يُمثِّل الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910-1945م) واحدةً من أكثر التجارب الاستعمارية قسوةً وعمقاً في تاريخ القرن العشرين، وأشدِّها تأثيراً في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الوطنية لشعب يمتدُّ تاريخه الحضاري المتَّصل لأكثر من خمسة آلاف سنة. خلال خمسة وثلاثين عاماً من الهيمنة الإمبراطورية اليابانية، خضعت كوريا — التي أُطلق عليها الاسم الياباني “تشوسن” — لمنظومة متكاملة من القمع السياسي والاستغلال الاقتصادي والمحو الثقافي الممنهج، استهدفت في جوهرها تفتيت الشخصية الكورية وذوبانها نهائياً في الهوية اليابانية الإمبراطورية الكبرى. وقد جرى هذا كله في ظل بنية قانونية مثيرة للجدل، إذ يرى كثير من المؤرخين والحقوقيين أن معاهدات الضمِّ ذاتها كانت باطلة شكلاً ومضموناً، نظراً لكونها أُبرمت تحت وطأة الإكراه العسكري والتهديد المباشر.
بدأت مقدِّمات الاستعمار الياباني مبكِّرةً منذ فرض معاهدة كانغهوا عام 1876م التي أجبرت كوريا على فتح موانئها أمام التجارة اليابانية، ثم تصاعدت الضغوط بعد انتصار اليابان على الصين في الحرب الصينية-اليابانية الأولى (1894-1895م) وعلى روسيا في الحرب الروسية-اليابانية (1904-1905م)، حتى كُلِّلت بمعاهدة أولسا (إيلسا) عام 1905م التي حوَّلت كوريا إلى محمية يابانية. وفي الثاني والعشرين من أغسطس 1910م، وُقِّعت معاهدة الضمِّ الرسمية التي نقلت السيادة الكورية كليًّا إلى الإمبراطورية اليابانية، لتفتح بذلك حقبة من أمضِّ الجراح في الوجدان الكوري. وقد أقام اليابانيون في كوريا نظاماً استعمارياً محكماً يمنح الحاكم العام — الذي كان دائماً ضابطاً عسكرياً رفيعاً يعيِّنه الإمبراطور الياباني شخصياً — صلاحيات مطلقة تشريعية وقضائية وتنفيذية لا رقيب عليها.
وعلى مدى الحقبة الاستعمارية، مرَّ الكوريون بمراحل متباينة من أساليب السيطرة الاستعمارية؛ فمن الحكم العسكري المباشر الصارم في المرحلة الأولى (1910-1919م)، إلى مرحلة “الحكم الثقافي” التي جاءت استجابةً لثورة الأول من مارس 1919م الشعبية الكبرى، ثم إلى مرحلة التعبئة الحربية الكاملة (1931-1945م) التي بلغ فيها القمع ذروته وتجلَّى في إلغاء اللغة الكورية من التعليم وإجبار الكوريين على تبنِّي أسماء يابانية وتجنيدهم قسراً في المصانع والمناجم والجبهات القتالية. وفي سياق الحرب العالمية الثانية، ارتكبت اليابان جريمة العبودية الجنسية الممنهجة، إذ أرغمت ما بين ثمانين ألفاً ومئتي ألف امرأة، غالبيتهن من كوريا، على الخدمة في بيوت الدعارة العسكرية المعروفة بـ”نساء المواساة”، في إحدى أفظع انتهاكات حقوق الإنسان في التاريخ الحديث.
وفي الخامس عشر من أغسطس 1945م، مع إعلان اليابان استسلامها غير المشروط أمام قوات الحلفاء، نالت كوريا حريتها من الاستعمار الياباني، إلا أن الاحتفال بالتحرُّر كان قصير الأمد؛ فسرعان ما تقاسمت القوتان العظميتان — الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي — الجزيرة الكورية عند خط العرض الثامن والثلاثين كمناطق احتلال منفصلة، وهو ما أرسى الأسس لتقسيم كوريا إلى شطرين: شمالي وجنوبي، ومهَّد لحرب كورية مدمِّرة لم تضع أوزارها حتى اليوم بمعنى إبرام معاهدة سلام رسمية. ويظل إرث الاستعمار الياباني حاضراً بقوة في السياسة والذاكرة والهوية الكورية، وفي العلاقات اليابانية-الكورية التي لا تزال تعاني من ندوب تلك الحقبة المُرَّة.
