أسرة هان الصينية
معلومات عامة
الاسم الرسمي أسرة هان (漢朝 · Hàn Cháo)
مدة الحكم 206 ق.م – 220 م (426 عامًا)
المؤسس الإمبراطور غاوزو (ليو بانغ) 202–195 ق.م
آخر الأباطرة الإمبراطور شيان 189–220 م
الأسرة الحاكمة آل ليو (劉氏)
الفلسفة الرسمية الكونفوشيوسية (منذ عهد الإمبراطور وودي)
الأسرة السابقة أسرة قين 221–206 ق.م
الخلف حقبة الممالك الثلاث 220–280 م
التقسيم التاريخي
هان الغربية 206 ق.م – 9 م (العاصمة: تشانغآن)
أسرة شين (انقطاع) 9 – 23 م (وانغ مانغ)
هان الشرقية 25 – 220 م (العاصمة: لويانغ)
الجغرافيا والسكان
أقصى اتساع إقليمي نحو 6,000,000 كم²
عدد السكان (الذروة) نحو 57,700,000 نسمة (تعداد عام 2 م)
الأقاليم الكبرى الصين، شبه الجزيرة الكورية، شمال فيتنام، منغوليا الجنوبية، آسيا الوسطى
أبرز الأباطرة
غاوزو (ليو بانغ) 206–195 ق.م — المؤسس
وِن وجينغ 180–141 ق.م — عصر النهوض الأول
وودي (هان وودي) 141–87 ق.م — أعظم أباطرة هان
غوانغوو 25–57 م — مؤسس هان الشرقية
أبرز الإنجازات الحضارية
اختراع الورق تسجيل تطوير تشاي لون عام 105 م
أول مقياس للزلازل جهاز جانغ هينغ 132 م
طريق الحرير انطلق رسميًا نحو 130 ق.م
سجلات المؤرخ الكبير سيما تشيان 109–91 ق.م
الكونفوشيوسية دينًا للدولة عهد الإمبراطور وودي 136 ق.م
COSMALORE · الموسوعة العربية

تُعدّ أسرة هان (漢朝، 206 ق.م – 220 م) في الوجدان الصيني الجمعي ما تمثّله أسرة رومولوس وريموس في الخيال الروماني أو ما تمثّله المدينة المنوّرة في الذاكرة الإسلامية: إنها اللحظة التأسيسية التي تشكّلت فيها الهوية الصينية وبلغت أكثر تجلّياتها نضجًا واكتمالًا. وليس من قبيل المصادفة أن يُعرِّف الصينيون اليوم أنفسهم بـ”شعب الهان” (漢族)، وأن يُسمّوا لغتهم الوطنية بـ”لغة الهان” (漢語)، وأن يُطلق على حروفهم المكتوبة اسم “خط الهان” (漢字) — فكل هذه التسميات انبثقت من عظمة تلك الحقبة التي أرسى فيها الحكم آل ليو أُسس الحضارة الصينية بصورتها التي ستُعيد إنتاج نفسها على مدى ألفين وأربعمئة سنة تالية .

تُحتسب أسرة هان أطول الأسرات الكبرى في تاريخ الصين كله، إذ امتدت أربعمئة وستة وعشرين عامًا لم تنقطع إلا بانقطاع مؤقت في عهد وانغ مانغ (9–23 م)، الذي أسّس ما يُعرف بـ”أسرة شين” بين الفترتين الغربية والشرقية لهان. وقد قُسِّمت الأسرة على هذا الأساس إلى هان الغربية (206 ق.م – 9 م) التي اتّخذت من تشانغآن عاصمةً لها، وهان الشرقية (25 – 220 م) التي نقل مؤسسها غوانغوو عاصمتها إلى لويانغ. كانت هذه الأسرة في عصرها معادلًا حضاريًا في الشرق البعيد لما كانت عليه الإمبراطورية الرومانية في الغرب: إذ بلغ سكانها في مطلع الميلاد نحو ستة وخمسين مليون نسمة، وهو ما كان يُعادل تقريبًا عدد سكان روما في الحقبة الأوغسطية .

