تأسيس دولة إسرائيل — أو ما يُعرف في الأدبيات الصهيونية بـهاتقوما (القيام) وفي الوعي الفلسطيني والعربي بعام النكبة — هو الحدثُ الذي شكّل أعمقَ نقاطٍ تحوّل في تاريخ المنطقة العربية في القرن العشرين، وما انفكّ يُلقي بظلاله الثقيلة على مجريات الأحداث العالمية حتى اليوم. وقد جاء هذا الحدث في الرابع عشر من مايو/ أيار عام 1948م حين أعلن ديفيد بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية ومؤسسُ الدولة العبرية، من متحف تل أبيب قيامَ دولة إسرائيل على أرض انتهى فيها الانتداب البريطاني لتوّه، وذلك بعد مسيرةٍ طويلة ومتشعّبة امتدّت لأكثر من نصف قرن من التخطيط والعمل السياسي والعسكري والدبلوماسي الصهيوني المتواصل.

وقد استغرق المشروعُ الصهيوني الهادف إلى إقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين أكثر من خمسة عقود متواصلة منذ أن نشر المحامي اليهودي النمساوي تيودور هرتزل كتيّبه الشهير «الدولة اليهودية» عام 1896م، حتى اللحظة التي رُفعت فيها أعلامُ إسرائيل فوق تل أبيب. وقد مرّت هذه المسيرة بمحطاتٍ فارقة لا يمكن فهم نهايتها دون استيعاب بداياتها ومراحلها المتعاقبة: من المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897م، إلى وعد بلفور الإنجليزي عام 1917م، إلى انتداب عصبة الأمم الذي أعطى بريطانيا حقَّ إدارة فلسطين، إلى موجات الهجرة اليهودية المتتالية إلى أرض فلسطين التي غيّرت بشكلٍ جذري التركيبةَ الديموغرافية للبلاد، وصولاً إلى قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين عام 1947م.

وتتباين تقييماتُ هذا الحدث الكبير تبايناً جوهرياً بحسب المرجعيات والمنظورات: فمن منظور الحركة الصهيونية واليهود الداعمين لها، جاء تأسيسُ إسرائيل استجابةً تاريخيةً عادلة لمعاناة اليهود عبر قرون من الاضطهاد والتشريد، وخاتمةً لكارثة الهولوكوست التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي. أمّا من منظور الفلسطينيين والعرب، فقد كان هذا الإعلانُ فجرَ نكبةٍ حضارية هائلة أسفرت عن تهجير ما يزيد على سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني من ديارهم، ودمار أكثر من خمسمئة وثلاثين قريةً وبلدة فلسطينية، وإقامة دولةٍ على أرضٍ لم تكن في ملكية مؤسسيها في أغلبها. وبين هذين المنظورين يقع معظمُ التاريخ الإنساني الذي يُحاول استيعابَ هذه المفارقة المركّبة في أحكامه وأطره التحليلية.

معلومات عامة
الحدث إعلان تأسيس دولة إسرائيل (הַכְרָזָה עַל הַקָּמַת מְדִינַת יִשְׂרָאֵל)
تاريخ الإعلان 14 مايو / أيار 1948م (5 إيار 5708 عبري)
مكان الإعلان متحف تل أبيب (قاعة الاستقلال)، تل أبيب، فلسطين المحتلة
المُعلِن ديفيد بن غوريون (رئيس الوكالة اليهودية ورئيس المجلس اليهودي الوطني)
المدة 16 دقيقة (استغرق بن غوريون قراءة وثيقة الاستقلال)
السياق التاريخي والمقدمات
المؤتمر الصهيوني الأول بازل، سويسرا، 1897م (بقيادة تيودور هرتزل)
وعد بلفور 2 نوفمبر / تشرين الثاني 1917م
الانتداب البريطاني 1920 – 14 مايو 1948م
قرار التقسيم الأممي القرار 181 — 29 نوفمبر 1947م (33 صوتاً مؤيداً، 13 معارضاً، 10 ممتنعين)
نسبة اليهود من السكان 1947 32% من سكان فلسطين (يمتلكون 5.4–7% من الأراضي)
الحصة الممنوحة للدولة اليهودية 55.5% من مساحة فلسطين وفق خطة التقسيم
النتائج الفورية
أول اعتراف دولي الولايات المتحدة (بعد 11 دقيقة من الإعلان) — هاري ترومان
الاعتراف السوفيتي 17 مايو 1948م
اندلاع حرب 1948 15 مايو 1948م (دخول جيوش مصر والأردن وسوريا والعراق)
النكبة الفلسطينية تهجير أكثر من 700,000 – 750,000 فلسطيني من ديارهم
عدد القرى المدمّرة أكثر من 530 قرية وبلدة فلسطينية
انضمام إسرائيل للأمم المتحدة 11 مايو 1949م (العضو الـ59)
الجغرافيا والسكان
أول عاصمة معلنة تل أبيب (1948م)، ثم القدس الغربية (1950م)
المساحة بعد حرب 1948 حوالي 20,770 كم² (أكبر بـ20% مما خصّصه قرار التقسيم)
أول رئيس وزراء ديفيد بن غوريون
أول رئيس للدولة حاييم وايزمان (العالم الكيميائي وزعيم الحركة الصهيونية)
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: جذور الحركة الصهيونية وفكرة الدولة اليهودية

