الماغنا كارتا، أو “الميثاق الأعظم”، وثيقة تحدد الحريات السياسية الإنجليزية، صيغت في مروج رونيميد على ضفاف نهر التايمز ووقّعها الملك جون ملك إنجلترا في الخامس عشر من حزيران/يونيو عام ١٢١٥ تحت ضغط من نبلائه المتمردين عليه. وبإعلانها خضوع الملك نفسه لسيادة القانون، وتوثيقها الحريات التي يتمتع بها “الأحرار” من الرعية، أرست هذه الوثيقة أساساً جوهرياً لمفهوم الحقوق الفردية في التقاليد القانونية الأنغلو-أمريكية اللاحقة. ورغم أن الميثاق الأصلي كان في جوهره اتفاق سلام محدد الظروف بين ملك ونبلائه أكثر منه إعلاناً تقدمياً بالمعنى الحديث، فقد تحول عبر القرون إلى حجر أساس رمزي لفكرة حكم القانون وتقييد السلطة المطلقة، واستمر تأثيره حاضراً في الدساتير والتقاليد القانونية حتى يومنا هذا.

معلومات عامة
التاريخ ١٥ حزيران (يونيو) ١٢١٥، مع إعادة إصدار لاحقة
الموقع رونيميد، على ضفاف نهر التايمز، إنجلترا
الطبيعة ميثاق حريات / معاهدة سلام بين الملك والنبلاء
عدد البنود ٦٣ بنداً في النسخة الأصلية
اللغة الأصلية اللاتينية
الأطراف
الملك الموقّع جون ملك إنجلترا
الطرف الآخر النبلاء الإنجليز المتمردون (البارونات)
وسيط بارز ستيفن لانغتون، رئيس أساقفة كانتربري
إعادات الإصدار اللاحقة
إعادات الإصدار ١٢١٦، ١٢١٧، ١٢٢٥، ١٢٩٧
تحول محوري دخولها سجلات القوانين الرسمية عام ١٢٩٧
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية: أزمة حكم الملك جون

تميز عهد الملك جون (١١٩٩-١٢١٦) بسلسلة من الإخفاقات السياسية والعسكرية أثارت سخط طبقة النبلاء الإقطاعيين ورجال الكنيسة على حد سواء، إذ خسر الملك دوقية نورماندي لصالح ملك فرنسا، وفرض ضرائب باهظة على النبلاء لتمويل مغامراته العسكرية الخارجية الفاشلة، ودخل في نزاع حاد مع البابا إنوسنت الثالث بلغ حد بيع مناصب كنسية لسد عجز الخزانة الملكية. وبعد خوضه حرباً كارثية أخرى في فرنسا، أقسم كبار النبلاء الإنجليز سراً على إجباره على احترام حقوق رعاياه، وتقدموا إليه عند عودته بسلسلة من المطالب المحددة.

اجتماع رونيميد وتوقيع الميثاق

حين حاول الملك جون تجنب الإذعان لمطالب النبلاء، تخلوا عن ولائهم له وزحفوا نحوه في أيار/مايو ١٢١٥ واستولوا على لندن، ما ترك الملك عاجزاً عن مقاومتهم عسكرياً واضطره للقاء النبلاء والأساقفة في مروج رونيميد على ضفاف نهر التايمز. وهناك، أقر الملك جون بختمه “مواد البارونات” في العاشر من حزيران/يونيو، ثم وضع ختمه الرسمي على الصيغة النهائية للميثاق في الخامس عشر من حزيران/يونيو ١٢١٥، قبل أن يخضع النص لتعديلات إضافية طفيفة اكتملت في التاسع عشر من الشهر نفسه، حين جدد النبلاء بدورهم قسم الولاء للملك.