| الاحتلال الياباني لكوريا | |
| المعلومات العامة | |
| الاسم الرسمي | تشوسن (조선 / 朝鮮) — كوريا في ظل الحكم الياباني |
| الحقبة الزمنية | 29 أغسطس 1910م – 15 أغسطس 1945م (35 عاماً) |
| الدولة المستعمِرة | الإمبراطورية اليابانية |
| الإقليم المُستعمَر | شبه الجزيرة الكورية (نحو 220,847 كم²) |
| العاصمة الاستعمارية | كيجو (京城 — سيول حالياً) |
| عدد السكان (1940م) | نحو 23.5 مليون نسمة |
| المراحل والمعاهدات الكبرى | |
| معاهدة كانغهوا | 1876م — فتح الموانئ الكورية أمام اليابان |
| معاهدة شيمونوسيكي | 1895م — انسحاب الصين من كوريا |
| اتفاقية تافت-كاتسورا | 1905م — اعتراف أمريكي بالهيمنة اليابانية على كوريا |
| معاهدة أولسا (الحماية) | 17 نوفمبر 1905م — تحويل كوريا إلى محمية يابانية |
| معاهدة الضمِّ الرسمية | 22 أغسطس 1910م (نُفِّذت 29 أغسطس) |
| ثورة الأول من مارس | 1919م — أكبر انتفاضة شعبية ضد الاحتلال |
| تحرير كوريا | 15 أغسطس 1945م (يوم التحرُّر) |
| تقسيم شبه الجزيرة | خط العرض 38 — أغسطس 1945م |
| الحكَّام العامون البارزون | |
| أول حاكم عام | الجنرال تيراوتشي ماساتاكي (1910-1916م) |
| حاكم مرحلة الإصلاح | الأدميرال سايتو ماكوتو (1919-1927م، 1929-1931م) |
| آخر حاكم عام | الجنرال آبي نوبويوكي (1944-1945م) |
| إحصاءات الجرائم الكبرى | |
| ضحايا ثورة مارس 1919م | نحو 7,500 قتيل، 46,000 معتقل، 16,000 مصاب |
| نساء المواساة (العبودية الجنسية) | 80,000 – 200,000 امرأة (أغلبهن من كوريا) |
| العمال المُرحَّلون قسراً | نحو 5-7 ملايين كوري (للعمل في اليابان وخارجها) |
| نسبة الناجيات من نساء المواساة | لا تتجاوز 10% (تقديرات الأمم المتحدة) |
| الإرث والتداعيات | |
| التقسيم | كوريا الشمالية (سوفيتية) وكوريا الجنوبية (أمريكية) |
| الحرب الكورية | 1950-1953م (ناجمة جزئياً عن إرث التقسيم) |
| اعتراف ياباني رسمي | بيان كونو 1993م (العبودية الجنسية)، إعلان مورايامي 1995م |
| يوم التحرُّر (الاحتفال الوطني) | 15 أغسطس من كل عام في كوريا الجنوبية والشمالية |
أولاً: كوريا قبيل الاستعمار — الخلفية التاريخية والحضارية
تُعدُّ شبه الجزيرة الكورية واحدةً من أعرق البيئات الحضارية في منطقة شرق آسيا، إذ تتَّكئ على تاريخ موصول يمتد لآلاف السنين من الاستيطان البشري المتواصل وبناء الكيانات السياسية المتعاقبة. وقد بلغت كوريا ذروة توحُّدها السياسي في عهد سلالة جوسيون (1392-1897م) التي أرست نظاماً حكومياً كونفوشيوسياً متطوِّراً وصنَّفت مجتمعها وفق هرمية طبقية صارمة، ورعت إنجازات ثقافية بارزة أهمها اختراع نظام الكتابة الكورية “هانغيول” عام 1443م على يد الملك الحكيم سيجونغ الكبير، الذي أراد بهذا الحرف تمكين الشعب من الأمية وتيسير التعليم والتواصل. وفي ظل سلالة جوسيون، طوَّر الكوريون تقاليد فكرية وأدبية وفنية ثرية، وبنوا نظاماً بيروقراطياً قائماً على الاختبارات العلمية، وأقاموا علاقات دبلوماسية مع الصين في إطار نظام المساواة الاسمية والتبعية الفعلية.
غير أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر حمل معه توترات وجودية جديدة؛ إذ وجدت كوريا — التي أُطلق عليها الغرب وصف “المملكة المنعزلة” — نفسها في قلب تنافس استراتيجي حاد بين ثلاث قوى إقليمية وعالمية: الصين القاجارية التي كانت تطالب بتبعية كوريا الكونفوشيوسية التاريخية، وروسيا القيصرية الساعية إلى بسط نفوذها نحو المياه الدافئة في المحيط الهادئ، واليابان الميجية الناهضة التي أعلنت منذ إعلان الميجي عام 1868م عن طموحاتها في التحديث والتوسُّع الإمبريالي على غرار القوى الغربية. وكان الكوريون أنفسهم منقسمين بين جناحين: تيار محافظ يؤيِّد الارتباط بالصين ومقاومة التحديث الغربي، وتيار إصلاحي يسعى إلى الاستقلال الفعلي والانفتاح على الحداثة.
وقد نسفت الحرب الصينية-اليابانية الأولى (1894-1895م) التوازن الإقليمي القائم نسفاً تاماً؛ فانتزعت اليابان المنتصِرة بموجب معاهدة شيمونوسيكي الاعترافَ الصيني بـ”استقلال كوريا”، مُنهيةً بذلك ادِّعاء بكين بالوصاية على سيول ومفسحةً المجال أمام الهيمنة اليابانية المتنامية. وفي أعقاب تلك المرحلة، اغتال عملاء يابانيون الملكة الكورية مين عام 1895م في قلب القصر الملكي ذاته، في عملية بالغة الوقاحة كشفت مدى الاستهانة اليابانية بالسيادة الكورية. وقد ردَّ الملك غوجونغ على ذلك بالفرار إلى السفارة الروسية وإعلان المملكة الكورية إمبراطوريةً مستقلة عام 1897م في محاولة لتجاوز منطق التبعية الكونفوشيوسية والتمسُّك بالسيادة في مواجهة الأطماع اليابانية، وهو مسعى أثبت الواقع عقمه إزاء القوة الصاعدة من طوكيو.