شهد عهد هان انتصار الكونفوشيوسية على المدارس المنافسة لتُصبح الأيديولوجيا الرسمية للدولة والعلماء والحكّام لألفين وخمسمئة سنة قادمة، وانفتاح طريق الحرير الذي وصل الصين بالعالم الإسلامي الناشئ وشبه القارة الهندية والإمبراطورية الرومانية، واختراع الورق بشكله العملي الذي غيّر تاريخ الإنسانية، وإنجاز أول موسوعة تاريخية صينية كبرى على يد سيما تشيان، وتطوير أول مقياس زلازلي في التاريخ على يد جانغ هينغ. كل هذه الإنجازات أفرزتها حضارة هان التي تجاوزت بأثرها الزماني والمكاني حدود الجزيرة الصينية لتُصبح إرثًا إنسانيًا مشتركًا.

النشأة والتأسيس: من فلاح إلى إمبراطور

أولًا: ليو بانغ — أعجب قصص الصعود في التاريخ

لا يوجد في تاريخ الصين الإمبراطوري — ولعلّ في تاريخ البشرية كلّه — ما يُضاهي في غرابته ودلالته الرمزية قصة صعود ليو بانغ (256–195 ق.م) من فلاح بسيط جاهل بالكتابة إلى مؤسس أعظم أسرة في التاريخ الصيني. وُلد في بلدة بيسي في مقاطعة بيي، ابنًا لأسرة من الفلاحين لم يمنحها التاريخ أي لقب أو حظ اجتماعي يذكر. درج في شبابه موظفًا صغيرًا وضئيل الشأن في الجهاز الإداري القيني، كان مهمته الإشراف على قافلة من العمال المُسخَّرين لأعمال الضريح الإمبراطوري، حتى إذا عجز عن استيفاء العدد المطلوب من العمال خشي على حياته من البيروقراطية القينية الصارمة فانضم إلى صفوف الثوار عام 209 ق.م .

وعلى مدى السنوات التالية، أثبت ليو بانغ موهبةً سياسيةً وعسكريةً لا تُعلَّم، وقدرةً نادرة على استقطاب المواهب واستيعاب المشورة والاحتفاظ بولاء من يلوذ به. فبينما كان منافسه الأعتى وأشد الثوار بأسًا — شيانغ يو (楚霸王، 232–202 ق.م) زعيم مملكة تشو البطولي — يُظهر القوة الساحقة وجبروت القائد المنتصر، كان ليو بانغ يخسر كثيرًا من المعارك لكنه لا يخسر الحرب. وبعد أربع سنوات دموية من الصراع بين القطبين في ما عُرف بـ”حرب تشو-هان” (楚漢之爭)، انتهى كل شيء على ضفاف نهر أوجيانغ في يناير عام 202 ق.م بانتحار شيانغ يو وحيدًا مهزومًا بعد أن رفض الفرار لحفظ حياته .

أعلن ليو بانغ نفسه إمبراطورًا لأسرة هان مُتّخذًا لقب “غاوزو” (高祖 أي الجدّ الأعلى)، ومُختارًا اسم الأسرة من لقبه الأوّل “ملك هان” الذي منحه إياه شيانغ يو ساخرًا — إذ كانت هان منطقة جبلية قاحلة في جنوب الشنجي الحالية — فحوّله ليو بانغ من علامة مهانة إلى شارة مجد. وقد أعلن من أول لحظات حكمه أنه يسعى إلى ما ظلّت تفتقر إليه أسرة قين حتى أفضى افتقارها إلى انهيارها: الرحمة والعدالة والتساهل مع الشعب.

ثانيًا: أساسات الدولة الجديدة

وجد غاوزو أمامه صينًا مُدمَّرة بعقود من الحروب المتواصلة: مدن خربة، وحقول مهجورة، ومجاعات تضرب عمق الريف، وخزينة فارغة. كانت استراتيجيته في البناء مزدوجة الاتجاه: أوّلًا، خفّض الضرائب على المزارعين تخفيضًا كبيرًا، ومنح الأرض لمن يُفلحها، وعفا عن معظم المحكوم عليهم بالأعمال القسرية، وأعاد الجنود المسرّحين إلى قراهم محمّلين بأراضٍ يمتلكونها — في سياسة اجتماعية وصفها المؤرخون لاحقًا بـ”الهوانغ-لاو” (黃老) نسبةً إلى فلسفة الطاوية الرفيعة التي تدعو إلى “الحكم بعدم التدخل” وترك الشعب ينتعش من تلقاء ذاته . وثانيًا، أقام نظامًا سياسيًا مزدوجًا: فمنح الأقاليم الشرقية لملوك من أسرته وحلفائه (على النهج الإقطاعي)، مع استبقاء الأقاليم الغربية المباشرة خاضعةً للإدارة المركزية (على نهج قين)، وأمضى ما بقي من حكمه في تدجين الملوك الخارجين عن الطاعة أو القضاء عليهم تدريجيًا، ليخلص ملك هان لآل ليو وحدهم.

