كانت عصبة الأمم منظمة دولية للتعاون بين الدول تأسست في العاشر من كانون الثاني/يناير عام ١٩٢٠ بمبادرة من القوى المتحالفة المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولى، بهدف صون السلام العالمي عبر آلية للأمن الجماعي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية بدلاً من الحرب. جاء تأسيسها ثمرة مباشرة لمؤتمر باريس للسلام وميثاقها جزءاً أصيلاً من معاهدة فرساي، وكانت الفكرة قد تبلورت أساساً في النقطة الرابعة عشرة من “النقاط الأربع عشرة” التي طرحها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام ١٩١٨ كأساس لسلام عادل بعد الحرب. اتخذت العصبة من مدينة جنيف السويسرية مقراً لها، وضمت في ذروتها قرابة ستين دولة عضواً، غير أن غياب الولايات المتحدة عنها منذ البداية، إلى جانب عجزها البنيوي عن فرض قراراتها بالقوة، حدّا بشدة من فعاليتها في مواجهة الأزمات الكبرى خلال ثلاثينيات القرن العشرين، إلى أن حُلّت رسمياً في التاسع عشر من نيسان/أبريل عام ١٩٤٦ ونُقلت مهامها إلى منظمة الأمم المتحدة الوليدة.
| معلومات عامة | |
| التأسيس | ١٠ كانون الثاني/يناير ١٩٢٠ |
| الحل الرسمي | ١٩ نيسان/أبريل ١٩٤٦ |
| المقر | جنيف، سويسرا |
| الوثيقة التأسيسية | ميثاق عصبة الأمم، جزء من معاهدة فرساي |
| عدد الأعضاء عند التأسيس | ٤٨ دولة بحلول عام ١٩٢٠ |
| الخليفة | منظمة الأمم المتحدة |
| القيادة والهيكل | |
| المحرك الرئيسي للتأسيس | الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون |
| أول أمين عام | السير إريك دراموند |
| الأجهزة الرئيسية | الجمعية العامة، المجلس، الأمانة العامة |
| أزمات كبرى واجهتها | |
| أزمة منشوريا | ١٩٣١-١٩٣٣، غزو ياباني للصين |
| أزمة الحبشة | ١٩٣٥-١٩٣٦، غزو إيطالي بقيادة موسوليني |
التأسيس ومؤتمر باريس للسلام
حين انعقد مؤتمر السلام في باريس مطلع عام ١٩١٩، ساد اتفاق عام على أن تشمل مهمته إنشاء عصبة للأمم قادرة على ضمان السلام مستقبلاً، وأصرّ الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون على أن تكون هذه المسألة من أولى القضايا التي يتناولها المؤتمر. وقد استفادت صياغة الميثاق من جهود فكرية وقانونية سابقة امتدت لعقود، شملت خططاً وضعتها جمعيات غير رسمية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول محايدة، إلى جانب مداولات مؤتمري لاهاي لعامي ١٨٩٩ و١٩٠٧ حول تسوية النزاعات عبر التحكيم القانوني بين الدول. وقد احتفظت مسودة ويلسون الأولى لميثاق العصبة، المحفوظة اليوم ضمن أوراقه في مكتبة الكونغرس الأمريكية، بأثر واضح على الصيغة النهائية التي اعتمدها المؤتمر، والتي وضعت آلية أمن جماعي تلزم الأعضاء بالدفاع عن السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لبعضهم البعض ضد أي عدوان خارجي.
غياب الولايات المتحدة عن العصبة
رغم الدور المحوري الذي أداه الرئيس ويلسون في بلورة فكرة العصبة، ونيله جائزة نوبل للسلام عام ١٩١٩ تقديراً لجهوده في هذا الصدد، فقد رفض مجلس الشيوخ الأمريكي التصديق على معاهدة فرساي، وبالتالي على انضمام الولايات المتحدة إلى العصبة، بقيادة معارضة شرسة من عضو الكونغرس الجمهوري هنري كابوت لودج، الذي رأى أن الميثاق يقوّض السيادة الأمريكية في تقرير سياساتها الخارجية بصورة مستقلة. وقد شكّل هذا الغياب الأمريكي أحد أبرز مواطن الضعف البنيوي للعصبة منذ نشأتها، إذ حرمها من نفوذ ووزن اقتصادي وعسكري كان يمكن أن يعزز قدرتها على فرض قراراتها لاحقاً، خصوصاً في مواجهة الأزمات الكبرى التي واجهتها في الثلاثينيات.
جمعية عامة من الأمم، تكفل ضمانات متبادلة للاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبرى والصغرى على حد سواء.
