سقوط بغداد عام 1258 حدث تاريخي مفصلي شهد استيلاء الجيوش المغولية بقيادة هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، على عاصمة الخلافة العباسية بعد حصار دام نحو أسبوعين، لينتهي بذلك حكم أسرة بني العباس في بغداد بعد أكثر من خمسة قرون من تأسيسها، ويُقتل آخر خلفائها فعليًا، المستعصم بالله، الذي حكم بين عامي 1242 و1258. لم يكن سقوط المدينة مجرد تغيير سياسي عابر، بل مثّل نهاية أول مؤسسة خلافة إسلامية معترف بها عالميًا، وأحدث دمارًا واسعًا في المدينة التي كانت لقرون مركزًا سياسيًا وحضاريًا رئيسيًا في العالم الإسلامي، قبل أن تتراجع مكانتها لصالح مدينة تبريز في أذربيجان كمركز جديد للحكم المغولي في المنطقة.

معلومات عامة
الحدث حصار بغداد وسقوطها
الموقع بغداد، العراق الحالي
الإطار التاريخي جزء من الفتوحات المغولية في بلاد فارس والعراق
النتيجة سقوط المدينة وانتهاء الخلافة العباسية في بغداد
الأطراف المتحاربة
القوة المهاجمة الدولة الإيلخانية المغولية
قائد الهجوم هولاكو خان
الطرف المدافع الخلافة العباسية
قائد الدفاع الخليفة المستعصم بالله
التسلسل الزمني
توليه الخلافة 1242
سقوط المدينة 10 فبراير 1258
إعدام الخليفة 1258 (بعد نحو 10 أيام من الاستسلام)
النتائج والتداعيات
مصير المدينة تحولت إلى مركز إداري إقليمي تابع للإيلخانات
المركز الجديد للحكم تبريز في أذربيجان
استمرار مؤسسة الخلافة خلافة رمزية أُقيمت لاحقًا في القاهرة عام 1261
COSMALORE · الموسوعة العربية

بغداد عشية السقوط

كانت الخلافة العباسية قد شهدت في العقود التي سبقت 1258 محاولة إحياء متأخرة على يد الخليفة الناصر لدين الله (حكم 1180–1225)، الذي سعى طوال ما يقارب نصف قرن إلى إعادة توحيد العالم الإسلامي تحت راية الشرعية العباسية، سياسيًا عبر التأكيد على ضرورة مساندة القضايا الخلافية، وروحيًا عبر محاولة التقريب بين السنة والشيعة والسيطرة على الجمعيات الصوفية وتنظيمات الفتوة الحرفية. غير أن هذا الإحياء ظل هشًا، إذ انزلقت الخلافة إلى صراع مع الدولة الخوارزمية، بلغ ذروته حين أعلن السلطان الخوارزمي علاء الدين محمد خلع الناصر ونصب خليفة منافسًا، قبل أن ينقذ القدر بغداد من هجوم خوارزمي وشيك بفعل عاصفة ثلجية مدمرة أفنت جيش محمد في جبال زاغروس عام 1217. وفي غضون سنوات قليلة، كان جنكيز خان قد قضى على الدولة الخوارزمية نفسها واجتاح أجزاء واسعة من شمال بلاد فارس، وهو ما جعل الخلافة العباسية تجد نفسها فجأة في مواجهة مباشرة مع القوة المغولية الصاعدة. تمكنت جيوش الخليفة المستنصر بالله، حفيد الناصر، من صد هجوم مغولي على العراق العربي، كما صمدت بغداد نفسها أمام حصار مغولي أول عام 1245 في عهد الخليفة المستعصم. غير أن سلسلة من الفيضانات الكارثية ضربت المدينة في الأعوام 1243 و1253 و1255 و1256، ما أضعف تحصيناتها الدفاعية وأنهك اقتصاد الإقليم وزعزع ثقة سكانه بقدرة الدولة على حمايتهم، عشية المواجهة الحاسمة التي كانت تلوح في الأفق.

