| معلومات عامة | |
| التسمية | الحملة الصليبية الرابعة (Fourth Crusade) |
| التاريخ | 1202 – 1204 م |
| الجهة الداعية | البابا إنوسنت الثالث، 1198 |
| الهدف المعلن | استرداد بيت المقدس عبر غزو مصر الأيوبية |
| الموقع | زارا (الدلماسية)، القسطنطينية |
| النتيجة | نهب القسطنطينية وتفكيك الإمبراطورية البيزنطية وتأسيس الإمبراطورية اللاتينية |
| الخسائر | خسائر صليبية وبيزنطية غير محددة بدقة من أصل نحو 20,000 صليبي و30,000 مدافع بيزنطي، إضافة لخسائر مدنية جسيمة |
| الأطراف المتحاربة | |
| قوات الحملة الصليبية | فرسان فرنسيون وفلمنكيون وإيطاليون، جمهورية البندقية |
| الطرف المستهدف نهائياً | الإمبراطورية البيزنطية (الأرثوذكسية) |
| القيادات الرئيسة | |
| قائد الحملة العسكري | بونيفاس مركيز مونتفرات |
| دوج البندقية | إنريكو داندولو (التسعيني الكفيف) |
| المؤرخ المعاصر للحملة | جوفروا دو فيلاردوان، فارس وشاهد عيان |
| الأباطرة البيزنطيون المتعاقبون | إسحاق الثاني أنجيلوس، أليكسيوس الرابع أنجيلوس، أليكسيوس الخامس دوكاس |
| أبرز الأحداث | |
| سقوط زارا | 24 نوفمبر 1202 – أول هجوم صليبي على مدينة كاثوليكية |
| حصار القسطنطينية الأول | يونيو-يوليو 1203 – تتويج أليكسيوس الرابع |
| اغتيال أليكسيوس الرابع | 8 فبراير 1204 |
| سقوط القسطنطينية | 12-15 أبريل 1204 – نهب شامل للمدينة استمر ثلاثة أيام |
| النتائج والكيانات الناشئة | |
| الكيان السياسي الجديد | الإمبراطورية اللاتينية للقسطنطينية (1204-1261)، أول إمبراطور بلدوين التاسع كونت فلاندرز |
| الدويلات البيزنطية الخلَفية | إمبراطورية نيقية، إمبراطورية طرابزون، إمارة إبيروس |
| استعادة القسطنطينية | 1261 على يد إمبراطورية نيقية |
أطلق البابا إنوسنت الثالث، الذي تولى السدة البابوية في سن السابعة والثلاثين، دعوته لحملة صليبية جديدة عام 1198، حاملاً رؤية طموحة لتوحيد المسيحية الغربية تحت قيادة بابوية مباشرة، واستهدف من خلالها استرداد بيت المقدس عبر استراتيجية مختلفة هذه المرة، تقوم على ضرب مصر الأيوبية أولاً باعتبارها مركز الثقل الحقيقي للقوة الإسلامية في المنطقة، قبل التوجه نحو فلسطين. وبما أن هذه الاستراتيجية تطلبت نقل جيش ضخم بحراً بدلاً من السير عبر الأناضول كما جرت العادة في الحملات السابقة، فقد توجه قادة الحملة إلى جمهورية البندقية، القوة البحرية الأعظم في البحر المتوسط آنذاك، لتأمين الأسطول اللازم لهذا الغرض.
وفي عام 1201، أبرم مبعوثو الحملة اتفاقاً مع جمهورية البندقية ودوجها إنريكو داندولو، الرجل التسعيني الكفيف الذي امتلك مع ذلك دهاءً سياسياً واستراتيجياً استثنائياً، تعهدت بموجبه البندقية ببناء وتجهيز أسطول لنقل ما يقارب 33,500 مقاتل مقابل مبلغ ضخم بلغ نحو 85,000 مارك فضي. غير أن قادة الحملة بالغوا بشكل كبير في تقدير أعداد المقاتلين الذين سيتمكنون من حشدهم، إذ توجه كثير منهم إلى موانئ أخرى بدلاً من البندقية، فلم يصل إلى المدينة عند الموعد المحدد صيف عام 1202 سوى ثلث العدد المتوقع تقريباً، وهو ما جعل الجيش الصليبي عاجزاً عن سداد المبلغ المتفق عليه بالكامل.
