جامعةُ الدول العربية — أو League of Arab States بالإنجليزية، وتُعرف اختصاراً بـ«الجامعة العربية» — هي المنظمةُ الإقليمية الأولى التي جمعت الدولَ العربية تحت سقفٍ مؤسسي واحد في تاريخها الحديث، وتأسّست في القاهرة في الثاني والعشرين من مارس/ آذار عام 1945م بتوقيع سبعٍ من الدول العربية المستقلة على ميثاقها التأسيسي. وقد جاء هذا التأسيسُ ثمرةً لمسيرةٍ من المشاورات والتفاوضات الدبلوماسية استغرقت ما يزيد على عامَين، وجاءت في سياقٍ دولي بالغ الحساسية، تزامنت فيه نهاياتُ الحرب العالمية الثانية مع مخاض الاستقلالات الوطنية العربية المتتالية ومع الضغوط الصهيونية المتصاعدة على الأرض الفلسطينية. وقد مثّل هذا التأسيسُ تجسيداً مؤسسياً لحلمٍ قومي عربي تشكّلت إرهاصاتُه منذ أواخر القرن التاسع عشر في رحم النهضة الأدبية والفكرية العربية.
انطلق المشروعُ التأسيسي للجامعة من لقاءاتٍ دبلوماسية متسلسلة جمعت قيادات عربية بارزة كرئيس وزراء مصر مصطفى النحاس باشا ونظيره العراقي نوري السعيد والسوري سعد الله الجابري، وكان خلفه دوافعُ متشعّبة تجمع بين الوعي القومي العربي وطموحات القوى الإقليمية الكبرى ومحاولة التصدّي للمشروع الصهيوني في فلسطين، فضلاً عن دورٍ بريطاني خفيّ لم يخلُ من الجدل في رعاية هذه المنظمة وتشجيعها. وقد التأمت اللجنةُ التحضيرية للمؤتمر العربي العام في الإسكندرية في أواخر سبتمبر 1944م لتُفضي اجتماعاتُها إلى إعلان بروتوكول الإسكندرية في السابع من أكتوبر من العام ذاته، قبل أن يتشكّل الميثاقُ الرسمي للجامعة في جلسات تفاوضية مديدة انتهت بالتوقيع في قصر الزعفران بالقاهرة في مارس 1945م.
وقد جاء الميثاقُ التأسيسي للجامعة حلاً وسطاً دقيقاً بين رؤيتَين متنازعتَين: رؤية الوحدة العربية الشاملة التي دعا إليها بعضُ القادة وكانت تستلزم التنازل عن جانبٍ من السيادة الوطنية، ورؤية التعاون المحدود بين الدول المستقلة التي تحفّظ عليها آخرون حرصاً على سيادتها الوطنية الكاملة. وقد انحاز الميثاقُ في نهاية المطاف إلى النموذج الثاني القائم على التنسيق والتعاون الطوعي دون الإلزامية الفوقية، مما جعل من الجامعة منذ نشأتها منظمةً إقليميةً تحتفظ فيها الدول الأعضاء بسيادتها الكاملة وتلتزم بقراراتها وفق آليةٍ تصويتية لا تُلزم المعترضين. وبين مؤيّدي هذا النموذج المرنِ ومنتقديه الذين رأوا فيه إجهاضاً للحلم الوحدوي الأكبر، تمتدّ مسيرةُ الجامعة العربية حتى اليوم.