لا يمكن فهم تأسيس إسرائيل دون استيعاب الجذور الفكرية والسياسية للحركة الصهيونية التي أرست الأساسَ النظري والتنظيمي لهذا المشروع عبر عقود متواصلة. نشأت الصهيونية كحركةٍ سياسية حديثة في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، في سياق موجةٍ عارمة من معاداة السامية والاضطهاد الذي كان يعانيه اليهودُ في الإمبراطورية الروسية وأوروبا الشرقية والوسطى. وكانت الفكرة الجوهرية للصهيونية أنّ حلَّ «المسألة اليهودية» في أوروبا لا يكمن في الاندماج والإصلاح المدني، بل في تأسيس وطنٍ قومي مستقل يتمتع فيه اليهودُ بالسيادة الكاملة.

وكان المحرّكُ الفكري الأبرز لهذه الحركة الصحفيَّ والمحامي اليهودي المجري الأصل تيودور هرتزل (1860-1904م) الذي نشر عام 1896م كتيّبَه التأسيسي «الدولة اليهودية» (Der Judenstaat) الذي أطّر الصهيونيةَ بوصفها ضرورةً سياسية لا مفرَّ منها وحلّاً حتمياً للاضطهاد اليهودي. ثم عقد هرتزل في العام التالي 1897م المؤتمرَ الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية الذي أعلن صراحةً عن هدف إقامة «وطنٍ قومي لليهود في فلسطين محمي بالقانون الدولي»، وكان هرتزل قد دوّن في يوميّاته بعد هذا المؤتمر قائلاً ما يُفيد أنّ ثمة دولةً ستقوم في فلسطين خلال خمسين عاماً، وقد كان في تقدير الزمن دقيقاً إلى حدٍّ مدهش. وقد وضعت الحركةُ الصهيونية في خطّتها برنامجَ تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتنظيم يهود الشتات وبناء المؤسسات التحضيرية للدولة.

غير أنّ فلسطين لم تكن أرضاً شاغرةً في تلك الحقبة؛ إذ كانت تقطنها أغلبيةٌ عربية ساحقة مسلمةٌ ومسيحية تمتدّ جذورُها في أرضها لعشرات الأجيال، وكانت نسبةُ اليهود فيها عام 1880م لا تتجاوز خمسةً في المئة من إجمالي السكان. وقد تجلّى هذا التوتّر الجوهري بين طموحات الحركة الصهيونية وحقوق السكان الأصليين في الملاحظة الشهيرة التي أطلقها خيرات اللازار الحاخام اليهودي الذي أُوفد إلى فلسطين عام 1897م للاستطلاع والتقرير، فكتب: «العروس جميلة لكنها متزوجة من رجلٍ آخر». وقد فتح هذا الجوهرُ المتناقض بابَ النزاع الذي لا يزال شعلتُه مشتعلةً حتى اليوم.

ثانياً: وعد بلفور 1917 والانتداب البريطاني على فلسطين

مثّل وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1917م اللبنةَ الدولية الأولى والأشدّ أثراً في مسيرة إقامة الدولة الإسرائيلية؛ إذ حوّل المشروعَ الصهيوني من حلمٍ سياسي معلق في الهواء إلى مشروعٍ تدعمه قوةٌ استعمارية كبرى. جاء هذا الوعد في رسالةٍ رسمية بعث بها آرثر جيمس بلفور وزيرُ الخارجية البريطاني إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز قادة المجتمع اليهودي في بريطانيا ورئيس الاتحاد الصهيوني، وقد نشرت نصَّها الصحافةُ في التاسع من نوفمبر من العام ذاته.