ثانياً: طريق الاستعمار — المعاهدات والحماية والضمُّ (1876-1910م)
شكَّلت الحرب الروسية-اليابانية (1904-1905م) منعطفاً حاسماً وحاداً في مصير كوريا؛ إذ فرضت اليابان على كوريا في بداية تلك الحرب — رغم إعلان الأخيرة الحياد — السماح للقوات اليابانية بالعبور عبر أراضيها واستخدام موانئها قاعدةً للعمليات العسكرية. وبانتصار اليابان الساحق على روسيا وتوقيع معاهدة بورتسموث التي كرَّست الهيمنة اليابانية على كوريا دون منازع، شرعت طوكيو في تحويل كوريا إلى محمية رسمية تحت قيادتها. وقد جاء ذلك على خلفية اتفاقية تافت-كاتسورا السرية المبرمة في يوليو 1905م بين الولايات المتحدة واليابان، والتي تبادلت فيها واشنطن الاعترافَ الصريح بالهيمنة اليابانية على كوريا مقابل الاعتراف الياباني بالسيطرة الأمريكية على الفلبين، فاكتمل بذلك الإطار الدولي الذي ترك كوريا وحيدةً في مواجهة قدرها المحتوم.
في نوفمبر 1905م، أُنجز التحوُّل الرسمي الكبير بإبرام معاهدة أولسا (أو إيلسا) التي سلبت كوريا استقلالها الدبلوماسي وجعلتها محميةً يابانية خاضعة لمقيم ياباني عام يتمتَّع بسلطة عليا على السياسة الخارجية والكثير من الشؤون الداخلية. وكان المقيم الأول والأبرز إيتو هيروبومي، المحنَّك السياسي الياباني الذي آمن بأن استيعاب كوريا يجب أن يجري تدريجياً لا بالعنف الفوري. وقد أرسل الإمبراطور الكوري غوجونغ مبعوثين سريين إلى مؤتمر لاهاي للسلام عام 1907م للطعن في شرعية تلك المعاهدة أمام المجتمع الدولي، فلم يُسمح لهم بالمشاركة، فكان ردُّ اليابانيين إجبار الإمبراطور على التنازل عن العرش لصالح ولي عهده يونسوندونغ، ثم حلَّوا الجيش الكوري وانتزعوا السيطرة على الإدارة الداخلية.
في الثاني والعشرين من أغسطس 1910م، وقَّع رئيس الوزراء الكوري يي وان-يونغ — الذي صار رمزاً للخيانة الوطنية في الذاكرة الكورية — مع الجنرال الياباني تيراوتشي ماساتاكي معاهدةَ الضمِّ النهائية التي نصَّت في مادتها الأولى على: “يتنازل جلالة الإمبراطور الكوري تنازلاً كاملاً ودائماً لجلالة إمبراطور اليابان عن كامل حقوق السيادة على كوريا”. وأُعلنت المعاهدة رسمياً في التاسع والعشرين من أغسطس 1910م، فانتهت كوريا بموجبها دولةً مستقلة، وصار شعبها — المؤلَّف من حضارة عريقة راسخة الجذور — رعايا في الإمبراطورية اليابانية تحت التسمية الرسمية “تشوسن”. وقد رفض المجتمع الدولي بأغلبيته حينئذٍ الطعن في شرعية تلك المعاهدة، في دليل صارخ على أن منطق القوة كان يطغى على أي اعتبار قانوني أو أخلاقي في سياق تنافس القوى الإمبريالية الكبرى مطلع القرن العشرين.
ثالثاً: مرحلة الحكم العسكري الصارم (1910-1919م)
منذ الساعات الأولى للاحتلال الرسمي، أقام اليابانيون في كوريا نظاماً استعمارياً من أشدِّ الأنظمة مركزيةً وعسكريةً في تاريخ الاستعمار الحديث. كان الحاكم العام لتشوسن — وهو لقب الجهاز الإداري الاستعماري — يتمتَّع بصلاحيات لا حدود لها؛ فهو المُشرِّع والقاضي والقائد العسكري والمسؤول التنفيذي في آنٍ معاً، ولا يخضع إلا للإمبراطور الياباني مباشرةً. وقد حرمت الإدارة الاستعمارية الكوريين من حقوق أساسية شاملة: حرية التجمُّع والتنظيم السياسي والصحافة والتعبير والتقاضي المستقل. وجرى حلُّ الأحزاب السياسية الكورية جميعها وإغلاق الصحف الكورية بصورة شبه كاملة، فيما نشرت الإدارة اليابانية شبكةً من الشرطة الجندرمية (헌병경찰/Gendarmerie) التي بسطت رقابتها الحديدية على كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية، وكان للشرطة الجندرمية صلاحية إصدار أحكام قضائية ميدانية والقيام بعمليات عسكرية دون إذن قضائي مسبق.
على الصعيد الاقتصادي، أجرت الإدارة الاستعمارية مسحاً شاملاً للأراضي بين عامَي 1910م و1918م أُعلن أن غايته تحديث سجلات الملكية وتطوير الزراعة، غير أن نتيجته الفعلية كانت مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الكورية. فبحسب هذا المسح، كل أرض غير مسجَّلة بوثائق ملكية قانونية رسمية يُعدُّها الياباني ملكاً للدولة الاستعمارية. وبما أن النظام الكوري التقليدي كان يعتمد على حقوق ملكية مجتمعية وعرفية بدون وثائق رسمية، فقد أتاح ذلك مصادرة نسبة كبيرة من أراضي الفلاحين الكوريين وتحويلها إلى شركة تطوير كوريا اليابانية أو توزيعها على المستوطنين اليابانيين. وقد أفضى ذلك إلى موجة واسعة من تفقير الفلاحين الكوريين وتشريدهم، ليتحوَّل كثيرون منهم إلى مستأجرين في أراضٍ كانوا يملكونها أجيالاً.