| معلومات عامة | ||
| الاسم الرسمي | جامعة الدول العربية (League of Arab States) | |
| تاريخ التأسيس | 22 مارس / آذار 1945م | |
| مكان التأسيس | قصر الزعفران، القاهرة، مصر | |
| المقر الرئيسي | القاهرة، مصر (تونس بين 1979 و1990م) | |
| عدد الأعضاء المؤسّسين | سبع دول: مصر، العراق، الأردن (شرق الأردن)، لبنان، السعودية، سوريا، اليمن | |
| عدد الأعضاء الحاليين | 22 دولة عضو (2024م) | |
| المراحل التمهيدية | ||
| فكرة نوري السعيد (الكتاب الأزرق) | 1942م — مشروع الهلال الخصيب | |
| مبادرة النحاس باشا | مارس 1943م — إعلان السعي لمؤتمر عربي | |
| المشاورات الثنائية والجماعية | سبتمبر 1943م – يوليو 1944م | |
| اللجنة التحضيرية بالإسكندرية | 25 سبتمبر – 7 أكتوبر 1944م | |
| بروتوكول الإسكندرية | 7 أكتوبر 1944م | |
| اللجنة السياسية الفرعية | 17 فبراير – 3 مارس 1945م (القاهرة) | |
| توقيع الميثاق | 22 مارس 1945م (قصر الزعفران) | |
| الشخصيات المؤسِّسة | ||
| مصر | مصطفى النحاس باشا (رئيس الوزراء، الداعي الرئيسي للمشروع) | |
| العراق | نوري السعيد (رئيس الوزراء السابق، صاحب فكرة الهلال الخصيب) | |
| سوريا | سعد الله الجابري (رئيس الوزراء) | |
| لبنان | رياض الصلح (رئيس الوزراء) | |
| الأردن (شرق الأردن) | توفيق أبو الهدى (رئيس الوزراء) | |
| أول أمين عام | عبد الرحمن عزام باشا (مصر) — 1945–1952م | |
| الهيكل المؤسسي وفق الميثاق | ||
| مجلس الجامعة | صوت واحد لكل دولة — القرارات تُلزم الموافقين فقط | |
| اللجان المتخصصة | اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، قانونية، أمنية | |
| الأمانة العامة | الجهاز التنفيذي الدائم للجامعة | |
| الجلسات الدورية | مرتَين سنوياً أو عند طلب دولتَين | |
| التوسع في العضوية | ||
| ليبيا | 1953م | |
| السودان | 1956م | |
| المغرب وتونس | 1958م | |
| الكويت | 1961م | |
| منظمة التحرير الفلسطينية | 1976م | |
أولاً: جذور فكرة الوحدة العربية والسياق التاريخي للتأسيس
لا يمكن فهمُ تأسيس جامعة الدول العربية بمعزلٍ عن التربة الفكرية والسياسية التي أنبتته، وهي تربةٌ تمتدّ جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر حين أشعلت النهضةُ الأدبية العربية جذوةَ الوعي القومي في المنطقة العربية. فقد ظهر في تلك الحقبة مفكّرون عرب كبطرس البستاني وناصيف اليازجي في بلاد الشام، وأحمد فارس الشدياق في لبنان، وقبلهم عبد الرحمن الجبرتي في مصر، يؤسّسون بكتاباتهم ومعاجمهم وصحفهم وعياً بالهوية العربية المشتركة المبنية على اللغة والتاريخ والحضارة. ثم تطوّرت هذه الفكرةُ الثقافية تدريجياً نحو بُعدها السياسي مع ظهور الحركات القومية العربية التي جعلت من تحرّر العرب من السيطرة العثمانية ثم الاستعمارية الأوروبية هدفَها الجامع.
وفي مرحلة ما بين الحربَين العالميتَين، ازداد الوعيُ القومي العربي عمقاً وتنظيماً في مواجهة التحديَين المزدوجَين: الاستعمار الأوروبي المباشر (الفرنسي في سوريا ولبنان، والبريطاني في العراق وفلسطين ومصر والأردن) من ناحية، والمشروع الصهيوني المتصاعد في فلسطين من ناحية أخرى. وقد نشأت في مصر وحدها خلال تلك الحقبة جمعياتٌ متعددة تدعو إلى الوحدة العربية منها الرابطةُ الشرقية عام 1929م وجمعية الوحدة العربية عام 1930م والاتحاد العربي عام 1933م. كما انتشرت الأحزابُ القومية في المشرق العربي وبلاد الشام ولا سيّما حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق، وحركة القوميين العرب في لبنان، والحزبُ الوطني في مصر.
وكان السياقُ الدولي في مرحلة الحرب العالمية الثانية يُضخّم هذه الدعوات ويمنحها أرضيةً للتحقق؛ إذ كانت بريطانيا بحاجةٍ إلى دعم العرب في حربها ضد المحور، وكانت ترى في منظمةٍ عربية إقليمية تحت مظلّتها أداةً لتنظيم هذا الدعم وإدامته، بينما رأى العربُ في الحرب فرصةً لانتزاع التزاماتٍ بريطانية بالاستقلال والوحدة. وقد لخّص الأمير عبد الله بن الحسين ملكُ الأردن لاحقاً هذه المعادلة المركّبة بقوله المأثور: «الجامعة العربية صوتٌ فاه به نوري السعيد، وتلقّفه مصطفى النحاس، وأيّده إيدن»، في إشارةٍ إلى وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن الذي أعلن في يناير 1941م دعمَ بريطانيا لأي مشروعٍ وحدوي عربي يحظى بقبولٍ عربي واسع.
