تأسيسُ جمهورية تركيا — أو Türkiye Cumhuriyeti بالتركية — هو الحدثُ الحضاري الأعمق الذي شهده العالمُ الإسلامي في القرن العشرين؛ ذلك اليوم الذي أعلنت فيه الجمعيةُ الوطنية الكبرى في أنقرة، في التاسع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1923م، عن ميلاد جمهوريةٍ علمانية قومية من بين ركام الإمبراطورية العثمانية التي صارعت الفناءَ قروناً قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد جاء هذا التأسيسُ خاتمةً لمسيرةٍ كفاحية ودبلوماسية وفكرية ممتدة على مدى أربع سنواتٍ عجاف (1919-1923م)، قادها العسكريُّ الموهوب والسياسيُّ الحصيف مصطفى كمال أتاتورك الذي تحوّل خلالها من ضابطٍ في جيشٍ منهزم إلى مؤسّسٍ لدولةٍ حديثة غيّرت ملامحَ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى الأبد.

وقد قامت جمهوريةُ تركيا على أنقاض إمبراطوريةٍ عريقة عمرت نحو ستة قرون، لكنّها أعلنت قطيعتَها مع هذا الموروث قطيعةً ثقافيةً وسياسيةً جذرية نادراً ما تجرّأ عليها مؤسّسو دولٍ في التاريخ الحديث؛ فأُلغيت الخلافةُ الإسلامية التي جمعت في جنباتها تاريخاً روحياً ضاربَ الجذور في ضمير المسلمين، وأُسقط حكمُ الشريعة واستُعيض عنه بقوانين أوروبية مستوردة، وأُلغي الخطُّ العربي وأُحلَّ محلّه حرفٌ لاتيني، وطُمست مساحاتٌ واسعة من الهوية الثقافية-الإسلامية ليُبنى في موضعها نموذجٌ وطني-قومي علماني على الطراز الأوروبي. وقد وصف مصطفى كمال هذا المشروعَ الإصلاحي بأنّه «ثورةٌ شاملة» تستهدف نقلَ تركيا من الحضارة الإسلامية التقليدية إلى ركب الحضارة الغربية الحديثة.

وتكمن أهميةُ تأسيس جمهورية تركيا في كونه تجربةً لم تقتصر آثارُها على الأرض التركية وحدها، بل امتدّت موجاتُها لتلهم حركاتِ التحديث في العالمَين العربي والإسلامي على امتداد القرن العشرين؛ فأثار نموذجُ الجمهورية العلمانية الكمالية جدلاً فكرياً وسياسياً متعدّد الأوجه في سائر دول المنطقة، بين من رأى فيه مصباحاً هادياً للتقدّم والنهضة ومن رأى فيه انفصالاً مؤلماً عن الهوية الحضارية الإسلامية. وفضلاً عن ذلك، أثبت نجاحُ الحركة الوطنية التركية في طرد القوى المنتصرة الأوروبية وفرض شروطها في لوزان أنّ شعوبَ المشرق يمكنها ردُّ العدوان الاستعماري إذا توافرت لها القيادةُ والعزيمة، مما جعل التجربةَ التركية مصدرَ إلهامٍ لاحركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

