يُمثِّل الاحتلال الياباني لمنشوريا (1931-1945م) واحدةً من أشدِّ الجرائم الاستعمارية توثيقاً وأكثرها تأثيراً في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين؛ فهو الحادثة التي كشفت عجز النظام الدولي الوليد عن الصمود في وجه الطموحات الإمبريالية المسلَّحة، وفتحت بذلك شهية القوى التوسُّعية في أوروبا وآسيا على حدٍّ سواء نحو مغامرات عدوانية أشد فتكاً أفضت في نهاية المطاف إلى أهوال الحرب العالمية الثانية. ففي ليلة الثامن عشر من سبتمبر 1931م، فجَّر ضباط من جيش الكوانتونغ الياباني قطعةً صغيرة من الديناميت بجوار سكَّة حديد خطِّ جنوب منشوريا قرب مدينة شنيانغ (موكدن)، ونسبوا العمل الإجرامي إلى قوات صينية، ليشنَّ الجيش الياباني في أعقابها غزواً شاملاً لإقليم منشوريا الشاسع الذي كانت الصين تحكمه.
لم تكن منشوريا أرضاً مجهولة للمطامع اليابانية؛ فمنذ انتصار طوكيو على روسيا القيصرية في حرب 1904-1905م، سيطرت اليابان على خطِّ السكة الحديدية الجنوبي المنشوري وأسَّست من حوله شبكةً من المصالح الاقتصادية والعسكرية. غير أن حوادث سبتمبر 1931م آذنت بتحوُّل نوعي جذري، إذ قرَّرت قيادات الجيش الياباني في الميدان — متجاوزةً بذلك تعليمات الحكومة المدنية في طوكيو — أن تحوِّل النفوذ التجاري إلى سيادة عسكرية شاملة. وفي أوائل عام 1932م، أُعلن عن دولة “مانشوكو” (منشوكو) أو “منشوريا الكبرى” دولةً مستقلة اسماً، عُيِّن فيها آخر أباطرة سلالة تشينغ الصيني، بويي، رئيساً للدولة ثم إمبراطوراً في عام 1934م، فيما كانت كل مقاليد السلطة الحقيقية في يد الجنرالات اليابانيين وجيش الكوانتونغ.
وقد تجلَّى في هذا الاحتلال نموذج استعماري متكامل الأبعاد: استغلال اقتصادي مُحكم سخَّر موارد منشوريا الطبيعية الهائلة — من فحم وحديد وصويا وزراعة — لصالح الاقتصاد الحربي الياباني المتنامي، وقمع سياسي وأمني شرس فرض على السكان الصينيين مرتبةً دنيا في هرم اجتماعي طبقي يجعل المستوطنين اليابانيين في قمَّته، وإجراء تجارب بيولوجية مروِّعة على الأسرى والمدنيين أجراها الوحدة العسكرية اليابانية الخفية المعروفة بـ”الوحدة 731″ في هاربن، في ما يُعدُّ أحد أشنع الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ المعاصر. وقد فشلت عصبة الأمم فشلاً ذريعاً في مواجهة العدوان الياباني رغم إدانتها له في تقرير لجنة ليتون الشهير، فاستقالت اليابان من العصبة عام 1933م ومضت في توسُّعها المدمِّر نحو حرب صينية-يابانية شاملة عام 1937م. وانتهى الاحتلال عام 1945م بانهيار جيش الكوانتونغ أمام الهجوم السوفيتي الهائل المعروف بـ”عملية عاصفة أغسطس”، وهو حدث رسم بدوره ملامح منطقة شرق آسيا في حقبة الحرب الباردة.
| الاحتلال الياباني لمنشوريا | |
| المعلومات العامة | |
| الاسم الرسمي للدولة الدمية | مانشوكو / منشوكو (満州国 / Manzhouguo) |
| الحقبة الزمنية | 18 سبتمبر 1931م – 19 أغسطس 1945م (14 عاماً) |
| الغازي | الإمبراطورية اليابانية / جيش الكوانتونغ |
| المنطقة المُحتلَّة | منشوريا (شمال شرق الصين) + شرق منغوليا الداخلية |
| المساحة | ~1,300,000 كيلومتر مربع |
| العاصمة الاستعمارية | شينجينغ (Xinjing / تشانغتشون حالياً) |
| عدد السكان (1940م) | نحو 43.2 مليون نسمة |
| الأحداث المفصلية | |
| حادثة موكدن (الشرارة) | 18 سبتمبر 1931م |
| السيطرة الكاملة على منشوريا | مطلع فبراير 1932م |
| تأسيس منشوكو (دولة دمية) | 9 مارس 1932م (جمهورية) / 18 فبراير 1932م (إعلان) |
| انتخاب بويي رئيساً للدولة | 9 مارس 1932م |
| بويي إمبراطوراً لمنشوكو | 1 مارس 1934م |
| تقرير لجنة ليتون | 2 أكتوبر 1932م (يدين اليابان) |
| انسحاب اليابان من عصبة الأمم | 27 مارس 1933م |
| تأسيس الوحدة 731 | 1936م (هاربن) |
| الهجوم السوفيتي (عاصفة أغسطس) | 9 أغسطس 1945م |
| نهاية الاحتلال / استسلام الكوانتونغ | 19 أغسطس 1945م |
| الشخصيات الكبرى | |
| مدبِّرو حادثة موكدن | الرائد كاواموتو سويموري / العقيد إيشيوارا كانجي |
| إمبراطور منشوكو الدمية | بويي (إيفان هنري بويي) — آخر أباطرة تشينغ |
