يشير “فتح الشام الإسلامي” إلى الحملة العسكرية التي شنّها المسلمون بقيادة الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ضد الإمبراطورية البيزنطية بين عامي 634 و638م تقريبًا، وأفضت إلى انتزاع بلاد الشام (سوريا الكبرى بحدودها التاريخية، وتشمل سوريا الحالية ولبنان والأردن وفلسطين) من السيطرة البيزنطية وضمّها إلى الدولة الإسلامية الناشئة. ويُعدّ هذا الفتح، الذي تحقق في غضون سنوات قليلة رغم التفوق العددي والتقني الظاهر للجيش البيزنطي، من أبرز الفصول المؤسسة للتوسع الإسلامي المبكر، إذ مهّد الطريق أمام فتوحات لاحقة امتدت إلى مصر وشمال أفريقيا وبلاد فارس.

معلومات عامة
الفترة الزمنية 634 – 638م تقريبًا
الأطراف الخلافة الراشدة، الإمبراطورية البيزنطية
الخليفتان المشرفان أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب
أبرز القادة المسلمين خالد بن الوليد، أبو عبيدة بن الجراح، عمرو بن العاص، يزيد بن أبي سفيان
القائد البيزنطي الإمبراطور هرقل
محطات رئيسية
معركة أجنادين 634م
سقوط دمشق 4 سبتمبر 635م
معركة اليرموك الحاسمة 20 – 25 أغسطس 636م
فتح بيت المقدس 637 – 638م
COSMALORE · الموسوعة العربية

الشام قبيل الفتح وأولى المواجهات

كانت بلاد الشام قبيل الفتح الإسلامي إحدى أغنى ولايات الإمبراطورية البيزنطية وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، لكنها خرجت منهكة اقتصاديًا وعسكريًا من حرب طويلة استنزفت البيزنطيين ومنافسيهم الفرس الساسانيين طوال العقود الأولى من القرن السابع الميلادي، ولم تُتح لها فرصة كافية لإعادة بناء تحصيناتها أو ترميم تحالفاتها مع القبائل العربية المسيحية في جنوب الشام التي كانت تشكل خط دفاعها الأول. وقد شهدت العلاقة بين المسلمين والبيزنطيين احتكاكًا مبكرًا في حياة النبي محمد نفسه، تمثّل في معركة مؤتة عام 629م على أطراف الشام، والتي لم تحسم لصالح أي من الطرفين لكنها كانت مؤشرًا مبكرًا على الطموح الإسلامي في هذا الاتجاه.

بدء الفتح في عهد أبي بكر الصديق

بعد أن أخمد الخليفة أبو بكر الصديق حروب الردة التي هددت وحدة شبه الجزيرة العربية عقب وفاة النبي، وجّه أنظاره شمالًا نحو العراق والشام، فأرسل في فبراير 634م عدة فيالق لغزو الشام، كل فيلق بقيادة أحد كبار الصحابة ووجهة محددة له، فتوجه عمرو بن العاص نحو فلسطين، ويزيد بن أبي سفيان نحو دمشق، وشرحبيل بن حسنة نحو الأردن، وأبو عبيدة بن الجراح نحو حمص. غير أن هذه الفيالق واجهت في البداية مقاومة بيزنطية أقوى مما توقعه قادتها، فطلبوا تعزيزات، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد، الذي كان قد أتم فتح العراق وأسّس موطئ قدم للمسلمين هناك، بالتوجه إلى الشام لتولي قيادة الجيوش المجتمعة.

مسيرة خالد بن الوليد الصحراوية ومعركة أجنادين

نفّذ خالد بن الوليد مناورة عسكرية جريئة قادته عبر طريق صحراوي شديد القسوة يقل استخدامه لعبوره صعوبة تأمين الماء فيه، مستخدمًا الإبل كخزانات متنقلة للمياه، فباغت بذلك القوات البيزنطية بظهوره المفاجئ على تخوم الشام بدلًا من الطريق التقليدي الأطول عبر الجزيرة العربية. وبعد توحيد قيادته لفيالق المسلمين المتفرقة، حقق الجيش الإسلامي انتصارًا حاسمًا على قوة بيزنطية كبيرة في معركة أجنادين عام 634م، وهي أول مواجهة كبرى منظمة بين الطرفين في الشام، مهّدت الطريق أمام تقدم الجيوش الإسلامية نحو المدن الكبرى في الداخل.

فتح دمشق

توجه خالد بن الوليد بعد أجنادين نحو دمشق، إحدى أعرق مدن الشام وأكثرها أهمية، فحاصرها لعدة أسابيع حتى استسلمت في الرابع من سبتمبر عام 635م. وتذكر مصادر السيرة والمغازي الإسلامية المبكرة أن قائد الحامية البيزنطية توما تفاوض مع أبي عبيدة بن الجراح على تسليم المدينة سلمًا مقابل ضمانات لأهلها وكنائسها، بينما اقتحمها خالد بن الوليد في الوقت نفسه من جهة أخرى بعد دلالة أحد سكانها له على ثغرة في الأسوار، فنشأ خلاف بين القادة حول طبيعة الفتح، عنوةً أم صلحًا، حُسم لاحقًا لصالح احترام شروط التسليم السلمي التي منحها أبو عبيدة، تفاديًا لتحذير المدن الأخرى من الاستسلام مستقبلًا.