وعلى الصعيد الثقافي والتعليمي، استهدفت الإدارة الاستعمارية منذ البداية تشويه الهوية الكورية وإحلال الهوية اليابانية مكانها. فأُغلقت المدارس الخاصة التي لا تستوفي معايير المناهج اليابانية، وأُخضع نظام التعليم لمناهج تُكرِّس تعلُّم اللغة اليابانية بوصفها اللغة الرئيسية، وتُهمِّش التاريخ والثقافة الكوريين بل تحذفهما في أحيان كثيرة. وصارت اللغة اليابانية لغةَ الإدارة والقضاء والتعليم الرسمي، بينما أُشيعت في المقابل فكرة أن الكوريين شعب دون وتحضُّره مشروط بذوبانه في الحضارة اليابانية الأرقى — وهو الخطاب الاستعماري الكلاسيكي الذي تكرَّر في كثير من التجارب الاستعمارية الحديثة. وكانت مصادرة الكتب والوثائق التاريخية الكورية وإحراقها أداةً من أدوات هذا المشروع الممنهج لمحو الذاكرة الجمعية.
رابعاً: ثورة الأول من مارس 1919م — سامِيل أوندونغ
في الأول من مارس عام 1919م، انفجر الغضب الكوري المكبوت المتراكم على مدى تسع سنوات من الاحتلال في أعظم حركة احتجاجية شعبية في تاريخ كوريا المعاصر. كانت الظروف الدولية قد هيَّأت للحظة السياسية؛ فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أطلق الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مبادئه الأربعة عشر التي نصَّت على مبدأ “تقرير المصير” للشعوب، وأضرمت تلك الفكرة في القلوب الكورية جذوةً من الأمل. كما أسهم مؤتمر باريس للسلام (1919م) في حثِّ الكوريين على رفع مطالبهم للمجتمع الدولي، وأرسلوا فعلاً مندوبين إلى باريس حاولوا التعريف بقضيتهم، وإن أخفقوا في الحصول على أي دعم رسمي من القوى الغربية المنشغلة بمصالحها الخاصة.
وأضافت وفاة الإمبراطور الكوري المخلوع غوجونغ في يناير 1919م — في ظروف أشارت الأوساط الكورية إلى احتمال تسمُّمه — شرارةً عاطفية وطنية حادة إلى مشاعر التذمُّر المتراكمة. وتحت ستار تحضيرات مراسم الجنازة، تشاور قادة الحركة الوطنية في السرِّ ودرسوا أمر الانتفاضة. جمع الأنشطةَ التحضيرية ثلاثةٌ وثلاثون زعيماً دينياً وثقافياً من مختلف التيارات — خمسة عشر من الديانة الكوندوكيو وستة عشر من البروتستانت وعدد من البوذيين — صاغوا معاً “إعلان الاستقلال الكوري” المستوحى في بعض بنوده من “إعلان الاستقلال الأمريكي”، وطبعوا منه واحداً وعشرين ألف نسخة وزَّعوها سراً في أرجاء البلاد.
في فجر الأول من مارس 1919م، قرأ ممثلو الزعماء الثلاثة والثلاثين إعلانَ الاستقلال في حديقة تابغول وفي مطعم تيهواغوان بسيول، ثم انتشرت الأخبار كالبرق وتدفَّقت الجموع إلى الشوارع في مشهد غير مسبوق. ولعلَّ أبلغ ما في تلك اللحظة التاريخية أن المحتجِّين اختاروا طريق المقاومة السلمية، إذ رفعوا أيديهم وهتفوا بالكورية: “مانسيه!” (Manse) أي “عاشت كوريا عشرة آلاف سنة!” ورفضوا العنف المضادَّ حتى حين هاجمتهم الشرطة اليابانية. امتدَّت الاحتجاجات على مدى اثني عشر شهراً متواصلة، وبلغ مجموع المظاهرات أكثر من ألف وخمسمائة تجمُّع، اشترك فيها ما يُقدَّر بمليونَي كوري في أرجاء البلاد.
وكان ردُّ السلطات الاستعمارية اليابانية وحشياً بكل المقاييس؛ إذ قُتل نحو سبعة آلاف وخمسمائة محتجٍّ، وجُرح ستة عشر ألفاً آخرون، واعتُقل ما يقارب ستة وأربعين ألف شخص، أُحيل عشرة آلاف منهم إلى المحاكم. وكان من أبرز ما رسَّخ صورة الوحشية الاستعمارية اليابانية في الوجدان الكوري حادثةُ قرية جيامري في منطقة سوون، حيث جمعت الشرطة اليابانية القرويين في كنيسة محلية وأشعلت فيها النار، فأحرقت من بداخلها أحياء. كما غدت ناشطة الاستقلال يو غوانسون — التي كانت طالبةً في السادسة عشرة من عمرها حين اعتُقلت وتعرَّضت للتعذيب في سجن سيودايمون وماتت جرَّاء تعذيبها عام 1920م — أيقونةً وطنية لا يزال ذكرها حياً حتى اليوم.