| مؤسس الوحدة 731 | الجنرال شيرو إيشي (طبيب عسكري) |
| رئيس لجنة التحقيق الدولية | اللورد فيكتور بولوير ليتون (بريطانيا) |
| قائد الهجوم السوفيتي | المارشال ألكسندر فاسيليفسكي |
| الإحصاءات والأرقام | |
| المستوطنون اليابانيون | نحو 270,000 مستوطن خلال 14 عاماً |
| ضحايا الوحدة 731 | آلاف الضحايا في التجارب / مئات الآلاف في الحرب البيولوجية |
| القوات السوفيتية في العملية | أكثر من 1.5 مليون جندي |
| جنود الكوانتونغ عند الهزيمة | نحو 900,000 جندي (أسر نحو 594,000-609,000) |
| الدول المعترفة بمنشوكو | ست دول فقط (اليابان وحلفاؤها المحور) |
| الإرث والتداعيات | |
| إسهام في الحرب العالمية الثانية | بوابة إلى الحرب الصينية-اليابانية الكبرى 1937م |
| تأثير على الحرب الباردة | ثقَّل الأوراق الشيوعية الصينية / أسهم في تقسيم كوريا |
| الاعتراف الياباني بالجرائم | جزئي ومتنازَع عليه حتى اليوم |
أولاً: منشوريا قبيل الاحتلال — الجغرافيا والتاريخ والأهمية الاستراتيجية
تحتل منطقة منشوريا التاريخية — المعروفة لدى الصينيين بـ”شمال شرق الصين” (东北 / Dōngběi) — موقعاً جغرافياً ذا أهمية استثنائية في شمال شرق القارة الآسيوية. وتتكوَّن من الأقاليم الإدارية الصينية الثلاثة التاريخية الكبرى: فنتيان (لياونينغ حالياً) وجيلين وهيلونغجيانغ، يُضاف إليها جزء من منغوليا الداخلية الشرقية. تمتد المنطقة على مساحة تزيد على مليون وثلاثمائة ألف كيلومتر مربع، وتتميز بتنوُّع تضاريسي استثنائي يجمع بين السهول الخصبة الشاسعة في وسطها وشرقها، والغابات الكثيفة في الشمال، وجبال خنغان الكبرى والصغرى. وقد أفرز هذا التنوُّع الطبيعي بيئةً تحوي ثروات طبيعية ضخمة شكَّلت نقطة جذب للقوى الاستعمارية؛ فقد كانت المنطقة في مطلع القرن العشرين تزخر بمخزونات ضخمة من الفحم الحجري تتمركز في منطقتَي فوشون وفوشن، ومناجم حديد غنية في منطقة أنشان، وفضلاً عن ذلك فرشٌ زراعي خصيب اشتُهر بزراعة فول الصويا الذي كانت منشوريا وحدها تُنتج نحو نصف الإنتاج العالمي منه بحلول عام 1927م.
تاريخياً، كانت منشوريا موطن الشعب المانشوي الذي أسَّس سلالة تشينغ (1644-1912م) التي حكمت الصين لما يزيد على قرنَي ونصف القرن، فكانت المنطقة ذات مكانة خاصة في المخيِّلة السياسية الإمبراطورية الصينية. وبانهيار سلالة تشينغ وقيام الجمهورية الصينية عام 1912م، وقعت منشوريا خارج النطاق الفعلي لسلطة الحكومة المركزية الضعيفة في بكين، وغدت مسرحاً لنفوذ أمراء الحرب المحليين أبرزهم الأمير الحاكم المسيطر تشانغ تسولين الذي استطاع توحيد المنطقة الثلاثية تحت سلطته وبسط نفوذه عليها، مستفيداً من علاقته البراغماتية المتذبذبة مع اليابانيين في تحقيق طموحاته. وبعد مقتله على يد ضباط يابانيين في انفجار سكَّة حديدية مدبَّر عام 1928م، خلفه ابنه تشانغ شيوليانغ الذي مال نحو التقارب مع الحكومة الوطنية القومية في نانكينغ والانضمام إلى المشروع الوطني الصيني الموحَّد. وقد أثار هذا التقارب قلقاً بالغاً في الأوساط العسكرية اليابانية التي رأت في صعود حركة قومية صينية متماسكة تهديداً وجودياً لمصالح اليابان الاستراتيجية في منشوريا، التي أيقنت في أعقاب الأزمة الاقتصادية الكبرى (1929م) أنها لا غنى لها عنها بوصفها “خطَّ الحياة الياباني” (生命線 / Seimeisen).
وعلى المستوى الجيوسياسي الإقليمي، تقاطعت في منشوريا مطامع ثلاث قوى عظمى متنافسة: الصين التي تعدُّها جزءاً أصيلاً من ترابها الوطني، وروسيا القيصرية ثم الاتحاد السوفيتي الذي ورث امتيازاتها في خطِّ السكة الحديدية الشرقي الصيني وميناء داليان (دالني)، واليابان التي كانت منذ 1905م تتمتَّع بامتيازات كبرى على الجزء الجنوبي من خطِّ السكك الحديدية المنشوري وعلى شبه جزيرة لياودونغ. وكان هذا التثليث التنافسي — الذي انفجر مرَّةً أولى في الحرب الروسية-اليابانية 1904-1905م وستنفجر مرَّةً ثانية في عاصفة أغسطس 1945م — يُشكِّل الإطار الذي تحرَّكت داخله الاستراتيجية اليابانية لاحتلال المنطقة.