معلومات عامة
الاسم الرسمي جمهورية تركيا (Türkiye Cumhuriyeti)
تاريخ الإعلان 29 أكتوبر / تشرين الأول 1923م
مكان الإعلان الجمعية الوطنية الكبرى، أنقرة
العاصمة المُعلنة أنقرة (خلفاً للقسطنطينية / إسطنبول العثمانية)
أوّل رئيس مصطفى كمال أتاتورك (1923–1938م)
أوّل رئيس وزراء عصمت إينونو (إسمت إينونو)
الحزب الحاكم حزب الشعب الجمهوري (CHP) — تأسّس 9 أغسطس 1923م
السياق التاريخي
الدولة السابقة الإمبراطورية العثمانية (1299–1922م)
انتهاء السلطنة 1 نوفمبر 1922م (إلغاء السلطنة)
آخر سلطان عثماني السلطان محمد السادس (فرّ على متن باخرة بريطانية)
إلغاء الخلافة 3 مارس 1924م
معاهدة سيفر 10 أغسطس 1920م (رُفضت من قِبَل الحركة الوطنية)
تأسيس الجمعية الوطنية 23 أبريل 1920م في أنقرة
حرب الاستقلال التركية 19 مايو 1919م – 24 يوليو 1923م
معاهدة لوزان 24 يوليو 1923م (الاعتراف الدولي بالجمهورية)
الإصلاحات الكمالية الكبرى
إلغاء الشريعة 1924–1926م (استبدال بقوانين أوروبية)
إلغاء الخط العربي نوفمبر 1928م (تبنّي الحرف اللاتيني)
حق المرأة في الانتخاب ديسمبر 1934م
إلغاء الطرق الصوفية 1925م
تبنّي الأسماء العائلية 1934م (حمل مصطفى كمال لقب «أتاتورك» = أبو الأتراك)
الأيديولوجيا الرسمية الكمالية (السهام الست): الجمهورية، القومية، الشعبية، الإتاتيسم، العلمانية، الثورية
إحصاءات التأسيس
عدد السكان عند التأسيس نحو 12–13 مليون نسمة
المساحة وفق معاهدة لوزان 783,562 كم²
وفاة أتاتورك 10 نوفمبر 1938م، دولمابهتشه، إسطنبول
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: انهيار الإمبراطورية العثمانية وفجر الأزمة الوجودية

لا يمكن استيعابُ مشروع تأسيس جمهورية تركيا دون استيعاب حجم الكارثة التي مُني بها الوجودُ العثماني في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ تلك الإمبراطورية التي حكمت ما يزيد على ستة قرون في أوج اتساعها ثلاثَ قاراتٍ وعشرات الأمم والشعوب، كانت بحلول عام 1918م قد فقدت معظم أراضيها الأوروبية والعربية وخرجت من الحرب منهكةً ومُثقلةً بهزيمةٍ ساحقة في صفوف دول المحور. وحين وقّعت الدولةُ العثمانية على هدنة مودروس في الثلاثين من أكتوبر 1918م، فتحت الأبوابَ أمام احتلالٍ أجنبي مهين لعاصمتها القسطنطينية (إسطنبول) وأراضيها الأناضولية.

وفي العاشر من أغسطس 1920م، وقّعت حكومةُ الباب العالي في إسطنبول على معاهدة سيفر القاسية، الوثيقةِ التي صبّت فيها القوى المنتصرة الأوروبية مصادرَها من الانتقام والتقسيم؛ إذ نصّت على تجزئة الأناضول إلى مناطق نفوذٍ فرنسية وإيطالية وإغريقية، وأنشأت دولةً أرمنية مستقلة في شرق الأناضول، وأقامت منطقةً كردية حكماً ذاتياً، ومنحت اليونان منطقةً واسعة على الساحل الأناضولي الغربي حول إزمير. وقد تركت هذه المعاهدةُ للدولة العثمانية جسداً هزيلاً يكاد لا يتجاوز قلبَ الأناضول مسلوبَ السيادة والقدرة. وكان من بين أعظم ما تضمّنته هذه المعاهدةُ تقييدُ الجيش العثماني بخمسين ألف رجل فقط وإخضاع المالية العثمانية لرقابةٍ أجنبية مباشرة.

وفي هذا المناخ من الانهيار والمهانة الوطنية، برزت قوةٌ جديدة تمانع الاستسلام وترفض الإذعان لما رسمه المنتصرون من مصيرٍ للأتراك؛ قوةٌ تتمثّل في رجالٍ من الجيش العثماني المهزوم يحملون روحَ المقاومة ويؤمنون بأنّ تركيا لم تمت بعد. وعلى رأس هؤلاء كان مصطفى كمال، الضابطُ الذي صنع شهرتَه في موقعة غاليبولي، يُعدّ خيوطَ مقاومةٍ وطنية ستُحوِّل شعبَ الهزيمة إلى شعب الانتصار في غضون أربع سنوات.