أمام عجز قادة الحملة عن سداد الدين المستحق للبندقية، اقترح الدوج داندولو حلاً بديلاً يقضي بمساعدة الصليبيين للبندقية في استعادة السيطرة على مدينة زارا الواقعة على الساحل الدلماسي، والتي كانت قد تمردت على الحكم الفينيسي وانضوت تحت حماية ملك المجر الكاثوليكي، مقابل تعليق الدين المتبقي إلى حين سداده من الغنائم المستقبلية. ورغم أن زارا كانت مدينة مسيحية كاثوليكية يحكمها ملك كان قد أقسم بدوره يمين الحملة الصليبية، فقد قبل قادة الجيش هذا العرض مكرهين أمام قلة خياراتهم المتاحة.
وفي الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1202، استولت القوات الصليبية على زارا ونهبتها، في أول هجوم يشنه جيش صليبي كاثوليكي على مدينة كاثوليكية أخرى منذ بداية الحركة الصليبية بأكملها. وقد صُدم البابا إنوسنت الثالث بشدة لدى علمه بهذا الحدث، فأصدر على الفور حرماناً كنسياً جماعياً شمل الصليبيين والفينيسيين على حد سواء، رغم أنه اضطر لاحقاً إلى رفع هذا الحرمان جزئياً عن المقاتلين الفرنسيين والفلمنكيين، حرصاً منه على إبقاء الحملة قائمة وعدم التضحية بمشروعه الكبير بالكامل، فيما أبقى الحرمان سارياً على الفينيسيين أنفسهم.
وفيما كانت الحملة تمضي شتاءها في زارا، وصل إليها عرض غير متوقع غيّر مسار الحملة بأكملها؛ إذ تواصل الأمير البيزنطي الشاب أليكسيوس أنجيلوس، نجل الإمبراطور المخلوع والمسمل عينيه إسحاق الثاني أنجيلوس، مع قادة الحملة عارضاً عليهم مساعدته في استعادة العرش لوالده مقابل مكافأة مالية ضخمة بلغت 200,000 مارك فضي، إضافة إلى تعهده بإخضاع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لسلطة روما البابوية، وتزويد الحملة بالمؤن، والمشاركة شخصياً في حملة لاحقة ضد المسلمين.
ورغم رفض البابا إنوسنت الثالث الصريح لهذا التحويل الجديد لمسار الحملة نحو القسطنطينية، مضى بونيفاس مركيز مونتفرات، القائد العسكري للحملة، والدوج داندولو، الذي كان يحمل ضغينة شخصية قديمة تجاه القسطنطينية منذ طرده المهين منها حين كان سفيراً للبندقية فيها، في خططهما متجاهلين التحذير البابوي. وفي الرابع والعشرين من يونيو عام 1203، وصل الأسطول الصليبي إلى أسوار القسطنطينية، وبعد حصار قصير، تمكن الصليبيون من إجبار العم المغتصب أليكسيوس الثالث على الفرار من المدينة، فأُعيد إسحاق الثاني إلى العرش شريكاً مع ابنه الذي تُوّج إمبراطوراً باسم أليكسيوس الرابع في الأول من أغسطس عام 1203.
سرعان ما اكتشف أليكسيوس الرابع استحالة الوفاء بوعوده الضخمة التي قطعها للصليبيين، إذ كانت خزينة الدولة البيزنطية المنهكة عاجزة تماماً عن سداد المبلغ الموعود، فاضطر لفرض ضرائب باهظة على سكان المدينة وصهر بعض الكنوز الكنسية المقدسة لسد جزء من الدين، وهو ما أثار سخطاً شعبياً عارماً ضده وضد الصليبيين الذين رابطوا في ضواحي المدينة. وقد اندلعت اضطرابات متكررة بين سكان المدينة المعادين للصليبيين وأنصار أليكسيوس الرابع المؤيدين للاتينيين، استمرت طوال شهور من أغسطس إلى نوفمبر، حتى بدأ معظم سكان المدينة بالانقلاب على إمبراطورهم الجديد.