كان نصُّ الرسالة مؤلّفاً من سبعةٍ وستين كلمةً بالإنجليزية جاء فيها: «إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعينٍ مؤاتية إلى إقامة وطنٍ قومي لشعب اليهود في فلسطين وستبذل غاية جهدها لتيسير تحقيق هذه الغاية، على أن يكون ذلك مفهوماً بجلاءٍ أنه لن يُؤتى بعملٍ من شأنه أن يُفضي إلى الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين». وقد لاحظ كثيرٌ من الباحثين أنّ هذه الكلماتِ أشارت إلى حقوق الأغلبية العربية بوصفها «الطوائف غير اليهودية» دون أن تُشير إلى حقوقهم الوطنية والسياسية، مكتفيةً بذكر حقوقهم المدنية والدينية. وقد صدر هذا الإعلانُ خلال الحرب العالمية الأولى وفي سياقٍ استراتيجي بريطاني يهدف إلى استمالة المشاعر اليهودية في الولايات المتحدة وروسيا لصالح الحلفاء.

وعلى صعيد الاستجابة الفلسطينية والعربية، قوبل وعدُ بلفور بالرفض القاطع والاستنكار الشامل؛ إذ عقد الفلسطينيون مؤتمراتٍ شعبية تنديداً به، ووصفه عوني عبد الهادي القائدُ الفلسطيني الوطني في مذكراته بأنّه «صدر من إنجليزيٍّ لا حقَّ له في فلسطين، إلى يهودي لا حقَّ له فيها». كما أعلن المؤتمرُ الفلسطيني الثالث في حيفا عام 1920م أنّ بريطانيا تنتهك بهذا الوعد القانونَ الدولي وحقوقَ السكان الأصليين. وتكشف الدراساتُ التاريخية أنّ الأغلبية الساحقة من سكان فلسطين — البالغين نحو ستمئة ألف عربي في مواجهة خمسة وخمسين ألف يهودي آنذاك — لم يُستشاروا قطّ في إصدار هذا القرار المصيري.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، تسلّمت بريطانيا في عام 1922م انتدابَ عصبة الأمم على فلسطين، وقد أُدرج وعدُ بلفور ضمن وثيقة الانتداب تلك. وعلى مدى ما يزيد على ربع قرن من الانتداب البريطاني (1922-1948م)، تصاعدت موجاتُ الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتصاعد معها التوتّر مع السكان العرب الأصليين في حلقات متصاعدة من العنف. وقد حاول البريطانيون في أحيانٍ كثيرة إبطاء وتيرة الهجرة استجابةً للمقاومة الفلسطينية، لا سيّما بعد ثورة 1936-1939م، وأصدروا الكتابَ الأبيض عام 1939م محدِّدين فيه سقفَ الهجرة بخمسةٍ وسبعين ألف مهاجر خلال خمس سنوات، وهو ما استنكره الصهيونيون بشدّة.

ثالثاً: موجات الهجرة اليهودية وتغيّر التركيبة الديموغرافية

شكّلت موجاتُ الهجرة اليهودية إلى فلسطين العاملَ الديموغرافي الحاسم في إرساء الواقع المتغيّر الذي مهّد الطريقَ لتأسيس الدولة. فبينما كانت نسبةُ اليهود في فلسطين لا تتجاوز سبعةً في المئة مطلعَ القرن العشرين، ارتفعت إلى حوالي اثنين وثلاثين في المئة بحلول عام 1947م، وكان وراء هذا الارتفاع الكبير خمسُ موجات هجرةٍ منظّمة عُرفت في الأدب الصهيوني بـ«عاليّا» (العَودة). وقد جاءت الموجاتُ الأولى من يهود أوروبا الشرقية الفارّين من اضطهاداتٍ متتالية في روسيا القيصرية ودول البلطيق وبولندا ورومانيا، ثم تصاعدت وتيرةُ الهجرة بشكلٍ حادّ في ثلاثينيات القرن الماضي بعد صعود هتلر إلى الحكم في ألمانيا وبدء موجة الاضطهاد النازي لليهود.