ثانياً: المقدِّمات والجذور — النفوذ الياباني المبكِّر في منشوريا (1905-1931م)
لفهم الاحتلال الياباني لمنشوريا في سياقه الكامل، لا بدَّ من استحضار ربع قرن من التمدُّد الاستراتيجي الياباني التدريجي الذي سبقه. فبموجب معاهدة بورتسموث (1905م) التي أنهت الحرب الروسية-اليابانية بانتصار ياباني ساحق، انتقل إلى طوكيو ما كان حقوقاً روسية في المنطقة: الحقوق الإيجارية على شبه جزيرة لياودونغ لمدة تسع وتسعين عاماً (بما فيها ميناء لوشن/بورت آرثر وداليان)، وعقد تشغيل السكَّة الحديدية بين داليان ومدينة لوجون إلى شنيانغ. وسارعت طوكيو إلى تأسيس شركة سكَّة حديد جنوب منشوريا (Mantetsu / 満鉄) عام 1906م بموجب المرسوم الإمبراطوري رقم 142، وهي شركة وصفها المؤرخ الأكاديمي إيمر أودوير من أوبيرلين بأنها كانت “الشريان الحيوي لإمبراطورية اليابان على القارة الآسيوية”، إذ جمعت بين كونها مؤسسة ربحية لتشغيل السكك الحديدية وبين وظيفتها شبه الحكومية كجهاز جمع المعلومات الاستخباراتية والاستغلال الاقتصادي.
اضطلعت شركة مانتيتسو بدور محوري يتجاوز بكثير الوظيفة النقلية المعتادة؛ فقد أسَّست مستشفيات ومدارس ومكتبات ومرافق خدمات عامة للمستوطنين اليابانيين، وأجرت أبحاثاً زراعية مكثَّفة في مجال زراعة فول الصويا، وأنشأت مركزاً للبحوث الاقتصادية والاجتماعية الرامية إلى فهم المنطقة وتعيين إمكاناتها استعداداً لاستثمار أمثل. وقد ولَّد عملها الاستخراجي ثروات طائلة تجسَّدت في صادرات الصويا والفحم والأخشاب، فكانت أكثر من خمسة وسبعين بالمئة من دخلها تأتي من الشحن السلعي، مع حصَّة أسد للصويا الذي كانت منشوريا تمثِّل نصف إنتاجه العالمي. وبموازاة التمدُّد الاقتصادي، رسَّخ جيش الكوانتونغ — الذي أُنشئ للذود عن مصالح اليابان في منشوريا — وجوده العسكري وانتشاره في طول المنطقة وعرضها، مشكِّلاً قوةً نافذة عملياً تتجاوز كثيراً صلاحياتها الرسمية المحدودة بحماية المواطنين والمنشآت اليابانية.
وخلال عقد العشرينيات من القرن العشرين، تصاعد التوتُّر بين المصالح اليابانية في منشوريا ومساعي الحكومة الصينية الوطنية لتوطيد سيادتها على أراضيها. ففي عام 1929م، استردَّ الجانب السوفيتي ـ بعد مواجهة عسكرية قصيرة مع قوات تشانغ شيوليانغ ـ السيطرة الكاملة على خطِّ السكة الحديدية الشرقي الصيني، وأبرزت تلك المواجهة الضعف العسكري للقوات الصينية المحلية، مما أغرى ضبَّاط الكوانتونغ الطموحين برؤية الفرصة سانحةً للتحرُّك الحاسم. كذلك شكَّلت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى التي انفجرت عام 1929م محرِّكاً آخر للتطلُّع نحو منشوريا؛ إذ ضربت الأزمة الاقتصاد الياباني ضربةً موجعة وقلَّصت الصادرات وأحدثت موجات بطالة حادة في الريف الياباني، ممَّا فتح الباب أمام خطاب قومي-عسكري يُصوِّر الاستيلاء على منشوريا حلًّا لأزمة اليابان الاقتصادية ومخرجاً لمشكلة اكتظاظها السكاني.
ثالثاً: حادثة موكدن — المسرحية التي أشعلت فتيل الاحتلال
في ليلة الثامن عشر من سبتمبر 1931م، حوالي العاشرة والنصف مساءً، نفَّذ الملازم الياباني كاواموتو سويموري، من الوحدة المستقلة للحرس الثامن والعشرين للمشاة، عمليةً إجراميةً دقيقة التخطيط: زرع كميةً صغيرة من الديناميت على بُعد أمتار قليلة من قضبان سكَّة حديد جنوب منشوريا قرب مدينة موكدن (شنيانغ)، وأشعل فتيلها. وكان الانفجار ضعيفاً للغاية لدرجة أنه لم يتلف القضبان تلفاً يُذكر؛ فقد مرَّ قطار الركَّاب على الخط بعد دقائق من الانفجار دون أي عارض. غير أن جيش الكوانتونغ لم يكن بحاجة إلى كارثة حقيقية؛ كان يحتاج فقط إلى ذريعة، فأطلق فور الانفجار اتهاماً فورياً للقوات الصينية بتدمير الخط، وشنَّ هجومه الشامل قبل أن يُتاح للحكومة في طوكيو حتى فرصة مناقشة الأمر.
كانت تلك الليلة ثمرة تخطيط سري مضنٍ قام به ضبَّاط الكوانتونغ الطموحون، ولا سيما العقيد إيشيوارا كانجي والكولونيل إيتاغاكي سيشيرو، اللذان رسما خطَّة الغزو الشامل لمنشوريا معتقدَين أن طوكيو لن تجرؤ على التراجع حين يُوضع أمام الأمر الواقع. وقد أثبتت الأحداث صحَّة حساباتهم تلك. في خمسة عشر ساعةً فحسب، كانت القوات اليابانية قد استولت على كلِّ المنشآت العسكرية الكبرى في محيط موكدن وداخلها. وفي غضون أيام، امتدَّ الغزو ليطال تشانغتشون وجيلين وسائر المدن الكبرى في قلب المنطقة. وكانت العوامل التي مكَّنت من هذا التقدُّم المتسارع ثلاثة: أوَّلاً، أمر الجنرال الصيني تشانغ شيوليانغ لقواته بعدم المقاومة انتظاراً لقرار عصبة الأمم، وهو ما فسَّره الجانب الياباني استسلاماً طوعياً. وثانياً، غياب أيِّ تعليمات حكومية يابانية صريحة بوقف العمليات في الساعات الحاسمة الأولى. وثالثاً، التفوُّق العسكري الياباني الساحق على أيِّ مقاومة صينية محتملة في تلك المرحلة. وبحلول مطلع فبراير 1932م، كانت اليابان قد بسطت سيطرتها الكاملة على منشوريا بأسرها في عملية أنجزت بسرعة فاقت توقُّعات الغزاة أنفسهم.
