| معلومات عامة | |
| تاريخ الظهور | 657م (عقب معركة صفين) |
| الاسم الذي أطلقه أتباعها على أنفسهم | “الشُّراة” |
| الشعار الأساسي | “لا حُكم إلا لله” |
| أبرز حدث مرتبط بها | اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب |
| الفرع المعتدل الباقي | الإباضية |
| محطات زمنية كبرى | |
| معركة صفين والتحكيم | يوليو 657م |
| الانسحاب إلى حَرُوراء | 657م |
| معركة النهروان | يوليو 658م |
| اغتيال علي بن أبي طالب | 661م |
الخوارج فرقة إسلامية مبكرة نشأت في خضم الخلاف السياسي الذي أعقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتولي علي بن أبي طالب الخلافة، وتحديدًا إثر احتجاجهم على قبول علي التحكيم مع معاوية بن أبي سفيان عقب معركة صفين عام 657م، إذ رأوا أن “الحكم لله وحده” ولا يجوز أن يُحتكم فيه إلى الرجال. وتُعدّ هذه الحركة أول انشقاق مذهبي منظم يشهده تاريخ الإسلام، إذ عارض أتباعها كلًا من علي ومعاوية معًا، وشنّوا حملات من العنف والترهيب طالت من خالفهم من المسلمين، وبلغت ذروتها باغتيال الخليفة علي نفسه عام 661م. ورغم أن الحركة الأصلية تلاشت خلال نحو قرنين من ظهورها، فإن فرعها المعتدل المعروف بالإباضية لا يزال قائمًا حتى اليوم في عُمان وأجزاء من شمال أفريقيا وشرق أفريقيا.
أولاً: معركة صفين وأزمة التحكيم
بعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان عام 656م، آلت الخلافة إلى علي بن أبي طالب، غير أن معاوية بن أبي سفيان، والي الشام، رفض مبايعته مطالبًا أولًا بالاقتصاص من قتلة عثمان، وهو ما أفضى إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين عُرفت بمعركة صفين استمرت ثلاثة أيام دون حسم واضح. وفي المواجهة الأخيرة، رفع جنود معاوية صفحات من القرآن الكريم على أطراف رماحهم مطالبين بالتحكيم بدلًا من مواصلة القتال، فقبل علي مضطرًا هذا العرض، وهو القرار الذي أثار سخط فريق من جنوده اعتبروا أن الخليفة بذلك يخالف الأمر القرآني بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله.
ثانياً: الانسحاب إلى حَرُوراء ونشأة الاسم
حين رفض علي التراجع عن قبوله التحكيم، انسحبت مجموعة من أنصاره السابقين عن جيشه (خرجوا، ومن هنا اشتق اسم “الخوارج”) إلى قرية حَرُوراء قرب الكوفة، ولذلك عُرفوا أيضًا باسم “الحرورية”، واختاروا لأنفسهم قائدًا هو عبد الله بن وهب الراسبي. وقد أطلق هؤلاء المنشقون على أنفسهم اسم “الشُّراة”، أي الذين باعوا أنفسهم لله، في إشارة إلى الآية القرآنية التي تدعو المؤمنين إلى مبادلة حياتهم الدنيا بحياة أخروية عند الله. وسرعان ما انضمت إليهم جماعة أكبر قرب مدينة النهروان، معارضين في آنٍ واحد كلًا من علي ومعاوية، ومنددين بكل من خالفهم من المسلمين، وشنّوا حملات ترويع طالت عامة الناس.
لا حُكم إلا لله.
— شعار الخوارج الأول، حَرُوراء، 657م
ثالثاً: معركة النهروان
في يوليو 658م، اضطر علي بن أبي طالب إلى مواجهة الخوارج عسكريًا بعد أن استفحل تهديدهم لاستقرار الدولة، فألحق بهم في معركة النهروان هزيمة ساحقة، قُتل فيها زعيمهم عبد الله بن وهب ومعظم أتباعه. غير أن هذه الهزيمة العسكرية القاسية لم تضع حدًا للحركة الخارجية، بل استمرت عبر سلسلة من الانتفاضات المتفرقة في العقود اللاحقة، معتمدة في ذلك على قناعة راسخة مفادها أن على المجتمع الإسلامي بأكمله أن يختار قائده بحرية استنادًا إلى التقوى والصلاح الأخلاقي وحدهما، حتى لو كان المرشح المختار عبدًا مملوكًا.
رابعاً: اغتيال علي بن أبي طالب
لم يكن ثأر الخوارج لقتلاهم في النهروان بعيدًا؛ ففي مطلع عام 661م، اتفق ثلاثة من الخوارج، من بينهم عبد الرحمن بن ملجم، على اغتيال ثلاث شخصيات إسلامية بارزة يحمّلونها مسؤولية الانقسام الذي ضرب الأمة، وهم علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، على أن تُنفذ الاغتيالات في وقت واحد أثناء تأديتهم صلاة الفجر في مدنهم الثلاث. ولم تنجح سوى محاولة ابن ملجم، الذي ضرب عليًا بسيف مسموم في مسجد الكوفة الكبير، فتوفي الخليفة متأثرًا بجراحه بعد يومين، لتمهّد هذه الحادثة الطريق أمام معاوية بن أبي سفيان لتأسيس الخلافة الأموية.