وعلى الرغم من فشل الثورة في انتزاع الاستقلال، فإنها حقَّقت نتائج بالغة الأهمية على أصعدة متعددة: وحَّدت الكوريين في وجدان وطني مشترك يتجاوز الحواجز الطبقية والجهوية والدينية، وأثارت اهتماماً دولياً بالقضية الكورية، وألزمت اليابان بإجراء تعديلات ولو جزئية على أسلوب حكمها. كما أسفرت عن تأسيس الحكومة الكورية المؤقتة في المنفى بشنغهاي في أبريل 1919م، برئاسة سينغمان ري، التي حافظت على شعلة الحركة الاستقلالية حيَّةً طوال سنوات الاحتلال. وفي كوريا الجنوبية المعاصرة، يُحتفى بيوم الأول من مارس عيداً وطنياً رسمياً يُعاد فيه تمثيل قراءة إعلان الاستقلال كل عام في حديقة تابغول.
“كان الكوريون قد اختاروا اللاعنف أساساً لحركتهم الاستقلالية لسببين رئيسيين: أولاً، لأن القوات اليابانية المسلَّحة بأسلحة حديثة كانت منتشرةً في كل ربوع البلاد، وكان الثورة المسلَّحة ضرباً من الانتحار. وثانياً، لأن أيديولوجيا اللاعنف كانت مستمَدَّةً من المبادئ الدينية المسيحية وتجربة غاندي في مقاومة البريطانيين في الهند. وقد أثبت الكوريون بذلك نضجاً سياسياً نادراً في مواجهة الطغيان.”
— Korean Quarterly، مجلة الشتاء 2011م، في مقال تحليلي لحركة سامِيل 1919م
خامساً: مرحلة “الحكم الثقافي” والقمع المُقنَّع (1919-1931م)
في أعقاب صدمة ثورة مارس 1919م التي كشفت بجلاء عمق الغضب الشعبي الكوري وحجم الأزمة التي يواجهها النموذج الاستعماري الياباني، اضطرَّت طوكيو إلى مراجعة أساليبها الإدارية في شبه الجزيرة. عيَّن الإمبراطور الياباني المقيمَ العام الجديد الأدميرال سايتو ماكوتو حاكماً عاماً (1919-1927م) وكلَّفه بتطبيق ما أُطلق عليه “سياسة الحكم الثقافي” (文化政治 / Munhwa Tongchi)، التي روَّجت ليابان وادٍّ ومتحضِّرة تضع مصلحة الكوريين في صميم اهتمامها. وعلى صعيد الإجراءات الشكلية، جرى استبدال الشرطة العسكرية (الجندرمية) بشرطة مدنية، وأُتيح قدر محدود من الصحافة الكورية وبعض المنظمات الثقافية والتعليمية.
بيد أن هذا التحوُّل الشكلي لم يمسَّ جوهر الاستعمار قيد أنملة؛ فقد ظلَّ الحاكم العام يمتلك صلاحيات مطلقة، وظلَّت الرقابة الصارمة سيفاً مسلطاً على كل نشاط سياسي أو ثقافي لم يُصرح به مسبقاً. وسرعان ما تبيَّن أن الصحافة الكورية المسموح بها لا تستطيع نشر ما يمسُّ الحكم الياباني، وأن المنظمات الثقافية مراقَبة بصرامة ومعرَّضة للحلِّ الفوري عند أقل شبهة. كما واصلت الإدارة الاستعمارية في تلك المرحلة سياستها في نقل المستوطنين اليابانيين إلى شبه الجزيرة، وتوسيع المصالح الاقتصادية اليابانية عبر الشركات الكبرى التي استحوذت على القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية. وعلى الصعيد الثقافي، استمرَّت مناهج التعليم الياباني في تكريس دونية الثقافة الكورية وتمجيد الثقافة والهوية اليابانية.
في تلك المرحلة، تصاعد الوعي القومي الكوري في أوساط المثقفين والطلاب وحمل طابعاً ثقافياً متميِّزاً؛ فبرزت حركات لإحياء الأدب الكوري والموسيقى الكورية وصون التراث اللغوي والتاريخي في مواجهة مساعي التيبن الإجبارية. وأسَّس عدد من المثقفين الكوريين “الجمعية الكورية للبحث اللغوي” عام 1921م لتوثيق قواعد اللغة الكورية ومعجمها، في ما كان في حقيقته فعلاً سياسياً بامتياز يحمي اللغة من الإبادة المُتقصَّدة. كذلك نشطت حركات استقلالية في الخارج: في شنغهاي حيث تمركزت الحكومة المؤقتة، وفي الأراضي السيبيرية والصينية الشمالية التي آوت المجاهدين الكوريين المسلَّحين. وقد تشكَّلت في تلك المرحلة أيضاً جمعيات شيوعية كورية جزئياً من رحم إخفاق ثورة مارس، وبدأت في التنظيم السري للمقاومة ضد الاحتلال من منطلق أيديولوجي مختلف.
سادساً: مرحلة التعبئة الحربية الكاملة — أقسى سنوات الاحتلال (1931-1945م)
مع اجتياح اليابان لمنشوريا عام 1931م وتصاعد طموحاتها الإمبريالية نحو الهيمنة على آسيا بأسرها، دخل الاحتلال الياباني لكوريا مرحلته الأشد وطأةً وأمضاها ألماً في التجربة الإنسانية الكورية. فتحوَّلت شبه الجزيرة من مستعمرة ذات وظيفة اقتصادية-زراعية بحتة إلى قاعدة إمداد لوجستي وبشري لدعم المغامرات العسكرية اليابانية المتنامية في الصين وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ. وفي هذا الإطار، أُطلق نظام “التعبئة الوطنية الكاملة” عام 1938م الذي أخضع كل مواطن في الإمبراطورية — ومنهم الكوريون — لخدمة الماكينة الحربية اليابانية.