ثانياً: المشاريع الوحدوية المتنافسة وتشكّل الفكرة
لم تسر الفكرةُ الوحدوية العربية في خطٍّ واحد مستقيم نحو تأسيس جامعة الدول العربية، بل كانت تتنافس عليها مشاريعُ ورؤى متعددة ومتباينة، يعكس تبايُنها طبيعةَ التنافسات الإقليمية والتوازنات القائمة بين القوى العربية الكبرى في تلك الحقبة. فقد طرح رئيسُ وزراء العراق نوري السعيد عام 1942م مشروعَه المعروف بـ«الكتاب الأزرق» أو مشروع «الهلال الخصيب»، الذي كان يدعو إلى توحيد سوريا ولبنان وفلسطين والأردن في كيانٍ واحد تنضمّ إليه لاحقاً دولٌ عربية أخرى، مع إيجاد مجلسٍ للعرب تكون العراق والكيانُ الموحّد المُقترح أعضاءً فيه.
وإلى جانب مشروع نوري السعيد، كان الأميرُ عبد الله بن الحسين حاكمُ شرق الأردن يروّج لمشروعٍ مختلف عُرف بـ«سوريا الكبرى»، يهدف إلى توحيد الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان في مملكةٍ واحدة تحت التاج الهاشمي. وقد كانت هذه المشاريع الوحدوية الهاشمية تُقلق المملكةَ العربية السعودية بشدّة؛ إذ رأت في توسّع النفوذ الهاشمي تهديداً مباشراً لمكانتها في المنظومة العربية. وقد أسهم هذا القلقُ السعودي تحديداً في انحياز الرياض نحو النموذج الأكثر توازناً الذي يضمن المساواةَ بين الدول دون أن يُتيح لأيٍّ منها الهيمنة على الأخرى.
أما مصر، فقد كانت موقفُها من الوحدة العربية في البداية أقلَّ حماساً مما قد يُظنّ؛ إذ كان كثيرٌ من نخبتها السياسية يرون أنّ مصر دولةٌ متميّزة بهويّتها المصرية الفرعونية-الإسلامية ولا تحتاج إلى إذابة هذه الهوية في بوتقةٍ عروبية شاملة. غير أنّ تطوّر الأحداث أقنع رئيسَ الوزراء مصطفى النحاس باشا بأنّ الانحياز لمشروع جامعة الدول العربية سيُعزّز مكانةَ مصر قيادياً في الإقليم لا أن يُضعفها، فأطلق في مارس 1943م من مجلس الشيوخ المصري نداءَه الشهير للحكومات العربية بانعقاد مؤتمر لبحث التعاون العربي، وشرع في إجراء مشاوراتٍ ثنائية مُنظّمة مع قيادات سوريا ولبنان والأردن والعراق والسعودية واليمن وفلسطين.
ثالثاً: المشاورات التمهيدية والدور البريطاني
شكّلت المشاوراتُ الثنائية والجماعية التي أجراها مصطفى النحاس مع قادة الدول العربية بين أواخر عام 1943م ومنتصف عام 1944م الجسرَ الحقيقي نحو التأسيس. وقد زار مجلسَه في القاهرة كلٌّ من رئيس الوزراء السوري جميل مردم، والرئيسُ اللبناني بشارة الخوري، وعددٌ من القادة الأردنيين والعراقيين والسعوديين، وعُقدت لقاءاتٌ موازية في عواصم عربية متعددة. وقد كشفت هذه المشاوراتُ عن ثلاثة تيّاراتٍ رئيسية متنازعة: تيارُ الوحدة الشاملة مع سلطة تنفيذية مركزية عابرة للحدود، وتيارُ الوحدة الإقليمية الجزئية (الهلال الخصيب أو سوريا الكبرى)، وتيارُ التعاون المرن بين دولٍ ذات سيادة مستقلة.