وفي الخامس والعشرين من يناير عام 1204، توفي الإمبراطور المشارك إسحاق الثاني، وهو ما أشعل فتيل ثورة شعبية أطاحت بأليكسيوس الرابع، الذي وقع في الأسر لدى رئيس الحجاب الإمبراطوري أليكسيوس دوكاس، الذي أعلن نفسه إمبراطوراً باسم أليكسيوس الخامس في الخامس من فبراير، ثم أمر بخنق أليكسيوس الرابع حتى الموت في الثامن من الشهر ذاته. وحين حاول الإمبراطور الجديد التفاوض مع الصليبيين على انسحاب سلمي دون أي تعويض مالي، رفض هؤلاء العرض بشدة، إذ وجدوا في مقتل حليفهم السابق ذريعة كافية لتسوية حساباتهم المالية المعلقة بالقوة، فاتخذ قادة الحملة والبندقية معاً في مارس 1204 قراراً حاسماً بغزو القسطنطينية واحتلالها بشكل مباشر، ووقّعوا اتفاقاً رسمياً مسبقاً لتقسيم الإمبراطورية البيزنطية بأكملها فيما بينهم.
في التاسع من إبريل عام 1204، شنت القوات الصليبية والفينيسية هجوماً أولياً على تحصينات القرن الذهبي شمال غرب المدينة، إلا أن سوء الأحوال الجوية وكثافة نيران السهام البيزنطية المدافعة أجبرتهما على التراجع. وفي الثاني عشر من إبريل، تحسنت الأحوال الجوية لصالح المهاجمين، إذ ساعدت رياح شمالية قوية السفن الفينيسية على الاقتراب من أسوار المدينة المطلة على البحر، ما مكّن المهاجمين من السيطرة على عدد من الأبراج الدفاعية، وتمكن نحو سبعين فارساً صليبياً من اختراق الأسوار، فيما أحدث آخرون ثغرات كافية في الجدران سمحت بمرور بقية القوات، إلى جانب نجاح الفينيسيين في تسلق الأسوار من جهة البحر رغم المقاومة الشرسة من قبل الحرس الفارانجي الإمبراطوري.
وما إن سقطت المدينة بالكامل بحلول الثالث عشر من إبريل، حتى أطلق الصليبيون والفينيسيون لأنفسهم العنان في واحدة من أشد عمليات النهب وحشية وانتهاكاً للحرمات في التاريخ الأوروبي بأكمله، إذ انتهك الصليبيون بشكل ممنهج كنائس المدينة المقدسة وأديرتها رغم القسم الذي أدوه باحترامها والتهديد الكنسي بالحرمان، فدمروا ونهبوا وسرقوا كل ما وقعت عليه أيديهم من ذخائر وآثار مقدسة وتحف فنية متراكمة على مدى قرون من الزمن. وقد سجّل المؤرخ البيزنطي المعاصر نيكيتاس خونياتيس بمرارة بالغة مشاهد الفوضى والعنف التي عمّت المدينة خلال تلك الأيام، فيما كان المؤرخ العربي المسلم الوحيد الذي وثّق هذا الحدث بتفصيل، ابن الأثير، قد وصفه بأنه فظاعة لم يسبق لها مثيل من حيث حجم النهب والقتل والتدمير الممنهج لقرون من الحضارة الكلاسيكية والمسيحية المتراكمة. ولم تسلم النساء، بمن فيهن الراهبات، من الاعتداءات الجسدية التي ارتكبها بعض المقاتلين، فيما تعرضت كنيسة آيا صوفيا نفسها، أعظم كنائس العالم المسيحي آنذاك، لانتهاكات صارخة طالت مذبحها المقدس.
