريطانيا بموجب معاهدة أميان الموقعة عام 1802، التي أنهت عقداً كاملاً من الحروب المتواصلة بين البلدين. غير أن هذا السلام الهش لم يدم طويلاً، إذ استغل نابليون هذه الفترة لتوسيع نفوذه الفرنسي على دول أوروبية مجاورة، من بينها سويسرا وهولندا وأجزاء من إيطاليا وألمانيا، وهو ما أثار قلقاً متصاعداً في لندن إزاء اختلال موازين القوى القارية. وفي الثامن عشر من مايو عام 1803، أعلنت بريطانيا الحرب رسمياً على فرنسا بعدما رفض نابليون الانسحاب من هولندا وإجلاء قواته عن جزيرة مالطا، لتدخل أوروبا بذلك في فصل جديد وأكثر دموية من القتال.

الائتلاف الثالث: أوسترليتز والترافالغار

بعد استئناف الحرب، شرع نابليون، الذي توّج نفسه إمبراطوراً للفرنسيين في الثاني من ديسمبر عام 1804، في حشد قوة غزو ضخمة بلغ قوامها نحو 180 ألف جندي عند مدينة بولونيا الفرنسية، في تحضيرات جدّية لغزو الجزر البريطانية مباشرة. غير أن تشكّل الائتلاف الثالث عام 1805، الذي ضم بريطانيا والنمسا وروسيا والسويد، اضطر نابليون إلى التخلي عن خطته البحرية وتوجيه جيشه الضخم شرقاً لمواجهة القوات النمساوية والروسية المتقدمة.

وفي الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1805، وفيما كانت القوات البرية الفرنسية تحقق تقدماً سريعاً في وسط أوروبا، مُني الأسطولان الفرنسي والإسباني المشترك بهزيمة بحرية ساحقة على يد الأسطول البريطاني بقيادة الأدميرال هوراشيو نيلسون في معركة الطرف الأغر قبالة السواحل الإسبانية، وهي المعركة التي أرست الهيمنة البحرية البريطانية المطلقة طوال عقود طويلة لاحقة، رغم مقتل نيلسون نفسه في خضم المعركة. وفي المقابل، حقق نابليون على الأرض اليابسة أحد أعظم انتصاراته العسكرية على الإطلاق في الثاني من ديسمبر عام 1805، حين سحق الجيشين النمساوي والروسي المشترك في معركة أوسترليتز، المعروفة أيضاً بمعركة الأباطرة الثلاثة، وهو الانتصار الذي أرغم النمسا على توقيع صلح منفرد وأدى إلى تفكك الائتلاف الثالث بأكمله.

الائتلافان الرابع والخامس: ذروة الهيمنة الفرنسية

في يوليو من عام 1806 أسس نابليون الكونفدرالية الراينية من عدد كبير من الإمارات الألمانية الصغيرة، في خطوة أدت عملياً إلى إنهاء الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي استمرت قرابة ألف عام، وهو ما دفع بروسيا، القلقة من تنامي النفوذ الفرنسي على حدودها مباشرة، إلى الانضمام إلى الائتلاف الرابع المعادي لفرنسا رفقة روسيا وبريطانيا والسويد. غير أن الجيش البروسي، الذي ظل يعتمد على تكتيكات عسكرية متقادمة منذ عهد فريدريك الكبير، تعرض لهزيمة ساحقة وسريعة على يد القوات الفرنسية، الأمر الذي مكّن نابليون من احتلال برلين خلال أسابيع معدودة فقط.

وفي أعقاب هذا الانتصار، أصدر نابليون من برلين في نوفمبر 1806 مرسوم الحصار القاري، الذي حظر بموجبه على جميع الدول الأوروبية الخاضعة لنفوذه التجارة مع بريطانيا، في محاولة استراتيجية لخنق الاقتصاد البريطاني بعدما تعذّر عليه مواجهتها عسكرياً في عقر دارها البحرية. واستمر القتال ضد روسيا حتى انتهى بصلح تيلسيت في يوليو 1807، الذي عقد بموجبه نابليون والقيصر الروسي ألكسندر الأول تحالفاً مؤقتاً أعاد ترسيم حدود أوروبا الشرقية وأسس الدوقية الكبرى لوارسو من الأراضي البولندية المسلوبة من بروسيا.