على الصعيد الثقافي، بلغت سياسة الاستيعاب القسري ذروتها في مرحلة الحرب من خلال جملة من الإجراءات الجذرية: صدر عام 1938م قرار يحظر تدريس اللغة الكورية في المدارس كلياً، مما أسفر عن حرمان جيل كامل من تعلُّم لغته الأم في الإطار الرسمي. وفي عام 1940م، صدر “نظام تغيير الاسم” (創氏改名 / Sōshi-kaimei) الذي طلب من الكوريين تبنِّي أسماء يابانية؛ وعلى الرغم من أنه قُدِّم في ظاهره بوصفه طوعياً، فقد مورست ضغوط شديدة تجعله في واقعه إجبارياً، إذ حُرم من لا يستجيبون من الوصول إلى الخدمات الحكومية وتسجيل أطفالهم في المدارس وأحياناً من الحصول على الغذاء في ظل نظام الحصص الحربية. وأُغلقت الصحف الكورية المتبقِّية، وأُنهيت الأنشطة الثقافية الكورية المستقلة شبه كاملة، وصار كل ما يذكِّر بالهوية المستقلة الكورية ممارسةً شبه محظورة.
أما على صعيد التجنيد القسري للعمالة والجنود، فقد كان حجمه هائلاً بأي مقياس. تُشير التقديرات إلى أن ما بين خمسة وسبعة ملايين كوري أُجبروا على العمل في المناجم والمصانع وورش السفن والمنشآت العسكرية سواء داخل كوريا أم في اليابان ذاتها أم في المناطق الأخرى الخاضعة للسيطرة اليابانية في الصين ومنشوريا والمحيط الهادئ. وكانت أوضاع هؤلاء العمال — المعروفين في الأدبيات التاريخية بـ”الجونغوك” (徵用工) أو العمال المستدعَين — أوضاعاً مزرية وقاسية في معظمها: ساعات عمل مرهقة في بيئات خطرة دون أجر عادل أو حماية قانونية، ودون الحق في المغادرة أو الرفض. وفضلاً عن العمالة المدنية، جنَّد اليابانيون نحو مئتي ألف كوري في صفوف الجيش الإمبراطوري الياباني أو جماعاته شبه العسكرية بين عامَي 1944م و1945م.
سابعاً: نساء المواساة — جريمة العبودية الجنسية الكبرى
تُعدُّ قضية “نساء المواساة” (慰安婦 / Ianfu) من أشد جرائم الاحتلال الياباني فداحةً وأكثرها حضوراً في الجدل التاريخي والسياسي المعاصر بين كوريا واليابان. ويشير مصطلح “نساء المواساة” — وهو توصيف ملطَّف رفضه كثير من الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان الذين يؤثرون تسمية “عبيد الجنس العسكري” — إلى المنظومة التي أقامها الجيش الإمبراطوري الياباني للاستعباد الجنسي الممنهج للنساء في المناطق الخاضعة للسيطرة اليابانية بين عامَي 1932م و1945م. وقد جرى تشغيل تلك المنظومة عبر نحو ألفَي “محطة مواساة” (bianso) منتشرة في مختلف مناطق العمليات العسكرية اليابانية.
تتراوح تقديرات المؤرخين وهيئات الأمم المتحدة لعدد الضحايا بين ثمانين ألف ومئتي ألف امرأة وفتاة — وقد تتجاوز الأرقام الحقيقية ذلك كثيراً نظراً لإتلاف كثير من الوثائق اليابانية في نهايات الحرب — جاءت غالبيتهن العظمى من كوريا (تُقدَّر نسبتهن بنحو 80% أو أكثر وفق بعض الدراسات)، فضلاً عن نساء من الصين والفلبين وتايوان وإندونيسيا وهولندا وغيرها. وقد كانت كثيرات منهن في سنٍّ صغيرة لا تتجاوز الثانية عشرة، إذ استُدرجن أو اختُطفن أو خُدعن بوعود عمل في المصانع أو خدمة في المستشفيات، ليُكتشفن أنهن وقعن في فخ العبودية الجنسية في مواقع بعيدة عن أوطانهن. وتُشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نسبة من نجت منهن لا تتجاوز عشرة بالمئة بحلول نهاية الحرب عام 1945م، وقد كانت كثيرات منهن يُعدَمن أو يُجبرن على الانتحار مع تراجع القوات اليابانية.
لم يُقرَّ رسمياً بوجود هذا النظام يابانياً إلا في عام 1993م، حين أصدر مكتب مجلس الوزراء الياباني ما عُرف بـ”بيان كونو” الذي اعترف بمسؤولية الجيش الياباني عن إنشاء تلك المحطات والإشراف عليها. وكان الباحث الياباني يوشيمي يوشياكي من جامعة تشو في طوكيو قد اكتشف عام 1992م وثائق أرشيفية في ملفات وزارة الدفاع اليابانية تُثبت صراحةً ارتباط الجيش الياباني المباشر بإدارة منظومة المحطات الجنسية، مما أشعل جدلاً علمياً وسياسياً لا يزال مستعراً. وقد تقدَّمت الناجيات الكوريات للمرة الأولى بشكل علني وجماعي عام 1991م، حين تجرَّأت كيم هاك سون على كسر عقود من الصمت وكشفت قصَّتها في مؤتمر صحفي، فتلتها موجة من الشهادات فتحت باب محاسبة يابانية لا تزال غير مكتملة. وتُقام أمام السفارة اليابانية في سيول منذ عام 1992م وقفة احتجاجية أسبوعية لا تنقطع طالبةً اعترافاً يابانياً كاملاً وتعويضات عادلة.