وقد كان المهاجرون اليهود يصطحبون معهم بالتدريج مؤسساتٍ شبه حكومية رتّبت للدولة المرتقبة بنيتَها التحتية قبل إعلانها؛ فكانت الوكالةُ اليهودية تُشرف على شؤون الهجرة والاستيطان، وكانت «الهستدروت» تُدير اتحادَ العمال وتُنظّم الاقتصاد الموازي للمجتمع اليهودي في فلسطين، وكانت قوةُ الهاغاناه شبه العسكرية تتّسع وتتدرّب وتتسلّح. وفي المقابل، كان العربُ الفلسطينيون محرومين بشكلٍ ممنهج من بناء مؤسساتٍ موازية في ظلّ القيود البريطانية، مما أحدث تفاوتاً تنظيمياً وعسكرياً صارخاً بين الطرفَين ظهرت نتائجُه جليّةً لاحقاً في حرب عام 1948م.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانكشاف أهوال الهولوكوست، اشتدّ الضغطُ الدولي لإيجاد مخرجٍ إنساني للناجين اليهوديين من المحارق النازية. وقد تحوّل الضغطُ الأمريكي على بريطانيا ليكون أحدَ العوامل المباشرة في دفع الملف نحو مسرح الأمم المتحدة؛ إذ أعلن الرئيسُ الأمريكي هاري ترومان في أكتوبر 1946م دعمَه الصريح لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وضغط على بريطانيا للسماح بهجرة مئةٍ وخمسة آلاف لاجئ يهودي إلى فلسطين. وعجزت بريطانيا في نهاية المطاف عن إدارة التناقضات المتراكمة وأعلنت إحالةَ ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة في أبريل 1947م.

رابعاً: قرار التقسيم الأممي 181 وما أثاره من جدل

في أبريل 1947م أحالت بريطانيا ملفَّ فلسطين إلى الأمم المتحدة التي شكّلت في الحال لجنةً خاصة عُرفت بـ«أونسكوب» (لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بفلسطين) من مندوبي أحد عشر دولةً محايدة. وبعد زياراتٍ ميدانية لفلسطين ومخيّمات اللاجئين في أوروبا، رفعت اللجنة تقريريها إلى الجمعية العامة: توصى أغلبيتُها بتقسيم فلسطين إلى دولتَين — عربية ويهودية — مرتبطتَين اقتصادياً، مع تدويل القدس وضواحيها، فيما أوصت أقليّتُها بإقامة دولةٍ واحدة فيدرالية ثنائية القومية.

وفي التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م، صوّتت الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة بثلاثةٍ وثلاثين صوتاً مؤيداً وثلاثة عشر معارضاً وعشرة ممتنعين على القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين. وكان التوزيعُ المقترح للأراضي مُثاراً للجدل جوهرياً؛ إذ خصّص القرار 55.5% من مساحة فلسطين للدولة اليهودية في وقتٍ لم يكن يهودُ فلسطين يمتلكون سوى نحو خمسةٍ وأربعة أعشار في المئة أو سبعةً في المئة من الأراضي في أعلى تقديرٍ، ولم تتجاوز نسبتُهم ثلثَ السكان. ووصف مراقبون ومحللون دوليون عملية التصويت بأنّها شهدت ضغوطاً أمريكية غير مسبوقة على الدول الأعضاء، إذ أُرجئ موعدُ التصويت ثلاثةَ أيام خشيةَ عدم حصول المشروع على الغالبية المطلوبة من الثلثَين.

قبلت القيادةُ الصهيونية قرارَ التقسيم من حيث المبدأ، وإن كانت تنوي لاحقاً توسيع ما أتاحه لها بالقوة العسكرية. أمّا القيادةُ الفلسطينية واللجنةُ العربية العليا والدول العربية، فقد رفضت القرارَ رفضاً باتاً، معتبرةً إياه تصرّفاً استعمارياً يُعطي المهاجرين الوافدين حديثاً أرضَ السكان الأصليين دون أي سند قانوني أو أخلاقي. وقد احتجّ رافضو القرار بأنّ ميثاقَ الأمم المتحدة لا يمنح الجمعيةَ العامة صلاحيةَ تقسيم أراضي الشعوب فرضاً عليها، وأنّ حقَّ تقرير المصير الذي أقرّه المجتمعُ الدولي كان يقتضي استشارةَ الأغلبية الفلسطينية لا فرض حلٍّ عليها.