أما الدورُ البريطاني في تأسيس جامعة الدول العربية فقد أثار جدلاً أكاديمياً وسياسياً كبيراً لم ينتهِ حتى اليوم؛ فقد أعلن وزيرُ الخارجية البريطاني أنتوني إيدن في بيانٍ علني في يناير 1941م تأييدَ بلاده «لأي حركةٍ بين العرب لتعزيز الوحدة الاقتصادية والثقافية والسياسية»، مما يكشف عن اهتمامٍ بريطاني مُبكّر بفكرة التجمّع العربي. وقد رأى بعض المحللين أنّ بريطانيا كانت تسعى من خلال منظمةٍ عربية موالية إلى تثبيت نفوذها في منطقةٍ هي التي طوّلت الانتداب عليها، وربطها بمنظومتها الاستراتيجية في مواجهة النفوذ الفرنسي والأمريكي والسوفيتي المتصاعد. ولم يكن هذا يخفى على أمين الجامعة الأول عبد الرحمن عزام باشا الذي عُزيت إليه عبارة مشهورة تُشير صراحةً إلى الدور البريطاني في صياغة الميثاق.
«الجامعة العربية صوتٌ فاه به نوري السعيد، وتلقّفه مصطفى النحاس، وأيّده إيدن.»
— الأمير عبد الله بن الحسين، مذكراته الملكية، مُنتصف القرن العشرين
رابعاً: اجتماعات الإسكندرية وبروتوكول أكتوبر 1944م
في الخامس والعشرين من سبتمبر/ أيلول 1944م، التأمت اللجنةُ التحضيرية للمؤتمر العربي العام في قصر أنطونيادس التاريخي بمدينة الإسكندرية، وهو قصرٌ بنته أسرة محمد علي في قلب حدائق عريقة يعود تاريخها إلى عصر البطالمة، وحضرت الاجتماعاتِ وفودٌ من مصر والعراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن إضافةً إلى مراقبَين من السعودية واليمن وممثّلٍ عن فلسطين العربية. وقد استمرّت الاجتماعاتُ اثني عشر يوماً كاملاً امتلأت بالنقاشات العميقة والتوترات الحادة حول الشكل الأمثل للتنظيم العربي المنشود.
وفي هذه الاجتماعات، طرح نوري السعيد على المجتمعين اختياراً بين بديلَين: إمّا مجلسُ اتحاد ذو سلطةٍ تنفيذية إلزامية تعلو حكوماتِ الدول الأعضاء، وإمّا مجلسُ اتحاد لا تلتزم بقراراته إلا الدولُ التي صوّتت لصالحها. وقد أفضت النقاشاتُ بعد ثماني جلساتٍ أساسية إلى استبعاد فكرة السلطة العليا ومشروعَي سوريا الكبرى والهلال الخصيب، وانحصر التوافقُ حول الخيار الثاني الأكثر مرونةً الذي يحترم سيادة كل دولة، إدراكاً من المجتمعين أنّ أيّ قرارٍ يفرض تنازلاً عن السيادة الوطنية لن يحظى بقبولٍ كافٍ. وفي السابع من أكتوبر 1944م، أُعلن «بروتوكول الإسكندرية» الذي وقّعه رؤساء وفود مصر والعراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن، وأجّلت السعودية واليمن توقيعَهما إلى أن اطّلع عليه ملكُ السعودية عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى حميد في اليمن.
وقد تضمّن بروتوكولُ الإسكندرية المبادئَ التأسيسية الرئيسية للجامعة: قيامُ جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التي تقبل الانضمام إليها على قدم المساواة، وإنشاءُ مجلسٍ لتمثيل الدول الأعضاء، وانعقادُ الجلسات العادية مرتَين في العام مع إمكانية الاجتماع الاستثنائي، وعدمُ إلزامية قرارات مجلس الجامعة إلا للدول التي صادقت عليها، وتضمينُ الميثاق ملحقاً خاصاً بفلسطين. كما حرص البروتوكولُ على أن تكون الجامعة منفتحةً على أي دولةٍ عربية مستقلة ليست من الأعضاء المؤسّسين تريد الانضمام لاحقاً.
