تُشكِّل أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر مناطق العالم ثراءً من حيث تعدد الحضارات وتشابك مساراتها التاريخية، إذ امتد تاريخها عبر آلاف السنين ابتداءً من الحضارات الزراعية الأولى في المرتفعات الأنديزية وأحواض بلاد المايا، مروراً بالإمبراطوريتين الأزتكية والإنكية اللتين بلغتا أوج قوتهما السياسية والدينية قبيل وصول الأوروبيين، ثم الغزو الإسباني والبرتغالي الذي أعاد تشكيل بنية القارة الاجتماعية والدينية والاقتصادية عبر نظم استغلالية كالإنكومياندا
[1]
. وقد أفضى تراكم التوترات بين الطبقة الكريولية والتاج الإسباني، مقترناً بتأثير أفكار عصر التنوير وضعف الحكم الإسباني إبان الغزو النابليوني لشبه الجزيرة الإيبيرية، إلى اندلاع حروب الاستقلال في مطلع القرن التاسع عشر بقيادة رموز كسيمون بوليفار وخوسيه دي سان مارتين
[2]
. ومنذ ذلك الحين شهدت المنطقة مسارات متباينة من بناء الدولة الوطنية، وتقلّبات اقتصادية، وموجات من الحكم الاستبدادي والديمقراطي، بلغت ذروتها في حقبة الحرب الباردة حين تحوّلت أمريكا اللاتينية إلى ساحة صراع مباشر بين النفوذ الأمريكي والسوفيتي عقب انتصار الثورة الكوبية عام 1959
[3]
، قبل أن تدخل غالبية دولها منذ ثمانينيات القرن العشرين مرحلة انتقال متجدد نحو الحكم المدني والانفتاح الاقتصادي.

الإطار الجغرافي والزمني
النطاق الجغرافي المكسيك، أمريكا الوسطى، الكاريبي الناطق بالإسبانية، وأمريكا الجنوبية
اللغات الاستعمارية الرئيسية الإسبانية والبرتغالية
بداية الاستيطان البشري المبكر قبل نحو 40,000 سنة (تقديرات أولية)
سقوط آخر معاقل المايا عام 1697 (تايسال)
الحضارات القديمة والاستعمار
أبرز الحضارات السابقة لكولومبوس الأولمك، المايا، الأزتك، تيوتيهواكان، موتشي، تشيمو، الإنكا
القوى الاستعمارية الإيبيرية مملكة قشتالة الإسبانية ومملكة البرتغال
أهم نظام استغلال العمل الاستعماري الإنكومياندا (منذ 1503)
الاستقلال والقرنان الأخيران
حروب الاستقلال 1808 – 1825 تقريباً
أبرز قادة الاستقلال سيمون بوليفار، خوسيه دي سان مارتين، برناردو أوهيغينز
اندلاع الثورة الكوبية 1 يناير 1959
موجة الأنظمة العسكرية الاستبدادية ذروتها في السبعينيات (تشيلي، الأرجنتين، البرازيل)
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: الحضارات السابقة لكولومبوس

A smoky day at the Sugar Bowl--Hupa.jpg
A smoky day at the Sugar Bowl–Hupa.jpg — Public domain

نشأت في أمريكا اللاتينية اثنتان من أكثر المنظومات الحضارية تعقيداً في العالم القديم قبل الاتصال بأوروبا، تمركزت أولاهما في أمريكا الوسطى، وثانيتهما في المرتفعات الأنديزية الممتدة من الإكوادور إلى بوليفيا. في أمريكا الوسطى تعاقبت حضارات الأولمك ثم المايا ثم تيوتيهواكان والتولتك قبل أن يبرز الأزتك كقوة مهيمنة على وادي المكسيك عشية الغزو الإسباني
[5]
. وتميّزت حضارة المايا، رغم عدم توحدها السياسي في إمبراطورية واحدة كما كان حال الأزتك والإنكا، بابتكار نظام كتابي هيروغليفي متقدم وتقويم فلكي بالغ الدقة، وظلّت مدنها المستقلة سياسياً موحدة ثقافياً فحسب
[4]
. أما في الأنديز فقد شكّلت حضارات الموتشي ثم واري وتياهواناكو ثم تشيمور تمهيداً تاريخياً لصعود إمبراطورية الإنكا التي غدت، مع مطلع القرن الخامس عشر، أوسع دولة عرفتها القارة الأمريكية قبل وصول الإسبان، إذ ربطت شبكة طرقها الجبلية بين أجزاء متباعدة من بيرو وبوليفيا والإكوادور وأجزاء من تشيلي والأرجنتين. ولم تكن هذه الحضارات معزولة عن محيطها، بل نسجت شبكات تجارية وتبادلات ثقافية واسعة، كما طوّرت أنظمة زراعية مبتكرة كنظام “الميلبا” في أمريكا الوسطى القائم على زراعة الذرة والفول والقرع معاً في الحقل الواحد
[5]
.