الحملة المغولية وحصار المدينة

أرسل الخاقان المغولي مونكه، حفيد جنكيز خان أيضًا، أخاه هولاكو على رأس حملة عسكرية ضخمة موجهة خصيصًا نحو التعامل مع الخلافة العباسية، بعدما كانت قوات هولاكو قد اجتاحت أولًا معاقل الحشاشين الإسماعيليين في شمال إيران. وحين وصلت الجيوش المغولية إلى محيط بغداد عام 1258، وجّه هولاكو، وهو قائد غير مسلم، سلسلة من الإنذارات والمطالب إلى الخليفة المستعصم بالخضوع والتسليم، غير أن الخليفة، الذي كان ضعيف الشخصية ومحاطًا بمستشارين متضاربي الآراء، تجاهل بعض هذه الإنذارات ورد على بعضها الآخر بتهديدات جوفاء لم تسندها أي استعدادات دفاعية جدية. أطبق الجيش المغولي حصاره على المدينة من جهتي نهر دجلة الشرقية والغربية معًا، في عملية عسكرية مركّبة استمرت أيامًا معدودة أظهرت هشاشة الدفاعات العباسية المتهالكة أصلًا جراء الفيضانات المتكررة والإهمال المزمن.

سقوط المدينة ومقتل الخليفة

سقطت بغداد بيد القوات المغولية في العاشر من فبراير عام 1258، ودخل هولاكو المدينة عمليًا في الشهر نفسه، بعدما بادر الخليفة المستعصم رفقة نحو ثلاثمائة من كبار موظفي دولته إلى الإسراع بتقديم استسلامهم أملًا في النجاة. غير أن هذا الاستسلام لم يشفع لهم، إذ أُعدم الخليفة ومن معه جميعًا بعد نحو عشرة أيام فقط من تسليم المدينة، لينتهي بذلك، وللمرة الأولى في تاريخ الإسلام، وجود خليفة معترف به على نطاق واسع في العالم الإسلامي. وقد أعقب سقوط المدينة وإعدام خليفتها موجة نهب وحرق واسعة النطاق طالت أحياء بغداد ومبانيها، إذ أحرق هولاكو أجزاء كبيرة من المدينة ونهبها وقتل أعدادًا كبيرة من سكانها، قبل أن يتوجه بجيشه لاحقًا نحو الشام ثم يعود أدراجه إلى بلاد فارس. وتشير بعض التقديرات التاريخية إلى أن عدد ضحايا المذبحة التي رافقت اقتحام المدينة بلغ نحو ثمانمئة ألف شخص من سكانها، وإن كانت هذه الأرقام تخضع لتفاوت كبير بين المصادر التاريخية المختلفة.

النتائج والتداعيات على العالم الإسلامي

مثّل مقتل المستعصم، آخر خليفة معترف به عالميًا، نهاية فعلية لهذه المؤسسة الدينية-السياسية العريقة، رغم أن السلاطين المماليك في مصر والشام أقاموا لاحقًا عام 1261 خلافة “ظِلّية” رمزية في القاهرة لأحد أفراد البيت العباسي الناجين، ظلت مجردة من أي سلطة سياسية فعلية، واستمر السلاطين العثمانيون بعد فتحهم مصر عام 1517 في استخدام لقب الخليفة حتى ألغى مصطفى كمال أتاتورك “الخلافة” العثمانية رسميًا عام 1924. أما على المستوى الإداري المباشر، فقد هبطت مكانة بغداد بشكل حاد إذ تحولت من عاصمة إمبراطورية إلى مجرد مركز إداري إقليمي تابع للدولة الإيلخانية المغولية الوليدة التي اتخذت من إقليم أذربيجان قاعدة لها، فيما أخذت مدينة تبريز تحل تدريجيًا محل بغداد كمركز تجاري وسياسي رئيسي في المنطقة، رغم احتفاظ بغداد ببعد رمزي معين في الوجدان الإسلامي. وقد دخلت الإدارة المغولية في بغداد والموصل نمطًا حكميًا مشتركًا قوامه إشراف حاكم مدني مسلم أو مسيحي أو يهودي إلى جانب قائد حامية عسكرية مغولية، وبرزت في هذا السياق أسرة الجويني الخراسانية المسلمة (1258–1285) التي أشرفت على إدارة المدينة وأسهمت في تعافيها الجزئي من الدمار، غير أن العراق ككل دخل مرحلة طويلة من التراجع السياسي والاقتصادي استمرت حتى القرن السادس عشر، حتى إن عائدات الدولة في العراق العربي كانت بحلول عامي 1335 و1340 قد هبطت، وفق أحد المصادر، إلى عُشر ما كانت عليه قبل الغزو المغولي.