وفي عام 1808، توجه نابليون لفرض سيطرته المباشرة على شبه الجزيرة الأيبيرية، فخلع الأسرة الملكية الإسبانية البوربونية ونصّب شقيقه جوزيف بونابرت ملكاً على إسبانيا، وهو ما أشعل تمرداً شعبياً واسع النطاق عُرف بحرب شبه الجزيرة، استمر القتال فيها حتى عام 1814 واستنزف موارد فرنسا العسكرية بشكل حاد عبر سنوات من حرب العصابات الإسبانية المدعومة بقوات بريطانية برية بقيادة آرثر ويلزلي، الذي عُرف لاحقاً بلقب دوق ولينغتون. وفي عام 1809 حاولت النمسا، مستغلة انشغال نابليون بالحرب الإسبانية، تشكيل الائتلاف الخامس ومواجهته من جديد، إلا أنها مُنيت بهزيمة أخرى عقب معركة فاغرام، رغم تكبّد القوات الفرنسية خسائر فادحة غير مسبوقة في معركة أسبرن-إيسلينغ التي سبقتها.

كارثة غزو روسيا عام 1812

شكّلت حملة غزو روسيا التي شنّها نابليون في صيف عام 1812 نقطة التحول الأكثر مأساوية في مسيرته العسكرية بأكملها؛ فبعدما تدهورت العلاقات الفرنسية الروسية تدريجياً عقب انسحاب موسكو الفعلي من الحصار القاري المفروض على التجارة البريطانية، قاد نابليون جيشاً ضخماً متعدد الجنسيات يُقدَّر قوامه بما يزيد على ستمئة ألف مقاتل، في أكبر قوة غزو عرفتها أوروبا حتى ذلك الحين.

غير أن القيادة الروسية، بدلاً من خوض معارك حاسمة مباشرة، انتهجت استراتيجية الانسحاب التدريجي مع تطبيق سياسة الأرض المحروقة، التي حرمت الجيش الفرنسي الزاحف من أي إمدادات أو مؤن محلية يمكن الاستيلاء عليها. وعلى الرغم من نجاح نابليون في احتلال موسكو في سبتمبر 1812 عقب معركة بورودينو الدامية، فإن إحراق المدينة الجزئي وانعدام أي عرض روسي للتفاوض على السلام اضطراه إلى الانسحاب من العاصمة في أكتوبر من العام ذاته، في خضم شتاء روسي قارس استثنائي القسوة. وقد تحوّل هذا الانسحاب إلى كارثة إنسانية وعسكرية شاملة، إذ تكبد الجيش الفرنسي خسائر هائلة جراء البرد القارس والجوع والمرض وهجمات قوات القوزاق المتلاحقة، حتى لم يتمكن من العودة إلى الأراضي الفرنسية سوى عدد ضئيل من أصل الجيش الضخم الذي انطلق في الحملة.

الائتلاف السادس وسقوط الإمبراطورية الفرنسية

استغلت بروسيا والنمسا والسويد، بالتحالف مع روسيا وبريطانيا، حالة الإنهاك الشديد التي أصابت الجيش الفرنسي عقب كارثة روسيا، فأعادت تشكيل صفوفها ضمن الائتلاف السادس بين عامي 1812 و1814. وفي الفترة بين السادس عشر والتاسع عشر من أكتوبر عام 1813، خاضت قوات نابليون مواجهة حاسمة في معركة الأمم قرب مدينة لايبزيغ الألمانية، وهي أكبر معركة شهدتها القارة الأوروبية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، انتهت بهزيمة فادحة لنابليون أرغمته على الانسحاب الكامل من الأراضي الألمانية والتراجع نحو فرنسا نفسها.

وبحلول مارس عام 1814، تمكنت قوات الائتلاف من دخول باريس نفسها، الأمر الذي اضطر نابليون إلى التنازل عن العرش في الحادي عشر من إبريل من العام ذاته، ونُفي بعدها إلى جزيرة إلبا الصغيرة قبالة الساحل الإيطالي، فيما أُعيدت الأسرة البوربونية إلى الحكم في فرنسا بشخص الملك لويس الثامن عشر.