التجارة في آسيا يجب أن تُدار بحماية أسلحتنا. لا تجارة بلا حرب، ولا حرب بلا تجارة — ولا مستقبل لليابان في آسيا بلا منشوريا.
— العقيد إيشيوارا كانجي، رئيس قسم العمليات في جيش الكوانتونغ، مُبرِّراً منطق احتلال منشوريا، 1931م، نقلاً عن: Mark Peattie, Ishiwara Kanji and Japan’s Confrontation with the West, Princeton University Press, 1975
رابعاً: دولة منشوكو — الكيان الدمية وأعمدة الحكم الاستعماري
في التاسع من مارس 1932م، أُعلن رسمياً عن تأسيس دولة “منشوكو” (大満州国) أو “الدولة المنشورية الكبرى”، في احتفالية عسكرية-سياسية بارعة التصميم في العاصمة التاريخية تشانغتشون التي أُعيدت تسميتها “شينجينغ” (العاصمة الجديدة). اختار اليابانيون بمكر واضح آخر أباطرة سلالة تشينغ الصينية الحاكمة، بويي (1906-1967م)، الذي أُجبر على الاستقالة من عرش الصين وهو في السابعة من عمره عام 1912م، ليُجلسوه على رأس الدولة الجديدة رئيساً للدولة أوَّلاً ثم إمبراطوراً من الأول من مارس 1934م. وكان لهذا الاختيار أبعاد رمزية حسابية: فبويي صين الأصل مانشوري الدم، مما أتاح لليابان الادِّعاء بأن منشوكو كيانٌ يُعبِّر عن إرادة الأقليات المانشورية ورغبتها في الاستقلال عن سلطة الحكومة القومية الصينية، في حين كان الجميع — بمن فيهم بويي نفسه في مذكَّراته اللاحقة — يعلمون أنه لم يكن يتمتَّع بأيِّ سلطة فعلية.
كانت بنية الحكم في منشوكو هرماً استعمارياً خالصاً يُخفي وجهه الحقيقي خلف واجهة من المصطلحات القانونية والإدارية الرسمية. تجلَّى ذلك في نظام “المستشارين اليابانيين” الذي أُلصق فيه بكلِّ مسؤول صيني أو مانشوري رفيع المستوى مستشار يابانيٌّ يمتلك في الواقع صلاحيات أوسع من الرئيس الاسمي نفسه. وكان الحاكم الأعلى الفعلي لمنشوكو هو قائد جيش الكوانتونغ الذي كان يشغل في الوقت ذاته منصب السفير الياباني في الدولة الدمية، مُجسِّداً بذلك تكاملاً مثيراً بين القوة العسكرية والسلطة الدبلوماسية في شخص واحد. وكان بويي واقعاً تحت مراقبة دائمة، ولا يستطيع تعيين مسؤول أو إصدار مرسوم دون موافقة مضمرة أو صريحة من الكوانتونغ.
وعلى صعيد الاعتراف الدولي، مثَّلت منشوكو حالةً نادرة في تاريخ الدبلوماسية؛ إذ لم تنلها شرعية دولية واسعة. فقد رفضت معظم دول العالم الاعتراف بها، واقتصر الاعتراف الرسمي على ستِّ دول في معظمها من دول المحور أو الأقمار الساتلة لها: اليابان وإيطاليا وألمانيا ومانشوكو نفسها وسلطنة وانغ جينغوي الصينية الموالية واسبانيا في مراحل لاحقة. وقد أقرَّ مجلس عصبة الأمم نفسه في قراره الصادر في الحادي عشر من مارس 1932م بأن منشوريا تقع تحت الاحتلال الياباني وأن المطالبة الصينية بالسيادة عليها مطالبة مشروعة، وأن الدولة الجديدة لا تحوز شروط الشخصية الدولية المستقلة.
خامساً: عصبة الأمم وردود الفعل الدولية — الفشل المؤسِّس
حين استغاثت الصين بعصبة الأمم في أعقاب حادثة موكدن مباشرةً، كانت تُعوِّل على مادة العهد التي تُلزم الدول الأعضاء بالتضامن ضد العدوان المسلَّح. وتحرَّكت العصبة فعلاً، لكن تحرُّكاً يُجسِّد الفارق الصارخ بين المبدأ والواقع. أصدرت هيئتان في العصبة قرارَين متتاليين في سبتمبر وأكتوبر 1931م يطلبان من اليابان سحب قواتها، فتجاهلتهما طوكيو كليَّاً واستمرَّت في التوسُّع. ثم قرَّر مجلس العصبة في العاشر من ديسمبر 1931م إيفاد لجنة تحقيق برئاسة اللورد البريطاني فيكتور بولوير ليتون، وهي اللجنة التي قضت ستَّة أسابيع في منشوريا تجمع الشهادات وتدرس الوضع وتُقيِّم الحجج المتضاربة، وأصدرت تقريرها الموثَّق في الأول من أكتوبر 1932م.