خامساً: إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948

مع اقتراب موعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في منتصف ليل 14 مايو/ أيار 1948م، كانت مدنُ فلسطين تعيش حالةً من الحرب الفعلية التي اشتعلت جذوتُها مباشرةً عقب إعلان قرار التقسيم الأممي. وفي ذلك اليوم التاريخي، اجتمع المجلسُ الشعبي اليهودي المؤلّف من سبعةٍ وثلاثين عضواً في متحف تل أبيب الذي كان يُستخدم قاعةً للحفلات الموسيقية في الظروف الاعتيادية، وافتُتح الاجتماعُ في الساعة الرابعة مساءً بضربةٍ من مطرقة بن غوريون على الطاولة، فانطلقت تلقائياً من الحضور البالغين نحو مئتين وخمسين شخصاً أنشادُ نشيد «هاتيكفا» (الأمل) الذي سيغدو لاحقاً النشيدَ الوطني الرسمي لإسرائيل.

وبعد عزف النشيد، شرع بن غوريون في قراءة وثيقة إعلان استقلال دولة إسرائيل في ستة عشر دقيقة، وانتهت الجلسةُ بتوقيع الأعضاء السبعة والثلاثين على الوثيقة، وختمها بن غوريون بقوله: «لقد أُقيمت دولةُ إسرائيل، ختمت هذه الجلسة». وقد أعلنت الوثيقةُ قيامَ الدولة اليهودية في أرض إسرائيل ابتداءً من لحظة انتهاء الانتداب البريطاني في منتصف الليل، وأكّدت التزامَها بضمان المساواة الاجتماعية والسياسية الكاملة لجميع مواطنيها بصرف النظر عن دينهم أو جنسهم أو عرقهم، وإن كان المنتقدون يرون أنّ الواقعَ التطبيقي جاء مغايراً لهذه النصوص.

وقد جرى الاعترافُ الأمريكي بإسرائيل بعد أحد عشر دقيقةً فقط من الإعلان عبر بيانٍ رسمي أصدره الرئيسُ هاري ترومان، في مشهدٍ كان دالاً على مدى الاهتمام الأمريكي بهذه اللحظة ودرجة تنسيق الموقف مع القيادة الصهيونية مسبقاً. وقد جاء الاعترافُ السوفيتي بعد ثلاثة أيام فقط في السابع عشر من مايو، مما جعل إسرائيل محلَّ اعترافٍ من القوتَين العظيمتَين المتنافستَين في آنٍ معاً، وهو أمرٌ نادرٌ في تاريخ ذلك العصر وأعطى الدولةَ الناشئة زخماً دوليّاً استثنائياً في مراحلها الأولى.

«في الثانية عشرة من ليل 14 مايو 1948م، أعلنت الحكومةُ المؤقتة لإسرائيل قيامَ الدولة الجديدة، وتعترف الولاياتُ المتحدة بالحكومة المؤقتة بوصفها السلطةَ الفعلية للدولة الجديدة.»
— بيان الرئيس هاري ترومان، الأرشيف الوطني الأمريكي، 14 مايو 1948م

سادساً: حرب 1948 — الحرب العربية الإسرائيلية الأولى

لم يكد حبرُ إعلان الاستقلال الإسرائيلي يجفّ حتى دخلت فلسطين في دوّامة حربٍ شاملة أشعلت أُوارها أشهرٌ طويلة من المواجهات المسلحة التي سبقت الإعلانَ الرسمي. فمنذ إعلان قرار التقسيم في نوفمبر 1947م، اندلعت المواجهاتُ في مرحلتَين متعاقبتَين: المرحلة الأولى كانت حرباً داخلية بين القوات الصهيونية والفصائل الفلسطينية المسلحة، والمرحلة الثانية هي الحرب بين إسرائيل وجيوش الدول العربية المجاورة. وفي المرحلة الأولى نفّذت القوات الصهيونية «خطة دالت» الشاملة ابتداءً من مطلع أبريل 1948م التي تضمّنت حملاتٍ واسعة للسيطرة على المدن والطرق والقرى الاستراتيجية وتطهيرها من سكانها.