وبالإضافة إلى ذلك، واجه غاوزو خطر الشيونغنو (匈奴) — الاتحاد القبلي الرعوي الأكثر أهمية في شمال الأراضي الصينية — الذين هزموا الجيوش الهانية في معركة بايدينغ عام 200 ق.م وأحاطوا بالإمبراطور نفسه بحيث كاد يقع أسيرًا قبل الإفلات بصعوبة. فاضطرت هان إلى إبرام سلام مُذِلّ مع الشيونغنو يقوم على تقديم الجزية والهدايا وبنات الأسرة الإمبراطورية للزواج من زعمائهم — وهو ما عُرف بسياسة “الوحدة من خلال المصاهرة” (和親 Héqīn)، إذ رُئي آنذاك أن ثمن الأمن أهون من كلفة الحرب الدامية.

حقبة وِن وجينغ: سنوات التعافي والنهوض الأول

بعد وفاة غاوزو ومرحلة توتر قصيرة شهدت محاولة الإمبراطورة لو الانقضاض على السلطة واضطهاد أبناء الإمبراطور المنافسين لأبنائها، استقرّ الأمر لإمبراطورين استثنائيين: وِن (文帝، حكم 180–157 ق.م) وابنه جينغ (景帝، حكم 157–141 ق.م)، وقد وصفهما المؤرخون الصينيون بالإمبراطورين الحكيمين اللذين مثّل عهدهما المشترك “حقبة وِن وجينغ” (文景之治) أولى الحقب الذهبية لأسرة هان .

دأب الإمبراطور وِن على سياسة الرشد والتقشف المحمودة في القيادة: كان يُخفّض الضرائب الزراعية إلى ما يُعادل واحدًا من خمسة عشر من المحصول ثم إلى واحد من ثلاثين، ويعفو عن المحكوم عليهم بعقوبات جسدية مستعيضًا عنها بالغرامات المالية إن أمكن، ويُقلّص نفقات البلاط الإمبراطوري ويتناول بنفسه طعامًا بسيطًا. وتُروى عنه حكاية أنه أراد بناء جناح جديد في قصره فأُحضر الحجارون وحُسبت التكلفة بمئة كيلوغرام من الذهب، فقال: “مئة كيلوغرام من الذهب تُعادل ثروة عشرة أسر من متوسطي الحال، فمن سيدفع هذا الثمن؟ أنا أسكن القصر الذي أورثني إياه آبائي ولا أستحق منه أكثر.” فتُرك مشروع الجناح وأُحجم عنه . وفي ظل هذا الرشد والانضباط في الإنفاق، تعافى الاقتصاد الهاني بشكل لافت، وامتلأت الصوامع الحكومية بالحبوب حتى تعفّنت حبالها من فرط الحمولة، وامتلأت الخزائن حتى تعذّر عدّ النقود.

الإمبراطور وودي: ذروة العظمة

أولًا: ملك في الخامسة عشرة يُبني إمبراطورية

اعتلى لِيو تشه عرش أسرة هان عام 141 ق.م، وهو في الخامسة عشرة من عمره، ليحكم أربعة وخمسين عامًا متواصلة تحت لقب وودي (武帝 “الإمبراطور الحربي”)، وكانت أسرة هان وهو على عرشها في أوج قوتها والصين في ذروة حيويتها . يُعدّ وودي الشخصية الأكثر تأثيرًا في تاريخ الأسرة الهانية بالمعيار الحضاري والسياسي والعسكري معًا: فقد أطاح بنظام الإقطاع المتبقّي وعزّز المركزية الإدارية، وفرض احتكار الدولة على صناعتَي الحديد والملح اللتين كانتا مصدر ثروة الأرستقراطيين المستقلين، وأدخل نظامًا ضريبيًا على الثروة التجارية لم يعرفه قبله إمبراطور، ودفع بالإمبراطورية في حملات توسع مذهلة الاتساع وجرأة الطموح.