ثانياً: الغزو الإيبيري وبناء النظام الاستعماري

أدى وصول كريستوفر كولومبوس إلى جزر الكاريبي عام 1492 إلى فتح الباب أمام موجة من الغزو الإسباني امتدت خلال أربعة عقود لتشمل معظم أمريكا الوسطى والجنوبية، فيما استقر البرتغاليون في الساحل البرازيلي عبر نظام “الكابيتانيا” الذي منح مناطق واسعة لأفراد بارزين يتولون استيطانها واستثمارها بصلاحيات قضائية وإدارية موروثة
[8]
. وفي المستعمرات الإسبانية شكّلت “الإنكومياندا” الأداة المركزية لإخضاع السكان الأصليين، إذ كانت عبارة عن منحة ملكية تمنح المستوطن الإسباني حق تحصيل الجزية والعمل القسري من مجموعة سكانية أصلية محددة، مقابل التزامه نظرياً بحمايتها وتنصيرها
[1]
. غير أن هذا النظام تحوّل عملياً إلى أداة استغلال فادح، ما دفع التاج الإسباني لإصدار قوانين بورغوس عام 1512 ثم القوانين الجديدة للهند عام 1542 في محاولة لكبح تجاوزاته، وهي محاولات اصطدمت بمقاومة المستوطنين وفشلت في تحقيق أهدافها بشكل كامل
[1]
. وقد اختلفت طبيعة العلاقة بين الإسبان والسكان الأصليين من منطقة إلى أخرى بحسب درجة التنظيم السياسي المسبق لهذه المجتمعات، فبينما نشأت في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية كوادي المكسيك وبيرو بنى إدارية معقدة تقوم على الزعامات المحلية “الكاسيك”، اتخذت العلاقة في أطراف الإمبراطورية كباراغواي شكلاً مختلفاً جعل الأثر الثقافي للسكان الأصليين على البنية الأسرية للمستوطنين أعمق وأكثر ديمومة
[9]
.

ثالثاً: حروب الاستقلال ونهاية الحكم الإيبيري

تفجّرت أزمة الشرعية الاستعمارية في مطلع القرن التاسع عشر حين أطاح غزو نابليون بونابرت لإسبانيا بالنظام الملكي الشرعي، فاستغل الكريول -أبناء الإسبان المولودون في الأمريكتين والذين طالما شعروا بالتهميش السياسي أمام الإسبان الوافدين من شبه الجزيرة- هذا الفراغ لتنظيم حركات استقلال متزامنة انطلقت من نقطتين رئيسيتين؛ من الشمال بقيادة سيمون بوليفار الذي حرّر بين عامي 1819 و1822 كلاً من نيوغرندا (كولومبيا وبنما) وفنزويلا وكيتو (الإكوادور)، ومن الجنوب بقيادة خوسيه دي سان مارتين الذي قاد عام 1817 عبوراً مشهوداً لجبال الأنديز حرّر به تشيلي بالتحالف مع القائد الوطني برناردو أوهيغينز، قبل أن يتوجه لتحرير بيرو
[6]


[2]
. والتقى الزعيمان في مؤتمر غواياكيل يومي 26 و27 يوليو 1822 لتنسيق موقفيهما، غير أن اللقاء لم يفضِ إلى اتفاق بسبب تباين شخصيتيهما وتصوريهما السياسيين، وانتهى الأمر بانسحاب سان مارتين من الحياة العسكرية والسياسية تاركاً لبوليفار مهمة استكمال تحرير بيرو، التي أنجزها بالانتصار الحاسم في معركة أياكوتشو عام 1824
[10]
. وقد سعى بوليفار، عبر وثيقتيه السياسيتين “بيان قرطاجنة” و”رسالة جامايكا”، إلى الدعوة لتوحيد سياسي بين المقاطعات الإسبانية الأمريكية درءاً لخطر إعادة الاستعمار المتجزئ، غير أن هذا المشروع الوحدوي سرعان ما تفكك بعد الاستقلال إلى دول متعددة ذات حدود ومصالح متمايزة
[6]
.