خلص تقرير ليتون إلى جملة من الاستنتاجات الحاسمة: أن الانفجار الذي استُخدم ذريعةً للغزو لم يكن من صنع الصينيين، وأن الغزو الياباني تجاوز حدَّ الدفاع المشروع عن النفس ومثَّل عدواناً سافراً، وأن دولة منشوكو لا تتوفَّر فيها شروط الدولة المستقلة الحقيقية ولا تحظى بدعم شعبي حقيقي من سكَّانها. ودعا التقرير إلى سحب القوات اليابانية وإعادة السيادة الصينية على المنطقة مع منح منشوريا حكماً ذاتياً موسَّعاً. صوَّتت جمعية عصبة الأمم على قبول التقرير في الرابع والعشرين من فبراير 1933م بتسعة وأربعين صوتاً مقابل صوت واحد وحيد هو صوت اليابان. في اليوم التالي مباشرةً، غادر المندوب الياباني يوسوكي ماتسووكا قاعة الجمعية العامة في جنيف دون عودة، وأعلنت اليابان رسمياً في السابع والعشرين من مارس 1933م انسحابها من عصبة الأمم.
أمَّا على الصعيد الأمريكي، فقد أطلق وزير الخارجية هنري ستيمسون في السابع من يناير 1932م “مبدأ ستيمسون” أو “مبدأ عدم الاعتراف”، الذي نصَّ صراحةً على أن الولايات المتحدة لن تعترف بأيِّ تغيير إقليمي ناجم عن القوة المسلَّحة انتهاكاً للمعاهدات الدولية القائمة. وكان الرئيس هوفر قد قبل الإعلان فيما يتعلَّق بعدم الاعتراف، لكنه رفض الجانب الآخر من رؤية ستيمسون الأوسع المتعلِّقة بفرض عقوبات اقتصادية على اليابان، خشيةً من أن تُفضي العقوبات إلى مواجهة عسكرية في المحيط الهادئ لم تكن واشنطن تُريدها. ووصف ستيمسون لاحقاً أدواته بأنها كانت “رماحاً من قشٍّ وسيوفاً من جليد”، معترفاً ضمناً بعجز الديبلوماسية الأمريكية في مواجهة التوسُّع الياباني المسلَّح. وقد أثبت هذا الإخفاق الدولي المزدوج — إخفاق عصبة الأمم وإخفاق الدبلوماسية الأمريكية — بصورة قاطعة أن النظام الدولي الوليد الذي أُسِّس بعد الحرب العالمية الأولى يفتقر إلى أيِّ آلية إجبار فعَّالة، وأنه مجرَّد أداة خطابية هشَّة في مواجهة دولة كبرى مصمِّمة على التوسُّع.
سادساً: الاستغلال الاقتصادي — منشوريا رصيداً للآلة الحربية اليابانية
كان الاستغلال الاقتصادي لموارد منشوريا الهدف الأعمق الكامن وراء الغزو، ويُوضِّح تقرير الفريق الاقتصادي لشركة سكة حديد جنوب منشوريا الذي أُعدَّ عام 1932م بطلب من جيش الكوانتونغ كيف تشكَّلت السياسات الاقتصادية لمنشوكو وفقاً لاحتياجات الجيش الياباني لا وفقاً لاحتياجات المنطقة ذاتها. فقد كان الهدف الرئيسي من التصنيع تأمين المواد الخام والمنتجات النهائية للجيش، لا تنمية مستدامة للمنطقة. وقد صبَّت السياسات الصناعية كلَّها في خدمة أولوية واحدة: تحويل منشوريا إلى قاعدة صناعية وعسكرية لتوسُّع اليابان في آسيا.
على صعيد التطوير الصناعي، ضخَّت اليابان استثمارات ضخمة في البنية التحتية: أُنشئت مئات الكيلومترات من خطوط السكك الحديدية الجديدة ووُسِّعت القائمة منها، وطُوِّرت مرافئ لياودونغ وداليان ورايجون، وبُنيت مصانع للصلب في أنشان وسواها. وفي عام 1934م، أطلقت شركة مانتيتسو قطار “آسيا السريع” الذي كان أسرع قطار منتظم في القارة الآسيوية آنذاك، إذ بلغت سرعته القصوى مئةً وأربعةً وثلاثين كيلومتراً في الساعة على الخط من داليان إلى شينجينغ. وبوجه عام، تحوَّلت منشوريا خلال الفترة الاستعمارية من منطقة زراعية وريفية في مجملها إلى واحدة من أكثر المناطق تصنيعاً في آسيا، حيث تركَّزت الصناعة الثقيلة من حديد وصلب وكيمياء ومنتجات عسكرية في محورَي مدينتَي شينيانغ-داليان وأنشان.
وفيما يخص السكَّان المحليين، أفرز التطوير الصناعي المتسارع بؤساً اجتماعياً موازياً. فقد استُقدم مئات الآلاف من العمال الصينيين لتشغيل المناجم والمصانع في ظروف قاسية وأجور هزيلة، بينما تمتَّع المستوطنون اليابانيون البالغ عددهم نحو مئتَين وسبعين ألفاً عام 1945م بأوضاع امتيازية وحقوق قانونية متفوِّقة. وكانت السياسة الزراعية لمنشوكو تُشجِّع على نقل المزارعين اليابانيين الفقراء من الجزر الداخلية إلى منشوريا وتوزيع أراضٍ عليهم، وهي أراضٍ كان يُنتزع كثيرٌ منها من المزارعين الصينيين والمانشوريين المحليين بموجب قوانين استيلاء استعمارية وبذرائع واهية. كذلك تمَّ حظر التجارة على الكوريين والصينيين في قطاعات معيَّنة، ومُنح التجَّار اليابانيون احتكاراً فعلياً على النشاط التجاري الكبير.