ثانيًا: الكونفوشيوسية دينًا للدولة

ربما كان القرار الأعمق أثرًا في مسيرة وودي ليس عسكريًا ولا اقتصاديًا، بل كان حين اتّخذ عام 136 ق.م قرارًا رسميًا بجعل الكونفوشيوسية الأيديولوجيا الرسمية الوحيدة للدولة الهانية، مُقصيًا من المنظومة التعليمية والحكومية كل المدارس الأخرى في ما يعنيه هذا الإجراء الجذري من “طرد المئة مدرسة وتعظيم الكونفوشيوسية وحدها” . وقد أُنشئت لهذا الغرض “الجامعة الإمبراطورية” (太學 Tàixué) التي بدأت بخمسين طالبًا وسرعان ما تضخّمت حتى بلغت في عهود لاحقة ثلاثين ألف طالب، يتلقّون تعليمهم في الكلاسيكيات الكونفوشيوسية الخمس ويتنافسون على الشهادات التي تُفتح لحاملها أبواب الخدمة الحكومية. ولا يمكن تقدير حجم هذا الإنجاز بمعزل عن امتداداته البعيدة: فالكونفوشيوسية الهانية ستُصبح — مع تطوراتها اللاحقة — العمود الفكري للحضارة الصينية واليابانية والكورية والفيتنامية حتى القرن العشرين.

ثالثًا: ضرب الشيونغنو وفتح طريق الحرير

ورث وودي عن أسلافه سياسة المهادنة المُذِلّة مع الشيونغنو، فكسرها كسرًا تامًا. وعزّزت ثروة هان المتراكمة في عهد وِن وجينغ إمكانية إطلاق حملات عسكرية مكلّفة وإن طويلة الأمد. ففي عام 139 ق.م، بعث وودي الدبلوماسي المغامر جانغ تشيان (張騫) في مهمة استطلاعية استراتيجية نحو الغرب بحثًا عن شعب اليوِيتشي المطرود من أراضيه بفعل الشيونغنو، سعيًا لإقامة تحالف محاصِر للعدو المشترك. وقد اعترض الشيونغنو جانغ تشيان واحتجزوه عشر سنوات، قبل أن يُفلت ويُكمل رحلته وصولًا إلى بلاد ما وراء النهر — فرغانة وخوارزم وبلاد البخارى — ليعود بعد ثلاث عشرة سنة إجمالًا بتقرير شامل عن الأقاليم والشعوب التي لم تسمع الصين بها من قبل .

لم ينجح جانغ تشيان في تحقيق هدفه التحالفي المباشر، غير أن خرائطه ومعلوماته فتحت أمام وودي أفقًا جديدًا. فمن عام 129 إلى عام 119 ق.م، شنّ وودي حملات عسكرية متواصلة بقيادة أبرز جنرالاته — وِي تشينغ (衛青) وهو كوبينغ (霍去病) — دفعت الشيونغنو شمالًا بعيدًا عن الأراضي الصينية ومنافذ التجارة الغربية. وفي هذا الفراغ الأمني، انتشرت قوافل التجار والسفراء الصينيين والأجانب لتُرسي ما عُرف لاحقًا بـ”طريق الحرير” (丝绸之路)، الذي وصل الصين عبر آسيا الوسطى ببلاد فارس وروما والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية .

وقد ضاعف وودي مساحة الإمبراطورية بالتقريب في أعقاب هذه الحملات: ضمّت هان شمال فيتنام الحالي وأجزاء من كوريا وخيضت حملات في المنغوليا الجنوبية وأقاليم غانسو والتاريم. وقيل إن حملاته العسكرية استنزفت في مرحلة من المراحل معظم ثروات هان المتراكمة منذ وِن وجينغ، إلا أنها في المقابل أسست بنيةً استراتيجيةً آمنة تمتدّ لجيال.

طريق الحرير: جسر العالم القديم

إذا كان لأسرة هان إنجاز واحد يتجاوز حدودها الصينية ليُؤثّر في تاريخ البشرية بأسره، فهو بلا منازع تأسيسها لطريق الحرير وصيانتها له. لم يكن طريق الحرير طريقًا واحدًا بالمعنى الحرفي، بل شبكة من المسالك البرية والبحرية تتعانق وتتشعّب مئاتٍ من الكيلومترات عبر آسيا الوسطى وجبال بامير وسهول إيران وأراضي العراق وصولًا إلى شرق البحر المتوسط، فضلًا عن طرق بحرية تجري على طول ساحل شبه القارة الهندية حتى الخليج العربي والبحر الأحمر .