خامساً: إعداد الميثاق النهائي وتوقيعه في مارس 1945م
عقب إعلان بروتوكول الإسكندرية، شرعت «اللجنةُ السياسية الفرعية» التي أوصى بها البروتوكول في عملها للتحويل التفصيلي لمبادئ البروتوكول إلى نصٍّ قانوني مُلزم. وقد اجتمعت اللجنةُ في مقرّ وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة في ستة عشر جلسةً متتالية بين السابع عشر من فبراير والثالث من مارس 1945م، انتهت فيها إلى صياغةٍ نهائية لميثاق جامعة الدول العربية المؤلّف من عشرين مادة رئيسية وثلاثة ملاحق. وقد اتّسمت المفاوضاتُ في هذه الجلسات بدقّةٍ قانونية ودبلوماسية بالغة في صياغة المواد المتعلقة بآلية التصويت وحلّ النزاعات والعلاقة بين أجهزة الجامعة.
وجاءت ليلةُ توقيع الميثاق محفوفةً بظروفٍ درامية طريفة رواها شهودُ العيان وتناقلتها المصادر التاريخية؛ إذ كانت الصيغةُ النهائية للميثاق قد أُرسلت في المساء إلى الخطّاطين لتحريرها بالخط العربي الجميل، فأُخّر التوقيعُ إلى ما بعد منتصف الليل حتى فرغ الخطّاطون من عملهم. وكان الملكُ عبد الله بن الحسين قد انسحب إلى غرفته منهكاً، فأيقظه الملكُ فاروق في عزّ الليل طارقاً بابه ليحصل على توقيعه، وأُفيد بأنّ عبد الله أجاب بصوتٍ متعجّب من وراء الباب: «من؟ أرجو ألا تكون الأمور سيئة»، فردّ فاروق: «أنا فاروق، جئنا لكيما يوقّع جلالتُك». وفي ساعاتٍ متأخرة من فجر ذلك اليوم التاريخي، جلس الملوك والرؤساء يُدوّنون توقيعاتهم على الميثاق.
وفي الثاني والعشرين من مارس 1945م، أُعلن في قصر الزعفران بالقاهرة رسمياً عن توقيع ميثاق جامعة الدول العربية من قِبَل وفود العراق وشرق الأردن وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين، فيما انتظرت السعودية واليمن توقيعَ ميثاقَيهما ليُصبح مجموعُ الموقّعين سبعَ دول. وقد صادق مجلسُ الجامعة على تعيين عبد الرحمن عزام باشا، المدير بوزارة الخارجية المصرية، أوّلَ أمين عام للجامعة لمدة عامَين قابلة للتجديد. وغدا الثاني والعشرون من مارس يوماً رسمياً للاحتفال السنوي بذكرى تأسيس جامعة الدول العربية.
سادساً: الهيكل المؤسسي للجامعة وفق الميثاق التأسيسي
رسم الميثاقُ التأسيسي للجامعة هيكلاً مؤسسياً ثلاثيَّ المستويات يجمع بين أجهزةٍ تمثيلية وتنفيذية وتخصصية. وعلى رأس هذا الهيكل يقف مجلسُ الجامعة الذي يتألّف من ممثّلي جميع الدول الأعضاء بصوتٍ واحد لكلٍّ منها بصرف النظر عن حجمها أو قوّتها أو ثروتها، وهو مبدأٌ راسخ يعكس فلسفة المساواة في السيادة التي اشترطتها معظمُ الدول الصغيرة. وتنعقد جلساتُ المجلس بصفةٍ دورية مرتَين في العام في مارس وسبتمبر، مع إمكانية الانعقاد الاستثنائي بطلبٍ من دولتَين على الأقل في حالات الطوارئ. وقد كان إشكالٌ جوهري يُلازم هذا المجلس منذ نشأته: لا تُلزم قراراتُه في المسائل غير الإجماعية إلا الدولَ التي أيّدتها.
وإلى جانب مجلس الجامعة الرئيسي، أنشأ الميثاقُ لجانٍ تخصصية متعددة في المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية والاجتماعية والصحية والاتصالات، وهي لجانٌ تقنية تعمل بشكلٍ موازٍ ومتكامل مع المجلس وتُعدّ توصياتها المتخصصة التي يُقرّها المجلس. كما تضمّن الهيكلُ المؤسسي الأمانةَ العامة بوصفها الجهازَ التنفيذي الدائم للجامعة التي تُدير شؤونها اليومية وترعى عملَ اللجان وتتولّى تنفيذ قرارات المجلس. وتتمتّع الأمانةُ العامة بشخصيةٍ قانونية دولية مستقلة، ويحظى موظّفوها الدوليون بالحصانة الدبلوماسية على غرار موظّفي الأمم المتحدة.