ثانياً: مصطفى كمال أتاتورك — الشخصية المؤسِّسة

وُلد مصطفى كمال عام 1881م في مدينة سالونيك (تسالونيكي الإغريقية اليوم)، تلك المدينة التي كانت في ذلك الحين واحدةً من أكثر مدن الإمبراطورية العثمانية حيويةً وتنوّعاً ثقافياً، وكانت تضمّ جاليةً يهوديةً وإغريقية وتركية ووسطاً أكاديمياً وتجارياً مفتوحاً. نشأ مصطفى في أسرةٍ متوسطة تركية مسلمة، وأبدى منذ الصغر نبوغاً رياضياً لفت انتباه أساتذته، فأطلق عليه مدرّسُ الرياضيات لقب «كمال» أي «الكمال» أو «المثالي»، ليُعرف منذئذٍ بمصطفى كمال. التحق بالمدرسة العسكرية في مدينة مناستير ثم انتسب إلى الكلية الحربية في إسطنبول عام 1899م، وانغمس في الفكر السياسي المعارض الذي كان يغلي في أوساط الضباط الشباب المستنيرين.

وقد كسب مصطفى كمال شهرتَه العسكرية الكبرى في موقعة غاليبولي (1915م)، حين تمكّن بقيادته العبقرية من صدّ القوات الأنجلو-فرنسية عن السيطرة على مضيق الدردنيل في واحدةٍ من أشرس المعارك في الحرب العالمية الأولى وأكثرها مأساويةً، إذ راح فيها نحو خمسمئة ألف مقاتلٍ من الجانبَين. وبعد إعلان الهدنة عام 1918م وبدء الاحتلال الأجنبي لإسطنبول، أبدى مصطفى كمال رفضاً قاطعاً للخضوع، وأعلن منذ وقتٍ مبكّر موقفَه الراسخ: لا إنقاذ للأتراك إلا بتأسيس دولةٍ وطنية تنبع من إرادة الشعب لا من عرش السلطان ولا من دعم الأجانب. وفي التاسع عشر من مايو 1919م، أبحر مصطفى كمال إلى سامسون في الأناضول الشمالي في اليوم الذي يعدّه الأتراك بداية حرب الاستقلال.

«لا أتخيّل التراجعَ أمام العدو، فالتراجع يعني الموت. لا تراجع، ليقاتل الجنودُ الذين لا ذخيرة لهم بحرابهم، ومن فقد حربتَه يقاتل بيديه وأسنانه.»
مصطفى كمال أتاتورك، أوامر غاليبولي، 1915م، نقلاً عن Encyclopaedia Britannica

ثالثاً: الحركة الوطنية التركية والجمعية الوطنية الكبرى

فور وصوله إلى سامسون، انطلق مصطفى كمال في جولةٍ واسعة عبر الأناضول يلتقي فيها قادةَ القوى المسلحة المتناثرة، ويعقد المؤتمراتِ الجامعة لتوحيد صفوف المقاومة الوطنية. ففي يوليو 1919م، انعقد مؤتمرُ أرضروم الذي وضع مبادئَ «الميثاق الوطني» التركي، وهو وثيقةٌ حدّدت الخطوطَ الحمراء للأراضي التركية التي لا يجوز التنازل عنها. ثم في سبتمبر من العام ذاته، عُقد مؤتمرُ سيواس الذي أسّس لحكومةٍ مؤقتة وطنية تستقلّ عن سلطة السلطان وحكومته المستسلمة في إسطنبول. وقد استهدف مصطفى كمال من هذه المؤتمرات توحيدَ التيارات الوطنية المتعددة وإقناعها بالاعتراف بقيادةٍ مركزية واحدة.

وفي الثالث والعشرين من أبريل 1920م، انعقدت في أنقرة الجمعيةُ الوطنية الكبرى التي أعلنت نفسَها الهيئةَ التشريعية والسيادية الوحيدة للأتراك، متحدّيةً بذلك سلطةَ السلطان محمد السادس وحكومتَه في إسطنبول. وقد اتّخذ القادةُ من أنقرة — ذلك البلدِ الداخلي المتواضع وسط الهضبة الأناضولية — عاصمةً لحكومتهم الوطنية الموازية، تميّزاً عن القسطنطينية التاريخية التي باتت تخضع فعلياً للنفوذ الأجنبي. وقد أصدرت الجمعيةُ الوطنية في يونيو 1920م قراراً يُعلن بطلانَ أي معاهدةٍ تُوقّعها حكومةُ السلطان تحت الإكراه الأجنبي، مما مهّد الطريق لرفض معاهدة سيفر التي وقّعتها الحكومة العثمانية في أغسطس من العام ذاته.