خامساً: العقيدة الخارجية
قامت العقيدة الخارجية على مبدأين أساسيين ميّزاها عن سائر الفرق الإسلامية المبكرة؛ أولهما اعتقادهم بأن ارتكاب المسلم كبيرة من الكبائر يُخرجه من الملة ويجعله مرتدًا يستحق القتال، وهو ما عُرف لاحقًا بمبدأ “التكفير”، وثانيهما رؤيتهم أن الإمامة ليست حكرًا على قريش أو أي نسب معين، بل هي حق لكل مسلم تقي، أيًا كان أصله أو عرقه، شريطة أن يُنتخب بحرية من قِبل الأمة. وقد رأى الخوارج أن رسالة النبي محمد كانت تهدف إلى إرساء العدل بين المسلمين وتوزيع الثروة والسلطة بإنصاف، وأن كل من يتراخى في اتباع تعاليم النبي في هذا الشأن يستحق المعارضة أو النبذ أو حتى القتل. وقد اشتُهر الخوارج بتشددهم الديني الصارم وتعصبهم الشديد، إذ لم يترددوا في تكفير من خالفهم من المسلمين بمن فيهم أنصار علي ومعاوية على حد سواء.
سادساً: انقسامات الخوارج الداخلية
لم تكن حركة الخوارج كتلة موحدة، بل سرعان ما انقسمت إلى فرق فرعية متعددة تباينت في مدى تشددها؛ من أبرزها “الأزارقة” الذين تبنوا موقفًا متشددًا للغاية، و”النجدات” الذين اتخذوا مواقف أكثر اعتدالًا نسبيًا في بعض المسائل، فضلًا عن “الصُّفرية” و”الإباضية”. ورغم أن الحركة الخارجية حظيت بنفوذ سياسي معتبر خلال العقود الأولى من تاريخ الإسلام، فإنها تلاشت تقريبًا في غضون قرنين من ظهورها الأول، باستثناء فرعها الإباضي الذي نجا من هذا المصير وواصل الاستمرار حتى اليوم.
سابعاً: الإباضية والفرع المعتدل الباقي
تأسست الإباضية على يد الفقيه البصري عبد الله بن إباض في ثمانينيات القرن السابع الميلادي، بوصفها فرعًا معتدلًا رافض للتمرد المسلح والاغتيال السياسي، وحريصًا على العيش بانسجام مع سائر المسلمين، خلافًا لنزعة العنف التي اتسم بها كثير من فرق الخوارج الأخرى. ويرى الإباضيون أنفسهم اليوم بعيدين تمامًا عن الخوارج الأوائل، ويميلون إلى وصف أنفسهم بـ”أهل الاستقامة” بدلًا من ربط اسمهم بالخوارج. ويقترب الإباضيون في العقيدة والشعائر من أهل السنة إلى حد بعيد، غير أنهم يختلفون عنهم في التأكيد على أن يكون الإمام منتخَبًا وليس وراثيًا، وقد شكّل هذا المبدأ أساس أول إمامة إباضية أُقيمت في عُمان عام 751م تقريبًا. ويشكّل الإباضيون اليوم غالبية سكان سلطنة عُمان، إلى جانب وجودهم في مناطق من الجزائر وليبيا وتونس وشرق أفريقيا، وبخاصة جزيرة زنجبار، بعدد إجمالي يناهز ثلاثة ملايين نسمة في القرن الحادي والعشرين.
ثامناً: الأثر التاريخي والفكري
يستند معظم ما وصلنا من أخبار الخوارج وعقائدهم إلى مؤرخين من غير الخوارج أنفسهم كتبوا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وغلب على كثير من هذه المصادر طابع معادٍ للحركة، وهو ما يجعل من الصعب تمييز الدوافع الحقيقية للخوارج بدقة تامة، فقد نظرت إليهم المصادر الإسلامية التقليدية عمومًا بوصفهم متطرفين دينيين خرجوا عن جماعة المسلمين، بينما شدّد بعض المؤرخين العرب المعاصرين على النزعات المساواتية وشبه الديمقراطية التي حملتها أفكارهم عن الإمامة. كما شارك خوارج القرنين الثامن والتاسع في مناظرات لاهوتية واسعة أسهمت بشكل غير مباشر في تطور علم الكلام الإسلامي عمومًا.
وفي العصر الحديث، يستخدم بعض الباحثين والمعلقين مصطلح “الخوارج” أحيانًا لوصف جماعات إسلامية متشددة معاصرة يرون في فكرها وأساليبها تشابهًا مع نزعة التكفير والعنف السياسي التي اتسم بها الخوارج الأوائل، وهي مقارنة تحظى بجدل واسع بين الباحثين حول مدى دقتها التاريخية. وبصرف النظر عن هذا الجدل المعاصر، تبقى حركة الخوارج شاهدًا تاريخيًا مبكرًا على عمق الانقسامات السياسية والعقدية التي رافقت تشكّل الدولة الإسلامية منذ عقودها الأولى، وعلى الأثر البعيد المدى الذي خلّفته أزمة التحكيم في صفين على مسار التاريخ الإسلامي بأكمله.