وتضمّن الميثاقُ التأسيسي ثلاثةَ ملاحق جوهرية: الأول يتعلق بفلسطين التي يُمثّلها مفوّضٌ يُعيّنه مجلس الجامعة نيابةً عن الشعب الفلسطيني حتى تنال استقلالها، والثاني يتعلق بالتعاون مع الدول العربية غير المستقلة التي لا تحضر مجلس الجامعة مباشرةً، والثالث والأهم يتعلق بتعيين عبد الرحمن عزام باشا أول أمينٍ عام للجامعة. وقد كان الملحقُ الفلسطيني ذا دلالةٍ خاصة إذ أقرّ الدولَ العربية بمسؤوليتها الجماعية تجاه القضية الفلسطينية منذ اللحظة التأسيسية الأولى.
سابعاً: مبادئ ميثاق الجامعة وأهدافه المُعلنة
جاء ميثاقُ جامعة الدول العربية في عشرين مادةً تُؤسّس لمنظومةٍ قانونية إقليمية قائمة على مبادئ تنسيقيةٍ لا تكاملية. فنصّت مقدّمتُه على أنّ الغاية من إنشاء الجامعة هي «تمتين العلاقات وتوثيق الصلات بين الدول الأعضاء، وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها، وصون استقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها». وهي غايةٌ تجمع بين التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي والثقافي دون أن تمسَّ السيادةَ الوطنية لأي عضو. وحدّد الميثاقُ مجالاتِ التعاون في الشؤون الاقتصادية والمالية، والأمور الاجتماعية، والصحة، والاتصالات، والمواصلات، والشؤون الثقافية، والجنسية وجوازات السفر والتأشيرات.
وعلى صعيد فضّ النزاعات بين الدول الأعضاء، نصّت المادةُ الخامسة من الميثاق على أنه «لا يجوز الالتجاء إلى القوة لفض النزاعات بين دولتَين أو أكثر من دول الجامعة، فإذا نشب بينها خلافٌ لا يتعلق باستقلال الدولة أو سيادتها أو سلامة أراضيها وطلب المتنازعون من المجلس فصلَه فعليه أن يتحكّم». وقد مثّلت هذه المادةُ آليةً سلمية للتعامل مع النزاعات البينية، وإن عجز المجلسُ في أحيانٍ كثيرة عن تطبيقها فعلياً بسبب الانقسامات بين الأعضاء.
كما نصّت المادة السادسة على أنه في حال وقوع عدوانٍ مسلح على إحدى الدول الأعضاء أو تهديدها بذلك، يحقّ للدولة المعتدى عليها أن تطلب انعقادَ المجلس فوراً وبصفة عاجلة، الذي يتّخذ بإجماع الحاضرين القراراتِ اللازمة للتعامل مع العدوان. وقد جرى تعزيزُ هذا البُعد الأمني لاحقاً بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي الموقَّعة في الثالث عشر من أبريل 1950م التي أكّدت على مبدأ الأمن الجماعي في مواجهة أي عدوانٍ خارجي على دولةٍ عضو.
ثامناً: أول اختبار كبير — فلسطين وحرب 1948م
لم تكد أحبارُ الميثاق تجفّ حتى وجدت جامعةُ الدول العربية نفسَها أمام أول اختبارٍ كبير وأصعبها: مسألة فلسطين. فحين صدر قرارُ التقسيم الأممي رقم 181 في نوفمبر 1947م، رفضت جامعةُ الدول العربية القرارَ رفضاً جماعياً مؤكّدةً أنّه يُمثّل انتهاكاً صارخاً لحقوق الشعب الفلسطيني العربي. وحين أُعلن قيامُ دولة إسرائيل في مايو 1948م، قرّر خمسةٌ من أعضاء الجامعة المؤسّسين — مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان — الدخولَ العسكري إلى فلسطين في الخامس عشر من مايو 1948م في أول تدخّلٍ عسكري جماعي لأعضاء الجامعة.