عقب سقوط المدينة، نفّذ قادة الحملة الاتفاق الذي أبرموه مسبقاً لتقسيم الإمبراطورية البيزنطية، إذ اختار اثنا عشر ناخباً، ستة من الفينيسيين وستة من الفرنجة، إمبراطوراً جديداً للقسطنطينية يحكم ربع الأراضي الإمبراطورية، فيما وُزّعت الأرباع الثلاثة المتبقية بين البندقية والنبلاء الصليبيين الآخرين. ووقع الاختيار على بلدوين التاسع كونت فلاندرز ليُتوَّج أول إمبراطور لما عُرف بالإمبراطورية اللاتينية للقسطنطينية، وذلك في كنيسة آيا صوفيا نفسها، فيما أُسست إلى جانبها كيانات صليبية أصغر مثل إمارة أخائية ودوقية أثينا، استمرت بعضها لقرون عديدة بعد ذلك رغم زوال الإمبراطورية اللاتينية الأم.
ولم تُمح الإمبراطورية البيزنطية كلياً عن الخريطة السياسية رغم هذه الكارثة، إذ تمكن النبلاء البيزنطيون الفارون من تأسيس عدة دويلات خلفية حافظت على استمرارية الهوية البيزنطية، أبرزها إمبراطورية نيقية في غرب الأناضول، التي نجحت في نهاية المطاف باستعادة القسطنطينية نفسها عام 1261 بعد سبعة وخمسين عاماً من الحكم اللاتيني، وأعادت إحياء الإمبراطورية البيزنطية رسمياً، إلى جانب إمبراطورية طرابزون في شمال شرق الأناضول وإمارة إبيروس في غرب اليونان.
تركت الحملة الصليبية الرابعة أثراً مدمراً ودائماً على مستقبل الإمبراطورية البيزنطية وعلى مسار الحركة الصليبية بأكملها؛ فعلى الرغم من نجاح إمبراطورية نيقية في استعادة القسطنطينية عام 1261، فإن الإمبراطورية البيزنطية المستعادة لم تستطع أبداً استرجاع كامل أراضيها السابقة أو قوتها الاقتصادية والعسكرية التي كانت عليها قبل هذا الحدث الكارثي، وظلت كياناً ضعيفاً متهالكاً استسلم تدريجياً أمام الزحف العثماني المتصاعد على مدى القرنين التاليين، إلى أن سقطت القسطنطينية نهائياً بيد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453.
وعلى الصعيد الديني، أحدثت هذه الحملة شرخاً نهائياً لا يمكن رأبه بين الكنيستين الكاثوليكية الرومانية والأرثوذكسية الشرقية، إذ اعتبر المسيحيون الأرثوذكس هذا الحدث خيانة عميقة وغير مسبوقة من إخوانهم المسيحيين الغربيين الذين كان من المفترض أن يأتوا لنجدتهم لا لنهب عاصمتهم، وهو الشرخ الذي عمّق الانقسام العقدي القائم منذ الانشقاق الكبير عام 1054 وجعل أي مصالحة لاحقة بين الكنيستين أمراً بالغ الصعوبة.
ومن الناحية الاستراتيجية الأوسع، فإن الاعتقاد السائد آنذاك بأن غزو القسطنطينية سيخدم في نهاية المطاف الجهد الصليبي العام تجاه الأراضي المقدسة تبيّن أنه سراب بعيد المنال، إذ تحول استنزاف موارد وطاقات أوروبا في إدارة الإمبراطورية اللاتينية الهشة والدفاع عنها إلى عبء حقيقي استنزف الزخم الصليبي بدلاً من تعزيزه، فلم تتمكن أي من الحملات الصليبية اللاحقة من استعادة الزخم أو النجاح الذي حققته الحملتان الأولى والثالثة سابقاً. وحين بلغت أنباء سلوك الحجاج الصليبيين أسماع البابا إنوسنت الثالث نفسه، الذي كان قد أطلق هذه الحملة بنوايا روحية صادقة، أصابه شعور عميق بالخزي والخجل، فوجّه توبيخاً شديد اللهجة لقادتها، مدركاً متأخراً حجم الكارثة الأخلاقية والدينية التي ارتُكبت باسم الصليب.
لقد كانت فظاعة من حيث حجم النهب والقتل والتدمير العابث لقرون من الحضارة الكلاسيكية والمسيحية.
— ابن الأثير، المؤرخ المسلم، حول سقوط القسطنطينية، أوائل القرن الثالث عشر