كانت الصين تُصدّر عبر هذا الطريق في المقام الأول: الحرير الفاخر الذي كان يُدفع فيه ثمن مُضاعف في أسواق روما وبارثيا، وآنية الخزف والبورسلان، وورق الفائدة المتزايدة، وتقنيات أوان الحديد، والأصباغ والتوابل. وكانت تستورد في المقابل: الخيول الفرغانية “الجياد العرقية ذوات الدم الأسود” التي أولع بها وودي ويقول الشعراء إنها كانت “تتعرّق الدم” لسرعتها وقوتها، والزجاج الروماني النادر، والأقمشة الصوفية، والبهارات الهندية، وقبل كل شيء البوذية التي بدأت رحلتها نحو الصين عبر هذا الطريق في خضم الحقبة الهانية .

كان للبوذية وصول طريق الحرير إلى الصين أثرٌ ثقافي وديني لا يُقدَّر، إذ ستُعيد هذه الديانة القادمة من الهند رسم الخريطة الروحية للصين — وعبرها اليابان وكوريا وفيتنام — في الألفية القادمة. وقد قُدِّر أن أولى البعثات البوذية وصلت تشانغآن في عهد الإمبراطور مينغدي (明帝، حكم 57–75 م)، وإن كانت النصوص الهانية تُشير إلى إلمام مبكر ببعض التعاليم البوذية قبل ذلك التاريخ .

الإنجازات العلمية والحضارية

أولًا: اختراع الورق — أعظم هبة قدّمتها الصين للبشرية

لعلّ الاختراع الأكثر تأثيرًا على مسار التاريخ الإنساني بأكمله من بين ما أنتجته حضارة هان — وربما من بين ما أنتجه أي فرد في تاريخ الحضارة — هو الورق. كانت الصين قبل هذا الاختراع تعتمد على الألواح الخشبية أو الخيزرانية للكتابة، وهي مادة ثقيلة الحمل وعسيرة التخزين ومُكلفة الاستنساخ، بالإضافة إلى الحرير كسطح للكتابة عند الميسورين — وهو بدوره ثمين جدًا. وفي عام 105 م، أعلن تشاي لون (蔡倫)، المشرف الإمبراطوري على ورش الحرف في لويانغ، طريقة موثّقة ومحسّنة لصنع الورق من خليط ألياف نباتية مبلّلة ومدقوقة ومُصفاة ومجفّفة في صحائف رقيقة .

يدور نقاش علمي حول ما إذا كان تشاي لون مخترعًا فعليًا أم أنه حسّن تقنيةً موجودة؛ إذ أشارت بعض الأدلة الأثرية إلى وجود قصاصات ورقية أقدم من عهده. غير أن توثيقه الرسمي للعملية وانتشارها اللاحق المتسارع يجعلانه الشخصية التاريخية المرتبطة بالاختراع في وعي البشرية. وما لا جدال فيه هو الأثر الثوري للورق: فقد مكّن من تراكم المعرفة ونشرها، وأسهم في تطور نظام الامتحانات الإدارية، وفتح باب التعليم أمام طبقات اجتماعية واسعة لم تكن لتستطيع استهلاك الأدوات الكتابية القديمة المُكلفة. وحين انتقلت هذه التقنية لاحقًا عبر طريق الحرير إلى العالم الإسلامي في القرن الثامن الميلادي ثم إلى أوروبا، غيّرت وجه الحضارة الإنسانية إلى الأبد.

ثانيًا: جانغ هينغ ومقياس الزلازل الأوّل

في عام 132 م، أعلن جانغ هينغ (張衡، 78–139 م) — العالم الموسوعي والشاعر والمنجّم والفيلكي والمهندس الهاني الاستثنائي — اختراعه لجهاز “هوفنغ ديدونغ يي” (候風地動儀)، وهو أول مقياس للزلازل في تاريخ البشرية يتقدّم الأدوات الغربية المماثلة بأكثر من ألف وسبعمئة سنة . كان الجهاز على هيئة إناء برونزي مستدير قطره نحو متر وثمانية أعشار من المتر، تُزيّن جدارانه الخارجية تنانين ثمانية متوجّهة نحو الجهات الثماني، وفي فم كل تنين كرة معدنية؛ وأسفل كل تنين ضفدعة برونزية مفتوحة الفم. وحين يُهزّ الجهاز بفعل زلزال ما، تنزلق إحدى الكرات من فم التنين المتجه نحو الجهة الآتية منها الموجة إلى فم الضفدعة أسفله، محدثةً صوتًا يُنبّه الحاضرين .