الأيام المئة وواترلو

لم يستسلم نابليون لمصيره في المنفى طويلاً، إذ نجح في فبراير من عام 1815 في الفرار من جزيرة إلبا والعودة إلى فرنسا، حيث استقبلته الحاميات العسكرية بحماس متجدد، فاستعاد السيطرة على باريس دون إراقة دماء تُذكر، في فترة عُرفت تاريخياً بالأيام المئة، أعاد خلالها تشكيل جيشه استعداداً لمواجهة جديدة محتومة مع القوى الأوروبية المجتمعة.

شكّلت القوى الأوروبية المتحالفة الائتلاف السابع والأخير لمواجهة هذه العودة المفاجئة، وفي الثامن عشر من يونيو عام 1815، خاض نابليون معركته الأخيرة والحاسمة في واترلو، الواقعة جنوب بروكسل، أمام القوات البريطانية والهولندية والألمانية بقيادة دوق ولينغتون، التي انضم إليها في خضم المعركة الجيش البروسي بقيادة الفيلد مارشال غيبهارد فون بلوخر في توقيت حاسم. وقد انتهت هذه المعركة بهزيمة فرنسية ساحقة وضعت حداً نهائياً لطموحات نابليون الإمبراطورية إلى الأبد، فتنازل عن العرش للمرة الثانية في الثاني والعشرين من يونيو عام 1815، وسلّم نفسه للبحرية البريطانية في منتصف يوليو من العام ذاته، ليُنفى نفياً دائماً إلى جزيرة سانت هيلانة النائية في جنوب المحيط الأطلسي، حيث أمضى ما تبقى من حياته إلى أن توفي عام 1821.

النتائج والإرث التاريخي

أفضت معاهدة باريس الثانية، الموقعة في العشرين من نوفمبر عام 1815، إلى إنهاء رسمي لحروب نابليون، فيما تولّى مؤتمر فيينا، الذي انعقد بين عامي 1814 و1815، مهمة إعادة رسم خريطة أوروبا السياسية بأكملها، وأرسى نظاماً جديداً لموازين القوى عُرف بنظام الكونسرت الأوروبي، استهدف الحيلولة دون عودة أي قوة منفردة إلى الهيمنة على القارة على غرار ما فعلته فرنسا النابليونية.

ومن الناحية الاستراتيجية، خرجت بريطانيا من هذه الحروب الطويلة قوة بحرية واقتصادية لا تُضاهى، إذ توسعت إمبراطوريتها الاستعمارية بشكل كبير، فضمت إليها عشرين مستعمرة جديدة بين عامي 1793 و1815، من بينها توباغو وموريشيوس ومالطا وسانت لوسيا ومستعمرة الرأس، لتدخل بذلك ما عُرف بعصر السلام البريطاني الذي ساد طوال القرن التالي تقريباً. وقد بلغت تكلفة هذه الحروب على الخزانة البريطانية وحدها ما يزيد على مليار وستمئة وخمسين مليون جنيه إسترليني، وهو ما تطلّب توسيعاً غير مسبوق للجيش البريطاني الذي تضاعف حجمه أكثر من ست مرات، والبحرية الملكية التي ارتفع عدد أفرادها من ستة عشر ألفاً إلى ما يزيد على مئة وأربعين ألف بحار بحلول نهاية هذه الحقبة.

ومن الناحية السياسية والاجتماعية الأوسع، خلّفت حروب نابليون أثراً عميقاً ودائماً على البنية الفكرية والقانونية لأوروبا بأكملها، إذ تركت معظم الأقاليم التي خضعت ولو لفترة وجيزة للنفوذ الفرنسي بصمات راسخة من القانون المدني النابليوني الذي قنّن مبادئ المساواة أمام القانون وإلغاء الإقطاع وتقييد سلطة الكنيسة الكاثوليكية المطلقة، فضلاً عن انتشار الأفكار القومية والليبرالية التي ستشكّل لاحقاً الدافع الرئيسي وراء حركتي توحيد ألمانيا وإيطاليا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أسهمت هذه الحروب، عبر إضعافها الحاد لقبضة إسبانيا والبرتغال على مستعمراتهما، في تأجيج حركات الاستقلال التي اجتاحت أمريكا اللاتينية في العقود اللاحقة مباشرة، لتؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية في القارة الأمريكية بأكملها.

لا يملك المرء سوى وقت محدود للحرب. سأكون صالحاً لها ست سنوات أخرى، وبعدها حتى أنا سأضطر للتوقف.
— نابليون بونابرت، الإمبراطور الفرنسي، 1805