“كنت أركض في عملٍ لأهلي حين هجم عليَّ رجال بزيِّ رسمي وسحبوني إلى سيارة واختفوا. كان عمري أربعة عشر عاماً. لم أرَ أهلي قطُّ بعدها.”
— لي أوك سون، ناجية كورية من منظومة العبودية الجنسية اليابانية، في شهادتها لمجلة History.com، 2015م
ثامناً: المقاومة الكورية المتواصلة في مواجهة الاحتلال
على الرغم من هول الآلة الاستعمارية اليابانية وضراوة قمعها، لم تهدأ المقاومة الكورية في يوم من الأيام؛ بل اتَّخذت أشكالاً متعددة ومتنوِّعة تعكس غنى التجربة الإنسانية لشعب يرفض الاستسلام. فعلى صعيد المقاومة المسلَّحة، تشكَّلت في أعقاب الضمِّ عام 1910م جيوش من “الجيش البارِّ” (義兵 / Euibyeong) التي واصلت عملياتها العسكرية الميدانية في الأرياف ضد القوات اليابانية، إلى أن نجحت حملات القمع الواسعة في إضعافها بحلول منتصف العقد الثاني من القرن العشرين. ثم انتقل قسم من هؤلاء المجاهدين إلى قواعد في منشوريا وسيبيريا، حيث واصلوا عملياتهم العسكرية العابرة للحدود على مدى سنوات طويلة. وكان من أبرز هؤلاء الجيل الأول من المجاهدين الذين سيلعبون دوراً محورياً لاحقاً في السياسة الكورية بعد الاستقلال، ومنهم كيم إيل سونغ الذي ناضل في صفوف المقاومة الشيوعية الكورية المتمركزة في منشوريا والاتحاد السوفيتي.
وعلى صعيد المقاومة السياسية-الدبلوماسية، اضطلعت الحكومة الكورية المؤقتة في المنفى — التي تأسَّست في شنغهاي عام 1919م وانتقلت لاحقاً مع تقدُّم اليابانيين إلى تشونغتشينغ جنوب غرب الصين — بدور محوري في استمرار الوجود الرمزي للدولة الكورية المستقلة. كان رئيسها سينغمان ري يعمل من واشنطن مستجدياً دعم الولايات المتحدة، بينما كانت الحكومة في شنغهاي تستقطب دعماً من الحكومة القومية الصينية. وفي العام ذاته الذي أُسِّست فيه الحكومة المؤقتة، تأسَّس “جيش الاستقلال الكوري” الذي خاض عمليات مسلَّحة محدودة ولكن رمزية الدلالة، وانتهى به المطاف إلى المشاركة الرسمية في العمليات الحليفة ضد اليابان في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
أما المقاومة الثقافية الصامتة — وهي أقل ضجيجاً ربما لكنها ليست أقل أهمية — فقد تجلَّت في جهود المثقفين والمعلمين لصون اللغة الكورية وتداولها سراً، وفي إصرار الأسر الكورية على تعليم أبنائها تاريخهم وهويتهم بعيداً عن أعين الإدارة الاستعمارية. وشكَّلت الكنائس والمعابد البوذية وجمعيات الطائفة الدينية الكوندوكيو فضاءات شبه محمية محدودة لاستمرار التضامن والهوية الكورية. وكانت هذه الأشكال من المقاومة الهادئة تُمثِّل ما وصفه بعض المؤرخين بـ”المقاومة اليومية”، أي الرفض اليومي للإذعان الكامل الذي يُبقي جذوة الهوية الوطنية متَّقدة حتى في أحلك اللحظات.
تاسعاً: التحرُّر من الاحتلال وتقسيم شبه الجزيرة (1945م)
في الخامس عشر من أغسطس 1945م، بثَّ الإمبراطور الياباني هيروهيتو خطابه التاريخي المذاع عبر الراديو — وكان أول خطاب يُذاع بصوته مباشرةً للشعب الياباني — معلناً قبول اليابان غير المشروط لشروط إعلان بوتسدام والاستسلام للحلفاء. كان الكوريون في كل ربوع شبه الجزيرة يجلسون أمام أجهزة الراديو في ترقُّب وخوف، وحين انتهى الخطاب فُهم معناه: انتهى الاحتلال. انفجرت المدن الكورية بمشاهد من الابتهاج الجماعي النادر، وصار الخامس عشر من أغسطس “يوم غوانغبوك” أي يوم استعادة الضوء، العيد الوطني الكوري المقدَّس الذي يُحتفل به في كوريا الشمالية والجنوبية معاً حتى اليوم.