— من صياغة النقطة الرابعة عشرة لخطة الرئيس وودرو ويلسون أمام الكونغرس الأمريكي، كانون الثاني/يناير ١٩١٨
الهيكل التنظيمي وآليات العمل
قامت بنية العصبة على ثلاثة أجهزة رئيسية: جمعية عامة تضم ممثلي جميع الدول الأعضاء وتجتمع سنوياً، ومجلس تنفيذي أصغر ضم أساساً القوى الكبرى إلى جانب أعضاء غير دائمين يُنتخبون دورياً، وأمانة عامة دائمة يقودها أمين عام مسؤول عن الإدارة اليومية للمنظمة، وقد شغل هذا المنصب أول مرة السير إريك دراموند. وإلى جانب مهمتها الأمنية المركزية، أشرفت العصبة على نظام “الانتداب” الذي وزّع مستعمرات الدول المهزومة في الحرب، ولا سيما ألمانيا والدولة العثمانية، على القوى المنتصرة تحت إشراف اسمي من العصبة، كما اضطلعت بأنشطة إنسانية وفنية متنوعة شملت مكافحة الأوبئة وتنظيم قضايا اللاجئين ونزع السلاح، وإن ظلت هذه الجهود الأخيرة محدودة الأثر عملياً.
أزمة منشوريا ١٩٣١: أول اختبار كبير
شكّلت “حادثة موكدن” في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر ١٩٣١، حين هاجم الجيش الياباني السلطات الصينية في منشوريا، أول اختبار جدي لآلية الأمن الجماعي التي نص عليها ميثاق العصبة، في ظروف بالغة الصعوبة. وأمام هذا العدوان الصريح، شكّلت العصبة لجنة تحقيق عُرفت بـ”لجنة ليتون”، التي استغرقت نحو عام كامل قبل أن ترفع تقريرها الذي أقرّته الجمعية العامة بالإجماع، مطالبة اليابان بالانسحاب من منشوريا، غير أن طوكيو رفضت ببساطة الالتزام بالقرار وانسحبت من عضوية العصبة مطلع عام ١٩٣٣، دون أن تفرض العصبة أي عقوبات فعلية توقف التوسع الياباني.
أزمة الحبشة ١٩٣٥-١٩٣٦: الدليل الأخير على العجز
مثّل الغزو الإيطالي لإثيوبيا (الحبشة) بقيادة بينيتو موسوليني، الذي بدأ عام ١٩٣٥ وانتهى باحتلال أديس أبابا في أيار/مايو ١٩٣٦، الاختبار الحاسم الثاني لمصداقية العصبة، بعدما كانت سمعتها قد تضررت بالفعل جراء أزمة منشوريا. فرضت العصبة عقوبات اقتصادية على إيطاليا، لكنها استثنت عمداً موادّ حيوية للمجهود الحربي كالنفط والفحم والحديد والصلب، ولم تُغلق قناة السويس، التي كانت تحت سيطرة بريطانية وفرنسية، أمام الإمدادات الإيطالية المتجهة إلى شرق أفريقيا، بينما تفاوضت لندن وباريس سراً مع روما عبر ما عُرف بـ”اتفاق هور-لافال” في محاولة لاسترضاء موسوليني بدلاً من مواجهته. وقد خاطب الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي الجمعية العامة للعصبة في الثلاثين من حزيران/يونيو ١٩٣٥ محذراً من تبعات فشلها، غير أن قراراتها بقيت بلا أثر عملي، فانسحبت إيطاليا من العصبة عام ١٩٣٧ دون أن تستعيد المنظمة مصداقيتها أو نفوذها من جديد.
تراجع الدور وانتقال المهام إلى الأمم المتحدة
عمّق فشل العصبة المتكرر في مواجهة اليابان وإيطاليا، إلى جانب انسحاب ألمانيا النازية منها عام ١٩٣٣ وانهيار محادثات نزع السلاح الدولية في العام نفسه، من هامشية دورها في السياسة الدولية عشية الحرب العالمية الثانية، رغم استمرارها الاسمي حتى منتصف الأربعينيات. وبعد قيام منظمة الأمم المتحدة رسمياً في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام ١٩٤٥، عقدت الجمعية العامة لعصبة الأمم اجتماعها الأخير في جنيف مطلع عام ١٩٤٦، وصوّتت على حل المنظمة رسمياً في التاسع عشر من نيسان/أبريل من العام نفسه، ونقل موجوداتها ومكتبتها ومهامها الفنية إلى الأمم المتحدة الوليدة، التي استفادت من دروس إخفاقات سلفتها في تصميم آلياتها الخاصة للأمن الجماعي، ولا سيما عبر منح أعضاء دائمين في مجلس الأمن حق النقض (الفيتو).