سابعاً: الوحدة 731 — أحشاء الجريمة الكبرى
تُشكِّل “الوحدة 731” الصفحة الأشدَّ ظلاماً في تاريخ الاحتلال الياباني لمنشوريا، وواحدةً من أبشع جرائم الحرب التي وثَّقها التاريخ المعاصر. أُسِّست هذه الوحدة رسمياً عام 1936م في حيِّ بينغفانغ في مدينة هاربن عاصمة منشوريا الثقافية، ومُنحت الاسم الرسمي الملتوي “قسم الوقاية من الأوبئة وتنقية المياه لجيش الكوانتونغ”، وذلك لإخفاء طابعها الحقيقي بوصفها مختبراً للحرب البيولوجية والكيميائية. كان قائدها الجنرال الطبيب شيرو إيشي عبقرياً منحرفاً أقنع القيادة العسكرية اليابانية بأن الأسلحة البيولوجية ستكون سلاح المستقبل الحاسم، وأن الحصول على نتائج حقيقية يستوجب إجراء التجارب على بشر حقيقيين.
اشتملت قاعدة الوحدة 731 في بينغفانغ على أكثر من مئة وخمسين مبنى متخصِّصاً، وكانت تتسَّع في أيِّ وقت لستِّمائة سجين للاستخدام في التجارب. وضمَّت الوحدة في أوجها نحو ثلاثة آلاف عنصر من العلماء والباحثين والعسكريين. كان الضحايا الرئيسيون لتجاربها من أسرى الحرب الصينيين والمدنيين الصينيين الذين يُختطفون من شوارع المدن المنشورية وأريافها وينقلون إلى مرافق الوحدة لاستخدامهم مواداً للتجارب، دون أيِّ أثر قانوني ودون احتمال النجاة. وكانت التجارب تشمل حقن الأسرى بمسببات الأمراض القاتلة كالطاعون الدبلي والكوليرا والغنغرينا الغازية والتيفوئيد، وإجراء عمليات جراحية حيَّة (تشريح حيٍّ) دون أيِّ تخدير، والتعريض لدرجات حرارة متطرِّفة دراسةً لتأثير الصقيع والحرق على الجسم البشري، وتجارب الضغط الانفجاري وحرمان الإنسان من الطعام والماء لأغراض قياسية.
وبالإضافة إلى التجارب المختبرية، أجرت الوحدة 731 عمليات حرب بيولوجية ميدانية على القرى الصينية وسكَّانها؛ ففي عام 1940م، أسقطت الطائرات اليابانية فوق مدينة نينغبو الصينية أكياساً من الطحين والذرة والبراغيث الموبوءة بمرض الطاعون الدبلي، مما أدَّى إلى اندلاع وباء طاعون في المدينة قضى على أعداد كبيرة من سكَّانها. وقد توسَّعت عمليات الوحدة من منشوريا لتُنشئ فروعاً في مدن صينية عديدة منها نانكينغ وبكين وغوانغتشو. وتُشير الأبحاث الأكاديمية المنشورة في المجلات الطبية إلى أن الوحدة لم تكن تُبقي أيَّ شاهد حي من ضحاياها؛ فقد كانت تُعدَم المعتقلين بعد انتهاء التجارب أو تُتيحهم لمزيد من التجارب حتى الموت. وفي اللحظات الأخيرة قبيل الهجوم السوفيتي في أغسطس 1945م، أصدرت وزارات طوكيو أوامر بإتلاف كلِّ الوثائق المُدينة، فيما أُعدم الثلاثمائة سجين المتبقِّين في المجمَّع خنقاً أو سُمَّاً أو رمياً بالرصاص لإسكات كلِّ الشهود.
وفي مفارقة تاريخية صارخة وسابقة خطيرة، قرَّرت الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب منح الحصانة من الملاحقة القضائية لكثير من علماء الوحدة 731 ولا سيما قائدها إيشي، مقابل الحصول على نتائج أبحاثهم ومعطياتهم العلمية. وكان الباحثون الأمريكيون يرون أن عقوداً من التجارب على البشر أنتجت بيانات طبية نادرة لا يمكن استعاضة عنها بالتجارب الحيوانية، فاختاروا الفائدة البحثية على حساب العدالة. بقيت جرائم الوحدة 731 طيَّ الكتمان في معظمها لعقود طويلة، ولم تعترف المحاكم اليابانية بعمليات الوحدة في الحرب البيولوجية إلا عام 2002م، فيما لم يُقرَّ اعتراف رسمي ياباني بجرائم التجارب على الإنسان حتى اليوم.
لم يكن المجمَّع مختبراً علمياً — كان مسلخاً بشرياً. كانوا يُفجِّرون المعتقلين بقنابل، ثم يُحصون أعداد الشظايا المستقرَّة في جثثهم. كانوا يُجمِّدون الأذرع والأقدام ثم يُزيلون الجلد قشراً للدراسة. لم يكن أيٌّ من الضحايا يُغادر حيَّاً. كان يُلقَّب بـ”مارنتا” أي “اللقطاء” لإخفاء هويَّتهم، ولكنهم كانوا أُناساً عاديين اختُطفوا من قارعة الطريق.