وفي الخامس عشر من مايو 1948م، أي بعد يومٍ واحد من إعلان الاستقلال، دخلت جيوشُ مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان الأراضيَ الفلسطينية من محاورَ مختلفة. وقد أعلن الأمينُ العام لجامعة الدول العربية عزام باشا في برقيةٍ أُرسلت إلى الأمم المتحدة أنّ الدول العربية تتدخّل «لاستعادة النظام ووقف إراقة الدماء». وفي حين لم يستطع الجيشُ العربي الموحّد — رغم كثرة عدده — تحقيقَ الأهداف التي أُعلنت، تمكّنت القوات الإسرائيلية من الصمود في وجه الهجمات ثم الانتقال إلى الهجوم خلال فترات الهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة.

وقد أسهمت عدةُ عوامل في تفوّق القوات الصهيونية في هذه الحرب: فقد كانت تمتلك تنظيماً مركزياً متيناً وسلاحاً أُحضر عبر قنواتٍ متعددة وخبرةً قتاليةً اكتسبها كثيرٌ من أفرادها بالخدمة في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية. في المقابل، دخلت الجيوشُ العربية الحرب دون تنسيقٍ فعلي فيما بينها وبقياداتٍ تفتقر إلى الكفاءة العسكرية الكافية. ويُلاحظ المؤرخون أنّ القوات الصهيونية كانت تحظى كذلك بعملياتٍ استخباراتية متقدّمة وخطّة عسكرية مُعدَّة سلفاً، مما أعطاها تفوّقاً تكتيكياً جليّاً.

سابعاً: النكبة الفلسطينية — الوجه الإنساني للتأسيس

بينما احتفلت إسرائيل بولادتها، كانت ملايين العائلات الفلسطينية تعيش أشدّ فصول مأساتها قسوةً؛ تلك المأساة التي باتت تُعرف في التاريخ والوجدان الفلسطيني والعالمي بـ«النكبة». ويُشير المؤرخون إلى أنّ الفصلَ الأكثر دموية لم يكن مع دخول الجيوش العربية في مايو 1948م، بل في الشهور التي سبقت الإعلان؛ إذ نفّذت الميليشياتُ الصهيونية عمليّاتٍ واسعة لإخلاء القرى الفلسطينية من سكانها. وقد وثّق باحثون من بينهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه في كتابه «التطهير العرقي لفلسطين» كيف جرى تنفيذُ عمليات منظّمة لتهجير السكان الفلسطينيين قسراً.

وقد ارتُكبت في هذه المرحلة مجازرُ موثّقة طالت المدنيين الفلسطينيين، من أبرزها مجزرةُ دير ياسين في التاسع من أبريل 1948م التي راح ضحيتَها نحو مئةٍ وعشرة فلسطينياً من الرجال والنساء والأطفال على أيدي منظمتَي الإرغون وشتيرن، وقد أحدثت هذه المجزرةُ هلعاً واسعاً في أوساط الفلسطينيين أسهم في موجاتٍ من الفرار. كذلك وُثّقت مجزرةُ بلد الشيخ في ديسمبر 1947م التي راح ضحيتَها سبعون فلسطينياً، ومجزرةُ الصعصع في فبراير 1948م. وقد رصد الباحثون ما يزيد على مئتَين وثلاثةٍ وعشرين جريمةً إسرائيلية موثّقة خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 1947م حتى نهاية الحرب.

وبحلول نهاية الحرب عام 1949م، كان قد هُجِّر ما يتراوح بين سبعمئة وخمسين ألف وثمانمئة ألف فلسطيني من ديارهم — أي ما يُقارب خمسةً وسبعين في المئة من إجمالي الفلسطينيين — وتحوّلوا إلى لاجئين يقطنون المخيّمات في غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان. كما دُمِّر ما يزيد على خمسمئةٍ وثلاثين قريةً وبلدة فلسطينية مُحيت عن الخرائط ومحلَّت بها مستوطناتٌ يهودية. وقد قرّرت الأمم المتحدة في قرارها 194 الصادر في ديسمبر 1948م أنّ اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم ينبغي السماحُ لهم بذلك «في أقرب وقتٍ ممكن»، غير أنّ هذا القرارَ ظلّ حبراً على ورق لم يُنفَّذ حتى اليوم.