غير أنّ هذا التدخّلَ العسكري كشف منذ البداية عن الخلل البنيوي الجوهري في منظومة الجامعة؛ إذ دخلت الجيوشُ العربية الحربَ دون تنسيقٍ عسكري فعّال ودون قيادةٍ موحدة حقيقية، وظلّت كلٌّ منها تعمل وفق أجندتها الوطنية الخاصة أكثر من انسجامها في منظومةٍ دفاعية مشتركة. وقد أسفر ذلك عن هزيمةٍ عربية موجعة انتهت باتفاقيات الهدنة عام 1949م التي رسّخت نتائجَ ما باتت تُعرف بالنكبة الفلسطينية. وقد ظلّ هذا الفشلُ الأول ظلّه المؤلم يُلاحق الجامعة في وعيها الجمعي، وكان المحرّكَ الأساسي لمعاهدة الدفاع المشترك التي أُبرمت عام 1950م في محاولةٍ لسدّ الثغرات التي كشفتها حرب 1948م.
تاسعاً: التوسّع في العضوية والتطوّر المؤسسي
انطلقت الجامعةُ بسبعة أعضاء مؤسّسين، غير أنّها توسّعت بمرور السنوات لتضمَّ بحلول نهاية القرن العشرين اثنتَين وعشرين دولةً عضواً، انضمّ معظمُها تدريجياً فور نيلها استقلالَها من السيطرة الاستعمارية. فانضمّت ليبيا عام 1953م، والسودان عام 1956م، والمغرب وتونس عام 1958م، والكويت عام 1961م، والجزائر عام 1962م، ثم البحرين وعُمان وقطر والإمارات عام 1971م عقب رحيل الوجود البريطاني عن الخليج. وفي عام 1976م، مُنحت منظمةُ التحرير الفلسطينية عضويةً كاملة في الجامعة بوصفها الممثّلَ الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
وعلى الصعيد المؤسسي، شهدت الجامعةُ أزمةً وجودية كبرى حين قرّر مجلسُها في مارس 1979م تعليقَ عضوية مصر إثر توقيعها معاهدةَ السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد، ونقل مقرّها من القاهرة إلى تونس. وقد مثّل هذا القرارُ اعترافاً ضمنياً بأنّ الجامعة تُعاني تناقضاً بين سيادة الدول الأعضاء من ناحية ومبدأ التضامن العربي الجمعي من ناحية أخرى. ثم أُعيدت مصر إلى الجامعة عام 1989م وعاد مقرّها إلى القاهرة عام 1990م، في مسيرةٍ دائرية تعكس تعقيد العلاقات السياسية العربية البينية.
عاشراً: التقييم التاريخي لجامعة الدول العربية بين الإنجاز والإخفاق
يتباين تقييمُ المحلّلين والمؤرخين لمسيرة جامعة الدول العربية بين من يرى فيها إنجازاً تاريخياً جوهرياً وركيزةً لا غنى عنها للتنسيق العربي المشترك، وبين من يُعدّها إطاراً شكلياً فقد حيويّته الفعلية ولم يرتقِ إلى طموحات الوحدة القومية التي كانت تحرّكه. وقد وصفها بعضُ الباحثين الغربيين، من بينهم مايكل بارنيت وإيتيل سولينجن، بأنّها «بلغت مستوىً منخفضاً نسبياً من التعاون» طوال تاريخها، وذلك بسبب طغيان مصالح الدول الوطنية على الرؤية القومية الجمعية، وبسبب تنافسات القادة وتأثير القوى الخارجية التي لم تكن دائماً تريد لهذا التعاون أن يبلغ مداه الأقصى.
ومن منظورٍ أشمل، يمكن رصدُ إنجازات موضوعية حقّقتها الجامعة خلال ثمانية عقود من عمرها؛ فقد أنشأت الجامعةُ سوقاً عربية مشتركة عام 1965م، وأسهمت في صياغة عشراتٍ من الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية الإقليمية، وأوجدت منظومةً من المؤسسات العربية المتخصصة في التعليم والثقافة والعلوم (الألكسو)، وتبنّت الميثاقَ العربي لحقوق الإنسان عام 2004م. وقد أدّت الجامعةُ دور الوساطة في أزماتٍ إقليمية متعددة، وكانت المظلّةَ الجامعة التي انطلق منها الموقفُ العربي في المحافل الدولية لعقودٍ متواصلة. وبالرغم من كل إخفاقاتها وخلافاتها الداخلية، تظلُّ الجامعةُ العربية الإطارَ المؤسسي الأشمل الذي يجمع الدولَ العربية من المحيط إلى الخليج تحت سقفٍ واحد.