— هيدو شيميزو، عضو في فيلق شباب الوحدة 731، في شهادة علنية أدلى بها عام 2025م إثر زيارته قاعة الأدلة في هاربن، نقلاً عن: Warfare History Network, 2026
ثامناً: المقاومة الصينية والمنشورية — الجبهة الداخلية ضد المحتل
لم تُقابَل الغارة اليابانية على منشوريا بالصمت المطبق؛ ففور انهيار خطوط المقاومة النظامية الصينية — التي أُمرت بعدم القتال — تشكَّلت جبهة مقاومة شعبية موزَّعة لجأت إلى حرب العصابات في الغابات والجبال والسهول المنشورية الشاسعة. وقد أشار تقرير الاحتلال الياباني الصادر عن البريطاني ليتون نفسه إلى وجود حركات مسلَّحة واسعة ضد اليابانيين، حتى وصف منشوريا بأنها ليست بلداً هادئاً تحت حكم حكومة وطنية بل منطقة مشتعلة بالتمرُّد. كان المقاومون ينتمون إلى تيارات متباينة: جنود من الجيش الصيني المنظَّم رفضوا الاستسلام وواصلوا القتال تحت قيادات مستقلة، وميليشيات شعبية من مزارعين وحرفيين نظَّموا أنفسهم للدفاع عن قراهم، وشيوعيون صينيون نظَّمتهم الخلايا السياسية السرِّية، وبين أبرز قادة هذه المرحلة الشابُّ كيم إيل سونغ الكوري الذي قاتل في صفوف المقاومة الشيوعية الصينية في منشوريا قبل أن يُصبح لاحقاً مؤسِّس كوريا الشمالية.
قابلت اليابان هذه المقاومة بحملات قمع عسكرية منهجية وغاشمة؛ فأُقيمت “قرى التجمُّع” القسرية التي نُقل إليها السكَّان الريفيون قسراً لعزلهم عن المقاومين وقطع خطوط إمدادهم بالطعام والمعلومات، وهو أسلوب لم يختلف جوهرياً عمَّا مارسه البريطانيون في حرب البوير أو سيمارسه الأمريكيون لاحقاً في فيتنام تحت مسمَّى “القرى الاستراتيجية”. وقد تميَّزت الاستجابة اليابانية للمقاومة بوحشية موثَّقة في مصادر يابانية داخلية نفسها؛ إذ وصفت تقارير سرِّية ليابانية لعمليات “السكَّين” (Sankō Sakusen أو ثلاثة الأضواء) الجهات اليابانية بمصادرة المحاصيل وإحراق القرى وذبح السكَّان في مناطق المقاومة النشطة. وبحلول الأربعينيات، وفي خضمِّ تصاعد الحرب الصينية-اليابانية الشاملة التي اندلعت عام 1937م، تراجعت فاعلية المقاومة المنشورية المسلَّحة لكنها لم تنطفئ تماماً، ليُعاد إشعالها بصورة مختلفة عبر الشبكات التنظيمية الشيوعية التي ستُثمر أدوارها مع قرب نهاية الحرب.
تاسعاً: منشوريا قنطرةً نحو الحرب الكبرى — الامتداد الاستراتيجي للاحتلال
كان الاحتلال الياباني لمنشوريا أبعد من كونه نزاعاً إقليمياً محلياً؛ كان الخطوة الأولى في مسار توسُّعي أدَّى في نهاية المطاف إلى الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ. فقد وفَّرت منشوريا لليابان قاعدة استراتيجية عملاقة تمتدُّ على أكثر من مليون وثلاثمائة ألف كيلومتر مربع، تُمكِّن الجيش الياباني من الانطلاق نحو شمال الصين وداخل آسيا. وقد اعترف وزير الحرب الياباني السابق جيرو ميناميي صراحةً بأن “احتلال منشوريا أتاح للجيش بناء قاعدة انطلاق تُمكِّنه من شنِّ هجمات عسكرية على الصين والاتحاد السوفيتي على حدٍّ سواء”. وقد جرت تلك الهجمات بالفعل، ففي عام 1937م استخدمت القوات اليابانية منشوريا قاعدةً خلفية للانطلاق نحو الغزو الشامل لشمال الصين الذي أشعل فتيل الحرب الصينية-اليابانية الثانية الشاملة.
وعلى الصعيد السوفيتي، أدَّت منشوريا دوراً محورياً في الصراع الحدودي الياباني-السوفيتي؛ فقد اندلعت على حدود منشوريا ومنغوليا الخارجية مناوشات عسكرية حادَّة تصاعدت لتبلغ ذروتها في معارك خالخين غول (نومونهان) في صيف 1939م، حيث هزمت القوات السوفيتية بقيادة الجنرال جوكوف جيشَ الكوانتونغ هزيمةً مُوجعة أسهمت في دفع اليابان نحو التوسُّع جنوباً في المحيط الهادئ بدلاً من التوجُّه شمالاً نحو الأراضي السوفيتية. وقد رصد الباحثون الأكاديميون أن نتيجة نومونهان كان لها دور في القرار الياباني بمهاجمة بيرل هاربر بدلاً من مهاجمة الاتحاد السوفيتي عام 1941م. كذلك كانت منشوريا المنطقة الخلفية التي استمرَّ الجيش الياباني في تعزيزها بالبنية التحتية الصناعية والعسكرية طوال سنوات الحرب، حتى بلغت قوَّة جيش الكوانتونغ قبيل الهجوم السوفيتي نحو مليون جندي.
عاشراً: عاصفة أغسطس — النهاية المدوِّية للاحتلال
في التاسع من أغسطس 1945م، وبعد ساعات قليلة من إلقاء القنبلة الذرية على ناغازاكي وثلاثة أيام بعد هيروشيما، أطلق الاتحاد السوفيتي الهجوم العسكري الأضخم في المسرح الآسيوي للحرب العالمية الثانية، والذي عُرف بـ”العملية الاستراتيجية الهجومية المنشورية” أو “عاصفة أغسطس”. دفعت موسكو بأكثر من مليون وخمسمائة ألف جندي منظَّمين في ثلاث جبهات: جبهة ترانس-بايكال من الغرب والشمال الغربي عبر جبال خنغان الكبرى التي كانت اليابانيون يعدُّونها حاجزاً طبيعياً لا يُخترق، وجبهة الشرق الأقصى الأولى من الشرق، وجبهة الشرق الأقصى الثانية من الشمال.