ثامناً: نتائج حرب 1948 والتحوّلات الجيوسياسية

انتهت حربُ 1948م بسلسلة من اتفاقيات الهدنة التي أبرمتها إسرائيل مع كلٍّ من مصر (فبراير 1949م) والأردن (أبريل 1949م) وسوريا (يوليو 1949م). وخرجت إسرائيل من الحرب مسيطرةً على مساحةٍ تفوق ما خصّصه لها قرارُ التقسيم بنحو عشرين في المئة، إذ سيطرت على حوالي 78% من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية. في المقابل، بقيت الضفةُ الغربية والقدس الشرقية تحت السيطرة الأردنية، وأمسك الجيشُ المصري بقطاع غزة، ولم يتحقّق حلمُ الدولة الفلسطينية المستقلة التي كان قرارُ التقسيم قد تحدّث عنها.

وفي مايو 1949م، انضمّت إسرائيل إلى عضوية الأمم المتحدة بوصفها العضوَ التاسعَ والخمسين، وإن كانت معظمُ الدول العربية قد صوّتت ضدّ قبولها. وقد حظيت الدولةُ الناشئة في مراحلها الأولى بدعمٍ مالي واسع من الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن تعويضاتٍ ضخمة أُبرمت اتفاقيتُها عام 1952م مع ألمانيا الغربية مقابل الجرائم النازية بحق اليهود خلال الهولوكوست. وقد مكّنت هذه الموارد الدولةَ الوليدة من بناء مؤسساتٍ اقتصادية وعسكرية وتعليمية بوتيرةٍ متسارعة أرست الدولة على أُسسٍ راسخة في فترةٍ قصيرة نسبياً.

تاسعاً: الإرث والأثر التاريخي لتأسيس إسرائيل

لا يزال تأسيسُ إسرائيل عام 1948م يمثّل الجرحَ المفتوح الأعمق في الضمير السياسي للعالم العربي وفي صميم القضية الفلسطينية التي تحوّلت إلى أمّ القضايا في الشرق الأوسط الحديث. فعلى مدى عقودٍ متتالية، شكّل الصراعُ العربي الإسرائيلي الناتجُ عن تلك اللحظة محورَ السياسات الدولية في المنطقة وأشعل حروباً عدةً كحرب عام 1967م وحرب أكتوبر 1973م، وأفرز معاهداتٍ كمعاهدة كامب ديفيد 1978م والسلام المصري-الإسرائيلي 1979م واتفاقيات أوسلو 1993م وما تبعها من مسارات متعثّرة.

وعلى الصعيد الأكاديمي والفكري، أسهم تأسيسُ إسرائيل في إشعال نقاشاتٍ أخلاقية وقانونية لا تنتهي حول مشروعية إنشاء دولةٍ على حساب سكانٍ أصليين، وحول العلاقة بين الحقوق الجماعية التاريخية والحقوق الفردية المعاصرة، وحول دور القوى الاستعمارية الكبرى في إعادة رسم خارطة الشعوب. وقد أفرز هذا الملفُّ تيّاراتٍ فكرية وإيديولوجية متعددة في العالمَين العربي والغربي، ونتج عنه مدرسةٌ أكاديمية لا تزال تتوسّع إلى اليوم تجمع بين المؤرخين الإسرائيليين «الجدد» كبيني موريس وإيلان بابه وإيلان بابي وسواهم، الذين راجعوا الرواية الإسرائيلية الرسمية بعيونٍ نقدية مسلّحة بالوثائق الأرشيفية التي رُفعت عنها السرية.

وفي السياق الراهن، ولم يُحسم الصراع بعد بعد أكثر من سبعة عقود متواصلة على التأسيس؛ إذ يرزح ملايين اللاجئين الفلسطينيين في مخيّماتٍ امتدّت لأجيالٍ متعاقبة، بينما تُواصل إسرائيل سياساتِ الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، ويُواصل الفلسطينيون نضالَهم للحصول على دولتهم المستقلة والمعترَف بها دولياً على حدود عام 1967م وعاصمتُها القدس الشرقية. ويُجمع المراقبون الدوليون على أنّ الحلَّ الدائم والشامل لهذا الصراع يظلّ معلّقاً في الهواء، وأنّ مفتاحَه يبقى في إنصاف الشعب الفلسطيني الذي دفع ثمن قرارات اتُّخذت فوق رأسه.