رابعاً: بناء الدول الوطنية في القرن التاسع عشر

لم يترتب على إعلان الاستقلال قيام دول مستقرة على الفور، بل دخلت غالبية الجمهوريات الجديدة في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الداخلي، تجلّت في صراعات بين المركزيين والفدراليين، وبين الليبراليين والمحافظين حول طبيعة العلاقة بالكنيسة الكاثوليكية ودور الجيش في الحياة السياسية. وقد أفرزت هذه الصراعات في كثير من الأحيان زعامات عسكرية شخصية عُرفت بـ”الكوديّو” تولت الحكم خارج الأطر الدستورية المستقرة، فيما شهدت دول أخرى كالبرازيل، التي احتفظت بنظام ملكي مستقل عن البرتغال حتى عام 1889، مساراً أكثر تدرجاً نحو الجمهورية. وارتبط اقتصاد المنطقة خلال هذه الحقبة بشكل متزايد بالأسواق الأوروبية والأمريكية عبر تصدير المواد الأولية كالمطاط والقهوة والسكر والمعادن، وهو نمط اقتصادي رسّخ اعتماد أمريكا اللاتينية على الخارج وأسّس لبنى اجتماعية قائمة على ملكية الأرض الواسعة “الهاسيندا” التي حلّت تدريجياً محل نظام الإنكومياندا المتقادم
[1]
.

خامساً: أمريكا اللاتينية في النصف الأول من القرن العشرين

دخلت المنطقة مطلع القرن العشرين بموجة من النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي النسبي في عدد من الدول، غير أن هذا الزخم اصطدم بتحديات داخلية وخارجية متصاعدة؛ فقد شهدت المكسيك ابتداءً من عام 1910 ثورة اجتماعية وسياسية عميقة رافقها انكماش اقتصادي حاد واضطراب سياسي واسع خلال عقدها الأول
[11]
. وقد تراكم الضغط السكاني المتزايد مع اندماج أعمق في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي جعل المنطقة عرضة بشكل خاص لتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929، فدفعت هذه الأزمة عدة حكومات نحو سياسات إحلال الواردات الصناعية سعياً لتقليل الاعتماد على السلع المستوردة. وفي هذا السياق برزت ظاهرة الشعبوية بوصفها نمطاً سياسياً مميزاً لمنتصف القرن، وكان أبرز ممثليها خوان بيرون في الأرجنتين، الذي استغل منصبه ضمن نظام عسكري استولى على الحكم عام 1943 لبناء قاعدة شعبية عريضة عبر سياسات اجتماعية موجهة للطبقة العاملة
[7]
.

سادساً: الحرب الباردة والثورة الكوبية وموجة الحكم العسكري

شكّل انتصار الثورة الكوبية في الأول من يناير 1959 بقيادة فيدل كاسترو، بعد إطاحته بنظام فولخينسيو باتيستا المدعوم أمريكياً، منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة، إذ اتجهت كوبا لاحقاً نحو التحول الاشتراكي وإقامة روابط عسكرية واقتصادية وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، بلغت ذروة توترها الدولي في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962
[3]
. ووصف الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف كوبا خلال زيارته لها عام 1974 بأنها:

جزء مكوّن قوي من النظام العالمي للاشتراكية.
— ليونيد بريجنيف، تصريح رسمي أثناء زيارته لكوبا، 1974

وقد ألهم النموذج الكوبي حركات يسارية وجماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة، كالساندينيين في نيكاراغوا وجبهة فارابوندو مارتي في السلفادور، في المقابل غذّى تخوف واشنطن من تكرار “كوبا أخرى” دعمها المتزايد لأنظمة عسكرية استبدادية في البرازيل والأرجنتين وتشيلي بوصفها سداً في وجه المد الشيوعي
[12]
. وفي تشيلي على وجه الخصوص، أدى فوز سلفادور الليندي في انتخابات ثلاثية الأطراف عام 1970 إلى تجربة حكم يساري انتهت في سبتمبر 1973 بانقلاب عسكري قاده الجنرال أوغستو بينوشيه، الذي أسس أحد أكثر النماذج اكتمالاً لما يصفه علماء السياسة بـ”السلطوية البيروقراطية”، وهي ظاهرة عكست انتقال قيادة الجيوش المتزايدة الاحترافية في أرجاء القارة إلى أبناء الطبقات الوسطى
[7]
.

سابعاً: أزمة الديون والعودة إلى الديمقراطية في أواخر القرن العشرين

دفعت أزمة الديون الخارجية التي تفجرت مطلع الثمانينيات، إثر تراكم الاقتراض الدولي طوال السبعينيات وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، اقتصادات المنطقة إلى ركود حاد عُرف بـ”العقد الضائع”، وهو ما قوّض شرعية الأنظمة العسكرية القائمة وأسهم في موجة انتقال تدريجي نحو الحكم المدني شملت الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وأوروغواي خلال هذا العقد. وقد رافق هذا الانتقال السياسي تحول اقتصادي موازٍ نحو سياسات ليبرالية جديدة قامت على تحرير التجارة وخصخصة المؤسسات العامة وتقليص دور الدولة الاقتصادي، وهي سياسات طُبقت بدرجات متفاوتة من بلد لآخر وخلّفت آثاراً اجتماعية متباينة أثارت جدلاً واسعاً حول مسار التنمية في المنطقة
[7]
.