كان جيش الكوانتونغ في حالة يُرثى لها عسكرياً بحلول صيف 1945م؛ فقد سحبت القيادة اليابانية أفضل فرقه ومعظم معداته الثقيلة لتحويلها إلى مسرح المحيط الهادئ، ليحلَّ محلَّها مجنَّدون حديثو التدريب ومعدَّات من طرازات ثلاثينيات القرن الماضي. لذا، حين انهالت القوَّات السوفيتية بفرقها المدرَّعة المعرَّكة التي خاضت معارك الجبهة الشرقية الأوروبية ضدَّ الألمان، كانت الطلقات اليابانية المضادَّة للدروع تتناثر عن جانبي الدبَّابات السوفيتية دون أن تُخترق. وفي غضون أيام قليلة، تقدَّمت القوَّات السوفيتية مئات الكيلومترات في عمق منشوريا، قاطعةً خطوط الإمداد وعازلةً الفرق اليابانية عن بعضها البعض. وفي الخامس عشر من أغسطس 1945م، أذاع الإمبراطور هيروهيتو قبوله ببنود إعلان بوتسدام، لكن المعارك استمرَّت في بعض المواقع المنشورية حتى التاسع عشر من أغسطس حين أصدر قائد جيش الكوانتونغ الجنرال ياماداً أمره بالاستسلام الشامل.
وكان من أبرز المشاهد الدرامية في الأيام الأخيرة للاحتلال أسر الإمبراطور الدمية بويي نفسه من قِبَل القوَّات السوفيتية، وإرساله أسيراً إلى الاتحاد السوفيتي حيث مكث خمس سنوات قبل أن يُسلَّم إلى جمهورية الصين الشعبية عام 1950م ليخضع لبرنامج مكثَّف من إعادة التثقيف، ويُفرج عنه في نهاية المطاف عام 1959م ليعيش ما تبقَّى من حياته مواطناً عادياً في بكين، واصفاً في مذكِّراته المثيرة “نصف حياتي” تفاصيل دوره الدمية المُذلِّة ولحظة شعوره بالحرِّية الحقيقية حين سقط المحتلُّون عنه. أسفرت “عاصفة أغسطس” عن أسر ما بين خمسمائة وأربعة وتسعين ألفاً وستمائة وتسعة آلاف جندي ياباني نُقلوا إلى معسكرات العمل السوفيتية في سيبيريا، حيث لقي كثيرون منهم حتفهم في ظروف قاسية.
حادي عشر: إرث الاحتلال — منشوريا في تشكيل الحرب الباردة الآسيوية
انتهى الاحتلال الياباني لمنشوريا لكن عواقبه المتشعِّبة استمرَّت في تشكيل وجه آسيا لعقود. فقد أسفر الانسحاب السوفيتي المتقطِّع من منشوريا عام 1946م عن واقعة ذات أثر تاريخي بالغ: تركت القوَّات السوفيتية في أيدي جيش ماو تسيتونغ الشيوعي كميَّات ضخمة من الأسلحة والمعدَّات اليابانية المستولى عليها، وأتاحت له السيطرة على مناطق ريفية منشورية واسعة. وقد أعطى ذلك الشيوعيين الصينيين أفضلية عسكرية حاسمة في الحرب الأهلية الصينية ضدَّ قوَّات القوميين بقيادة تشيانغ كاي شيك، وأسهم إسهاماً مادياً في انتصار الشيوعيين عام 1949م وقيام جمهورية الصين الشعبية. وبذلك يمكن القول إن إرث حادثة موكدن 1931م لم يتوقَّف عند حدود منشوريا، بل امتدَّ عبر سلسلة من التداعيات المتشابكة ليُسهم في تحديد ملامح آسيا في مرحلة الحرب الباردة برمَّتها.
وعلى الصعيد الصيني-الياباني، ظلَّ الاحتلال الياباني لمنشوريا والجرائم المرافقة له — ولا سيما جرائم الوحدة 731 — محوراً دائماً للتوتُّر بين البلدين. تعترف اليابان اعترافاً جزئياً بما جرى في منشوريا، غير أن الطريقة التي تُدرَّس بها تلك الحقبة في المناهج الدراسية اليابانية تبقى مصدر خلاف دوري في العلاقات الثنائية. وفي المقابل، تُشكِّل ذاكرة الاحتلال في الخطاب الوطني الصيني الرسمي ركيزةً محوريةً في تعزيز الهوية الوطنية، وفي الحفاظ على ما يصطلح المؤرخون الصينيون على تسميته “وعي الإذلال القومي” الذي يُعدُّ أحد العوامل المتشابكة في تشكيل السلوك الاستراتيجي الصيني المعاصر. ولا يزال تحديد الأرقام الدقيقة لضحايا الاحتلال وعملياته رهيناً بجدل أكاديمي وسياسي لم يُحسم، وإن كان الإجماع العلمي يُقرُّ بأن الثمن الإنساني الذي دفعه الشعب الصيني في منشوريا كان هائلاً يُحسب بمئات الآلاف بين قتيل وضحية لتجارب الوحدة 731 ومُشرَّد وعامل في ظروف قاسية.
ويظلُّ درس منشوريا حاضراً بقوَّة في دراسات العلاقات الدولية والقانون الدولي؛ إذ يُقدِّم نموذجاً كلاسيكياً على إفلاس آليات الضغط الدبلوماسي حين تواجه قوَّةً كبرى مصمِّمة على التوسُّع العسكري، وعلى الخطر البالغ الذي ينجم عن السماح بعدوان أوَّل يُؤسِّس سابقةً تُجرِّئ على عدوان أشمل وأشد. وفي هذا السياق، لا يُعدُّ الاحتلال الياباني لمنشوريا مجرَّد حدث صيني-ياباني محلِّي، بل حلقةً مفصلية في سلسلة أحداث أدَّت إلى أشدِّ حروب التاريخ دمويَّةً.