وتُحكى واقعة شهيرة عن الجهاز حين سقطت كرة ذات يوم دون أن يشعر أحد بأي اهتزاز في العاصمة، فاستُنكر ذلك وشُكِّك في دقة الجهاز، حتى جاءت رسائل من مسافة سبعمئة كيلومتر غربًا تُبلّغ عن زلزال قوي. كان الجهاز قد رصد موجة سطحية لم يُدركها الإحساس البشري في موضع الجهاز. وهذا الانتصار الصامت خير شاهد على عبقرية العلم الهاني الذي عمل في مجاهل لا تبلغها الحواس.

وكان جانغ هينغ أكثر من مجرد مخترع: فهو الذي بنى أول كرة فلكية ذات حركة آلية (أسطرلاب) تعمل بالطاقة المائية تُجسّد حركة الأجرام السماوية وتُسهل دراستها، وأجرى حسابات رياضية دقيقة لعدد الكواكب المرئية بالعين المجردة ورصد أكثر من ألفي نجم، وكتب شعرًا رائعًا وصف فيه تشانغآن عاصمة هان الغربية بأسلوب يفيض بالتفاصيل التاريخية والعمرانية.

ثالثًا: سيما تشيان — أبو التاريخ الصيني

في ميدان العلوم الإنسانية، لا شخصية أبرز في الإرث الهاني من سيما تشيان (司馬遷، حوالي 145–86 ق.م)، الذي كان يشغل منصب “المنجّم الأكبر” في بلاط وودي — وهو منصب كان يشمل أيضًا تدوين التاريخ وحفظ الأرشيف الإمبراطوري. أنجز سيما تشيان في الفترة الممتدة بين عامي 109 و91 ق.م عمله الموسوعي الكبير “سيجي” (史記 سجلات المؤرخ الكبير)، الذي اتّسع في مئة وثلاثين فصلًا لاستيعاب أكثر من ألفين وخمسمئة سنة من التاريخ الصيني، من عصر الإمبراطور الأصفر الأسطوري حتى عهد وودي المُعاصِر للمؤلف .

كان إنجاز سيما تشيان أعمق من مجرد جمع المعلومات: فقد ابتكر أسلوبًا تاريخيًا جديدًا يقوم على الجمع بين الحوليات والسِّيَر الشخصية والجداول الزمنية والمونوغرافيات الموضوعية، مُرسيًا نموذجًا استمرت عليه الكتابة التاريخية الرسمية في الصين — واليابان وكوريا وفيتنام التي تأثرت بها — حتى القرن العشرين. وما يزيد المأثرة إدهاشًا أن سيما تشيان أكمل عمله رغم أنه تعرّض لعقوبة الإخصاء (خزيًا من أشدّ ما أبتلي به الأحرار في الثقافة الصينية) بأمر من الإمبراطور وودي بسبب دفاعه عن أحد قادة الجيش المهزوم. اختار أن يحيا ويُكمل عمله بدلًا من الانتحار الذي كان المعتاد لمن عاش مثل هذه الخزية، وعبّر عن ذلك بعبارة تاريخية خالدة:

“والإنسان يموت مرةً واحدة، قد تكون أثقل من جبل وقد تكون أخفّ من ريشة. إن موتًا من أجل غايةٍ سامية كالموت من أجل الشعب فهو كالجبل، وموتًا في خدمة الظالمين والانتهازيين كالريشة.”
— سيما تشيان، رسالة إلى رين آن، حوالي 91 ق.م

ويُعدّ “سيجي” حتى اليوم من أعظم الأعمال في التراث الأدبي والتاريخي الإنساني، وقد وصفه المؤرخون الغربيون المعاصرون بما يوازي تاريخ هيرودوت وتوكيديديس في رتبته وتأثيره على التراث المكتوب.