معركة اليرموك الحاسمة

أدرك الإمبراطور البيزنطي هرقل خطورة الموقف بعد سقوط دمشق، فحشد جيشًا ضخمًا ضمّ بيزنطيين وأرمن وسلافًا وقبائل عربية مسيحية حليفة، وأرسله لاستعادة الشام. اضطر خالد بن الوليد، بعد انتصار سابق على الفرس الساسانيين في فراض، إلى الانسحاب جنوبًا نحو نهر اليرموك تجنبًا لمواجهة هذا الجيش الضخم في ظروف غير مواتية، لتندلع هناك المعركة الحاسمة في فتح الشام بين 20 و25 أغسطس عام 636م. ورغم التفوق العددي الكبير للجيش البيزنطي، انتهت المعركة بهزيمة ساحقة له، أسهم فيها بشكل كبير انشقاق عدد من القبائل العربية المسيحية الحليفة للبيزنطيين وانضمامها إلى صفوف المسلمين خلال المعركة نفسها. وضعت معركة اليرموك حدًا فعليًا لأي أمل بيزنطي جدي في استعادة السيطرة على الشام، وفتحت الباب أمام تقدم الجيوش الإسلامية شبه الحر نحو بقية المدن الشامية.

وداعًا يا سوريا، وداعًا لا رجعة فيه؛ لقد تركتُك أرضًا طيبة لعدوّي.
— قول منسوب إلى الإمبراطور هرقل عند انسحابه من الشام، وفق تاريخ الطبري

فتح بيت المقدس

بعد اليرموك، توجهت الأنظار نحو بيت المقدس، المدينة المقدسة عند أتباع الديانات التوحيدية الثلاث، فحاصرها المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح عدة أشهر، إلى أن قبل بطريركها صفرونيوس تسليمها بشرط ألا يستلمها إلا الخليفة عمر بن الخطاب شخصيًا. فقدم عمر من المدينة المنورة إلى الشام لهذا الغرض، ودخل بيت المقدس بلباس متواضع دون أبهة، وأبرم مع صفرونيوس عهدًا يُعرف بـ”العهدة العمرية”، ضَمِن بموجبه لسكان المدينة المسيحيين أمان أنفسهم وممتلكاتهم وكنائسهم دون إكراه على تغيير دينهم، مقابل التزامهم بدفع الجزية. وتُروى هذه العهدة بوصفها من أقدم النماذج الموثقة لعهود الأمان التي منحها فاتحون مسلمون لأهل مدن مفتوحة عنوة أو صلحًا.

إكمال فتح الشام: حلب وأنطاكية

واصل المسلمون بعد اليرموك تقدمهم شمالًا نحو ما تبقى من معاقل بيزنطية في الشام، ففتحوا حمص وحماة، ثم حاصروا حلب التي كانت لا تزال حصنًا بيزنطيًا مهمًا، فسقطت بعد حصار استمر بضعة أشهر عام 637م، تلتها أنطاكية، إحدى أهم مدن الشمال السوري وموقع قيادة الإمبراطور هرقل خلال الحملة البيزنطية الفاشلة لاستعادة الشام، والتي سقطت أيضًا في العام ذاته. وبسقوط هذه المدن، اكتمل عمليًا فتح بلاد الشام بأسرها، وإن استمرت غارات محدودة بين الطرفين على حدود الأناضول لعقود لاحقة.

إدارة الشام المفتوحة في عهد عمر بن الخطاب

لم يكتفِ الخليفة عمر بن الخطاب بتوسيع رقعة الفتوحات، بل عمل على تنظيمها إداريًا بشكل منهجي، فاختار لقيادة الحملات مديرين محنّكين جمعوا بين الخبرة التجارية والعسكرية، وأسس نظام “الديوان” لتسجيل أسماء المقاتلين وتوزيع رواتبهم وعطاياهم وفق أسبقية دخولهم إلى صف الإسلام، بدءًا بأقارب النبي محمد. كما احتُفظ بالغنائم غير المنقولة كالأراضي ملكًا عامًا للدولة بدلًا من توزيعها على المقاتلين مباشرة، بعد اقتطاع خُمسها المخصص للدولة، بينما وُزّع الباقي وفق سجل الديوان. وأنشأ عمر مدنًا حامية “أمصارًا” في مواقع استراتيجية لمواصلة الفتح، وكانت دمشق إحدى أبرز هذه الحواضر في الشام، فجذبت هذه الحاميات العسكرية سكانًا محليين حولها وأرست تدريجيًا ملامح حياة إسلامية يومية جديدة، تمحورت حول المسجد وأوقات الصلوات الخمس.

الأثر التاريخي لفتح الشام

غيّر فتح الشام موازين القوى الإقليمية جذريًا خلال أقل من عقد من الزمن، إذ انتزع من الإمبراطورية البيزنطية إحدى أغنى ولاياتها وأكثرها ازدهارًا، ودمج مساحة شاسعة من الشرق الأدنى القديم في نطاق الدولة الإسلامية الناشئة، لتصبح دمشق لاحقًا عاصمة الخلافة الأموية ومركز ثقل العالم الإسلامي لقرابة قرن كامل. وقد أرجع مؤرخون عوامل نجاح هذا الفتح السريع، رغم محدودية عدد المقاتلين المسلمين قياسًا بجيوش الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، إلى تضافر عدة عوامل، أبرزها إنهاك الطرفين البيزنطي والفارسي المتبادل بعد حروب طويلة سابقة بينهما، إلى جانب استياء بعض السكان المحليين، وخصوصًا الطوائف المسيحية غير الخلقيدونية، من السياسات الدينية والضريبية البيزنطية، ما جعل بعضهم أقل ممانعة لتغيّر السلطة الحاكمة، وإن اختلفت درجة هذا الاستياء ومداه من منطقة لأخرى بحسب ما تُظهره الدراسات التاريخية الحديثة لهذه الفترة.