لن نبيع لأحد، ولن ننكر أو نؤخر عن أحد، حقه أو عدالته.
— أحد البنود الجوهرية للماغنا كارتا، النسخة الأصلية لعام ١٢١٥

محتوى الوثيقة وأبرز بنودها

احتوت النسخة الأصلية من الماغنا كارتا على ثلاثة وستين بنداً، تناول معظمها حقوق وواجبات إقطاعية محددة ذات طابع عملي مباشر يخص طبقة النبلاء تحديداً، لكنها تضمنت أيضاً بنوداً أوسع نطاقاً تحمي حرية الكنيسة، وحقوق التجار وسكان المدن، وحقوق النساء والأطفال في وراثة الممتلكات، فضلاً عن مبدأ عدم معاقبة أي شخص على جريمة إلا بعد إدانة قانونية سليمة. ومن أبرز بنودها تكليف النبلاء باختيار خمسة وعشرين ممثلاً عنهم يتولون مهمة “الضمان” لصون الحقوق والحريات التي عددتها الوثيقة، فضلاً عن منح البارونات، في الصيغة الأصلية، حق إعلان الحرب على الملك نفسه إذا أخلّ بالتزاماته المنصوص عليها في الميثاق.

الإلغاء السريع وإعادة الإصدار المتكررة

لم يدم مفعول النسخة الأصلية للماغنا كارتا طويلاً، إذ سرعان ما لجأ الملك جون إلى البابا إنوسنت الثالث الذي أبطل الميثاق بحجة أنه انتُزع من الملك بالإكراه، ما أشعل حرباً أهلية قصيرة استمرت حتى وفاة جون في العام التالي. وسعياً لكسب تأييد رعايا الملك الجديد هنري الثالث، البالغ من العمر تسع سنوات فقط عند توليه الحكم، أعاد الوصيّان على العرش إصدار الميثاق عام ١٢١٧، ثم أعاد هنري نفسه إصداره عام ١٢٢٥ عند توليه الحكم الفعلي، وإن جاءت هاتان النسختان أقل شمولاً من الأصل، إذ حذفتا بعض البنود، ومنها الفقرة الخاصة بمجلس الضمان المكوّن من خمسة وعشرين بارونا.

تحول ١٢٩٧: من معاهدة إلى قانون راسخ

شكّل عام ١٢٩٧ محطة محورية في تاريخ الماغنا كارتا، إذ أدت حاجة الملك إدوارد الأول لفرض ضرائب جديدة وأكثر قسوة لتغطية ديون حروبه الخارجية إلى مواجهة جديدة مع النبلاء، انتهت بإعادة إصدار الميثاق ودخوله للمرة الأولى في سجلات القوانين الرسمية لإنجلترا، ما حوّله من مجرد اتفاق مبرم بين الملك ونبلائه إلى أساس راسخ للقانون الإنجليزي نفسه. ولا تزال أربع نسخ أصلية فقط من ماغنا كارتا عام ١٢٩٧ محفوظة حتى اليوم حول العالم، من بينها نسخة معروضة بصورة دائمة في الأرشيف الوطني الأمريكي في واشنطن، إهداءً من رجل الأعمال ديفيد روبنستين.

الإرث: من إنجلترا إلى الدستور الأمريكي

تجاوز تأثير الماغنا كارتا حدود إنجلترا وتاريخها المحلي، إذ استلهم الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية مبادئها بصورة مباشرة عند صياغة إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي ولائحة الحقوق، ولا سيما مبدأ ضمان “الإجراءات القانونية الواجبة” وحرية الفرد من الاعتقال التعسفي والمحاكمة أمام هيئة محلفين من الأقران. ويُعدّ التعديل الخامس للدستور الأمريكي، الذي ينص على عدم جواز حرمان أي شخص من حياته أو حريته أو ممتلكاته دون إجراءات قانونية واجبة، امتداداً مباشراً لضمان “قانون البلاد” الذي نصت عليه الماغنا كارتا قبل أكثر من خمسة قرون. وبذلك تحولت وثيقة نشأت أصلاً كتسوية سياسية ظرفية بين ملك متعثر ونبلائه الساخطين إلى أحد أهم المراجع الرمزية لمفهوم حكم القانون وتقييد السلطة المطلقة في التقاليد الدستورية الغربية الحديثة.