رابعًا: اختراعات حضارية متنوعة

لا تنحصر إنجازات عصر هان العلمية في الورق والزلزالية والتاريخ. فقد شهدت الحقبة الهانية تطويرًا ملحوظًا لتقنيات صناعة الحديد بالصهر في أفران منفوخة هوائيًا بمحركات مائية — وهي تقنية لم تبلغها أوروبا إلا في القرن الرابع عشر الميلادي — مما رفع إنتاجية الأدوات الزراعية والأسلحة الحربية إلى مستويات غير مسبوقة . وكذلك شهدت تطوير المحراث الحديدي ذي اللوحين والبذّارة الميكانيكية (آلة حفر أخاديد وإلقاء البذور في الوقت ذاته)، وهي ابتكارات زراعية لم تظهر مثيلاتها في الغرب إلا بعد مرور خمسة عشر قرنًا. كما عُرف الهانيون بإتقانهم تقنيات البناء الهيدروليكي والسدود ومشاريع الري التي ضاعفت الرقعة الزراعية، وبتطورهم في علم الفلك حتى رسموا خرائط نجمية أكثر دقة مما عرفه الإغريق في حقبتهم.

هان الشرقية: عودة وانحدار متوازيان

أولًا: وانغ مانغ والانقطاع الإصلاحي

في عام 9 م، وبعد عقود من ضعف الأباطرة وهيمنة الأسر الخارجية عبر الزواج والنفوذ، أُسقطت هان الغربية على يد مسؤول بارع يُدعى وانغ مانغ (王莽، 45 ق.م – 23 م) الذي أعلن نفسه مؤسسًا لـ”أسرة شين” (新朝 “الأسرة الجديدة”). وقد كان وانغ مانغ في حياته ودعايته نموذجًا للمثقف الكونفوشيوسي الفاضل: عُرف بتواضعه وزهده، ووزّع أملاكه على الفقراء، ورفض الهبات والألقاب مرارًا قبل قبولها، حتى قارنه المعجبون بالقديسين الكونفوشيوسيين الكبار.

سعى وانغ مانغ إلى تطبيق برنامج إصلاحي ثوري استلهمه من تعاليم كونفوشيوس والكلاسيكيات القديمة: قَسّم الأراضي الزراعية الكبيرة وأعاد توزيعها على الفلاحين، وأبطل الرقّ، وأنشأ بنوكًا حكومية للإقراض الميسّر، وضبط أسعار السلع الأساسية، وأصلح العملة. لكن كل هذه الإصلاحات المتسرّعة والمتشعّبة والمتشابكة أحدثت اضطرابًا اقتصاديًا هائلًا بدلًا من الانتعاش المنشود . وجاءت كوارث طبيعية — في مقدمتها تغيّر مجرى نهر الهوانغ هي (النهر الأصفر) بسبب الفيضانات المتكررة — لتُشرّد ملايين الفلاحين وتُهيّئ لانتفاضة الحمراء العيون (赤眉軍) التي اجتاحت تشانغآن عام 23 م وقطعت رأس وانغ مانغ.

ثانيًا: الإمبراطور غوانغوو وإعادة التأسيس

في خضم الفوضى التالية لمقتل وانغ مانغ، تقاتل عدة مدعين للعرش حتى برز من بينهم ليو شيو (劉秀، 5 ق.م – 57 م)، وهو من النسب الهاني المباشر، وأثبت جدارة عسكرية ودبلوماسية استثنائية أفضت إلى توحيد الأراضي الصينية بحلول عام 36 م تحت لقب الإمبراطور غوانغوو (光武帝). اختار غوانغوو مدينة لويانغ عاصمةً لحكمه الجديد في الشرق، مما أعطى الفترتين التسميتين اللتين علقتا في التاريخ: “هان الغربية” و”هان الشرقية”.

اعتمد غوانغوو في حكمه سياسة مخالفة لنهج وودي: آثر التقشف والتحالف مع أسر الملاك الكبار بدلًا من استئصالهم، وخفّض حجم الجيش النظامي وأعاد معظم الجنود إلى الأرض. غير أن هذا الاعتماد على الأسر الأرستقراطية الكبيرة سيُزرع بذرةً دمويةً تطرح ثمارها في جيل لاحق، حين تتحوّل هذه الأسر إلى قوى مستقلة تتنافس مع السلطة المركزية وتُقوّضها.