غير أن فرحة التحرُّر اختلطت بسرعة مذهلة بقلق عميق من المصير. فعلى مدى الأيام الأخيرة من الحرب، كانت القوات السوفيتية التي أعلنت الحرب على اليابان في الثامن من أغسطس 1945م قد تدفَّقت بسرعة نحو شمال كوريا وكانت على وشك الوصول إلى سيول. وعلى خلفية هذا الواقع، التقى الكولونيلان الأمريكيان دين روسك وتشارلز بونيستيل في ليلة العاشر من أغسطس وأمامهما خريطة جغرافية لمجلة ناشيونال جيوغرافيك، وقرَّرا في غضون نصف ساعة تقريباً — دون استشارة أي كوري — أن يقترحوا على الاتحاد السوفيتي خطَّ العرض الثامن والثلاثين حدًّا فاصلاً لمناطق الاستسلام الياباني، ليستسلم اليابانيون شمال الخط للسوفييت وجنوبه للأمريكيين. ووافق ستالين على الاقتراح دون تحفُّظ، إذ ضمن له خطُّ الثامن والثلاثين نصف الجزيرة الكورية بما فيه العاصمة التاريخية للسلالة الكورية القديمة بيونغيانغ.
كان المفترض — وفق التفاهمات الأمريكية-السوفيتية — أن يكون هذا التقسيم مؤقتاً إلى حين تشكيل حكومة كورية موحَّدة. وفي مؤتمر موسكو في ديسمبر 1945م، اتُّفق على وصاية دولية رباعية على كوريا لمدة خمس سنوات تمهيداً للاستقلال. غير أن الواقع سار في مسار مختلف تماماً؛ فمع اشتداد التنافس الأمريكي-السوفيتي وانطلاق الحرب الباردة، تصلَّب الموقفان وباتت كوريا رهينةً للصراع بين القوى العظمى. وفي عام 1948م، أُجريت انتخابات في الجنوب تحت إشراف الأمم المتحدة أسفرت عن قيام جمهورية كوريا برئاسة سينغمان ري، فيما أعلن الشمال قيام جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية برئاسة كيم إيل سونغ، فتقسَّمت أمة حضارية موحَّدة منذ قرابة ألف وثلاثمائة عام إلى شطرين سيصطدمان بعد ذلك بأقل من عامين في حرب ضروس.
عاشراً: إرث الاحتلال وتداعياته على المشهد الكوري المعاصر
لا يمكن فهم الواقع الجيوسياسي الكوري المعاصر بمعزل تام عن إرث الاحتلال الياباني؛ فالخط الفاصل عند العرض الثامن والثلاثين الذي رسمه ضابطان أمريكيان في ليلة متأخرة من أغسطس 1945م لا يزال يشقُّ شبه الجزيرة الكورية شقًّا حاداً، تبعاً بين كورتين لهما نظامان سياسيان وعقدا اجتماعيان واقتصاديَّان متضادَّان تضاداً جذرياً. وتظل الحرب الكورية (1950-1953م) — التي اندلعت نتيجة مباشرة للتقسيم الذي فرضه إرث الاحتلال وديناميكيات الحرب الباردة — جرحاً وجودياً في الذاكرة الكورية ولم تُختتم بمعاهدة سلام حتى اليوم، مما يجعل الكورتين من الناحية القانونية في حالة حرب دائمة رغم الهدنة القائمة منذ يوليو 1953م.
أما على صعيد العلاقات اليابانية-الكورية المعاصرة، فلا تزال تعاني من ندوب تلك الحقبة عميقةً وحاضرة. تُقرُّ اليابان في إعلانات متعددة من مراراتها وتُعبِّر عن “الأسف” تجاه ما جرى في كوريا، غير أن كوريا الجنوبية ومنظمات الضحايا ترى أن هذه الإقرارات ناقصة وغير ملزمة قانونياً وتتراجع عنها تيارات سياسية يابانية متعاقبة. وتتجدَّد الأزمات الدبلوماسية بصفة منتظمة حول جملة من الملفات الشائكة: اعتراض اليابان أو تمليح منهاجها الدراسي بوصف الاحتلال “توطيداً” لا “استعماراً”، وحوادث زيارة رؤساء الوزراء اليابانيين لضريح ياسوكوني الذي يضمُّ رفات مجرمي حرب مُدانين، وقضية نساء المواساة المعلَّقة، وقضية السيادة على جزر دوكدو (تاكيشيما) البحرية.
وعلى الصعيد الاجتماعي الداخلي في كوريا الجنوبية، أفرز الاحتلال الياباني جدلاً مستمراً حول فئة الـ”تشيلجين” (親日 / Chin-il) أو المتعاونين مع الاحتلال، وهي فئة من النخب الكورية — سياسيين ورجال دين وأدباء وعسكريين — اختارت التعاون مع المحتلِّ أو الاندماج في الهوية اليابانية. فتحت استقلال كوريا الجنوبية، بقي كثير من أبناء تلك النخب في مواقع النفوذ نظراً لارتباطهم بالإدارة الأمريكية التي آثرت الاستقرار على العدالة الانتقالية، مما أوجد حراكاً اجتماعياً لعقود طالب بمحاسبة حقيقية لتراث التعاون مع الاحتلال. كذلك ترك الاحتلال بصماته في بنية الاقتصاد الكوري: فالنموذج البيروقراطي التنموي والشركات الكبرى (شيبول) التي هيمنت على الاقتصاد الكوري الجنوبي لعقود تعود جذورها جزئياً إلى التراتبية الإدارية اليابانية والبنى الاقتصادية التي أسَّسها الاستعمار. وفي المحصِّلة، يظل الاحتلال الياباني لكوريا قضيةً حية لم تُغلق بعد، تتقاطع فيها أبعاد التاريخ والهوية والعدالة والسياسة والجغرافيا بطريقة تجعل كوريا الحديثة مستحيلةَ الفهم دون استيعاب تلك الحقبة المُرَّة استيعاباً عميقاً.