ثالثًا: انحدار هان الشرقية

اتّسم القرن الثاني الميلادي بتصاعد التوترات البنيوية داخل الإمبراطورية الهانية: أباطرة يعتلون العرش صغارًا فتستولي على السلطة الفعلية أمهاتهم وأعمامهم من الأسر الكبيرة (外戚 Wàiqī)، فتردّ الخصيان الإمبراطوريون على هذا التمدّد بتحالفهم مع الأباطرة ضد الأسر الخارجية، ثم تُحدث النخب العلمانية والعلمية انتقادات عنيفة لنفوذ الخصيان فتُقمع في موجات من المضايقة والسجن. وقد سُمّيت هذه المواجهة في التاريخيات الصينية بـ”نكبات الفصائل” (黨錮之禍 184 م) التي أدّت إلى تنفير الطبقة العلمية من الدولة وتحطيم جسور الثقة بين المركز وأجهزة الحكم .

في عام 184 م اندلعت “ثورة الأعمامة الصفراء” (黃巾起義)، وهي انتفاضة دينية شعبية واسعة قادها المريدون الطاويون للمعلم جانغ جيو، الذي بشّر بانقضاء “عصر الجنة الزرقاء” الفاسد وحلول “عصر الجنة الصفراء” الطاهر. انتشرت الثورة كالنار في الهشيم في أرجاء شتى من الإمبراطورية، ودفعت بلاط لويانغ إلى الاستعانة بقادة عسكريين إقليميين لقمعها — ولكن بثمن باهظ: إذ تحوّل هؤلاء القادة من أدوات في يد الدولة إلى أسياد مستقلين على أقاليمهم، كان أبرزهم كاو تساو (曹操، 155–220 م) الذي بات يتحكم في الإمبراطور الأخير شيان وفي كل مقررات السياسة دون أن يحمل لقب الإمبراطور رسميًا .

في عام 208 م، شهد نهر اليانغتسي معركة “الجرف الأحمر” (赤壁之戰) البحرية الشهيرة حين حاول كاو تساو توحيد الصين بضربة عسكرية حاسمة، فهُزم بسبب تكتيك حرق السفن الأسطورية ومحاربة تحالف ليو بي وسون تسيوان. وبهذه الهزيمة تثبّتت جغرافيا الانقسام، ونُسجت خطوط الانقسام الكبرى لما سيُعرف لاحقًا بـ”حقبة الممالك الثلاث”. وفي عام 220 م، أجبر كاو بي (ابن كاو تساو) الإمبراطور شيان على التنازل عن العرش، مُسدلًا بذلك الستار رسميًا على حضارة هان التي طبعت ألفية البشرية بطابعها.

الإرث التاريخي: شعب الهان إلى الأبد

حين يقف المرء اليوم أمام اللافتة التي تُعلن عن “الحي الصيني” في نيويورك أو لندن أو كوالالمبور، تجده يحمل في الغالب الاسم الصيني “تانغرِنجيه” أو “هانرِنجيه” (唐人街/漢人街)، وفي الاسمين معًا إشارة إلى أسرتين عظيمتين: تانغ وهان. والحضور المزدوج لهذين الاسمين في الهوية الصينية المعاصرة يُلخّص وحده عمق الأثر الذي تركته أسرة هان في تشكيل ما يُسمّى “الصينية” بمفهومها الثقافي الذاتي .

على الصعيد المؤسسي، استمر نظام الامتحانات الإمبراطوري الذي رسّخت هان أسسه معيارًا للحوكمة الصينية حتى عام 1905 م. والكونفوشيوسية التي رفعها وودي إلى مكانة الأيديولوجيا الرسمية لم تنته أسرة هان حتى كانت قد تجذّرت في الوجدان الصيني واليابان والكوريتين وفيتنام تجذّرًا لن تزيله عشرون قرنًا لاحقة. وسجلات المؤرخ الكبير (سيجي) لسيما تشيان أسّست لتقليد تاريخي رسمي اتبعته كل الأسرات اللاحقة في كتابة تاريخها. والورق الذي طوّرته هان سيصل عبر طريق الحرير إلى العالم الإسلامي وعبره إلى أوروبا ليُحدث ثورة المعلومات الأولى في التاريخ البشري. أما اسم “هان” نفسه فقد أصبح اسم الشعب الصيني الأكبر الذي لا يزال يحمله مئة ومئتان وستة وأربعون مليون إنسان اليوم على وجه الأرض.

وفي الخلاصة، يصعب أن تجد في تاريخ البشرية أسرةً حاكمة قصيرة الأمر نسبيًا أثّرت في مجرى الحضارة الإنسانية بعمق ما أثّرت به أسرة هان في مجريات ما قبلها وما بعدها — حتى لَيُجازف المؤرخ بالقول إن من أراد أن يفهم الصين فعليه أولًا أن يفهم هان.