رابعاً: حرب الاستقلال التركية — من الهزيمة إلى النصر

خاضت الحركةُ الوطنية التركية حربَ استقلالها على جبهاتٍ متعددة متزامنة في واحدةٍ من أشدّ تجارب النضال الوطني قسوةً وتعقيداً في القرن العشرين. فعلى الجبهة الشرقية، دارت المعاركُ مع الجيش الأرمني الذي كان يسعى إلى تأسيس دولته في شرق الأناضول وفق بنود معاهدة سيفر، وانتهت بهزيمة القوات الأرمنية ومعاهدة ألكساندروبول في ديسمبر 1920م. وعلى الجبهة الجنوبية، خاضت القوات الكمالية صراعاً مع الجيوش الفرنسية في المناطق الجنوبية من الأناضول، انتهى باتفاقية أنقرة في أكتوبر 1921م التي أجلّت القوات الفرنسية عن المنطقة.

أما المواجهةُ الأشدّ ضراوةً والأكثر تأثيراً في مسار حرب الاستقلال، فكانت على الجبهة الغربية مع الجيش الإغريقي الذي احتلّ إزمير وأجزاءً واسعة من غرب الأناضول مدعوماً ببريطانيا. وقد بلغت هذه الحربُ ذروتَها في معركة سقاريا (أغسطس-سبتمبر 1921م) التي استمرّت اثنين وعشرين يوماً متواصلاً في أعنف معركةٍ برية في التاريخ التركي الحديث، وانتهت بانتصارٍ حاسم للقوات الكمالية أحرز فيه مصطفى كمال رتبةَ المُشير (المارشال)، ومنحه البرلمانُ لقب «غازي» (الفاتح). ثم جاءت الضربةُ العسكرية الكبرى في هجوم أغسطس 1922م حين تمكّن الجيشُ التركي من تحطيم الجبهة الإغريقية وتحرير إزمير في سبتمبر من العام ذاته، لتنتهيَ بذلك بصورةٍ فعلية حرب الاستقلال في الأناضول.

وقد أفضى هذا الانتصارُ العسكري إلى تحوّلٍ دبلوماسي جذري؛ إذ وجدت بريطانيا نفسَها أمام خيارٍ صعب حين حاول الجيشُ التركي التقدّم نحو منطقة المضائق المحتلة في أكتوبر 1922م، فاضطرّ البريطانيون إلى التفاوض بدلاً من المواجهة في ما عُرف بـ«أزمة جاناك»، وانتهى الأمر بالتوقيع على هدنة مودانيا في الحادي عشر من أكتوبر 1922م التي أُعيد بموجبها تحديد الأوضاع تمهيداً لمؤتمر السلام في لوزان.

خامساً: إلغاء السلطنة ومعاهدة لوزان 1923م

في الأول من نوفمبر 1922م، اتّخذ البرلمانُ التركي في أنقرة خطوةً تاريخية قاطعة بإعلان إلغاء السلطنة العثمانية وفصل منصبَي السلطان والخليفة، مُبقياً على الخلافة بوصفها منصباً دينياً مؤقتاً ومحروماً من أي سلطةٍ سياسية. وحين وصل قرارُ الإلغاء إلى السلطان محمد السادس في إسطنبول، آثر الفرارَ على المواجهة، فغادر قصرَه في الخفاء على متن سيارةٍ إسعاف بريطانية في التاسع عشر من نوفمبر 1922م، وأبحر إلى مالطا لاجئاً في كنف بريطانيا التي كان قد عقد معها تعاوناً مخزياً ضد حركته الوطنية. وبهذا طُويت في أقل من ساعاتٍ صفحةٌ سلطانية امتدّت ستة قرونٍ وعشرين عاماً.

ثم انطلقت مفاوضاتُ لوزان في الحادي والعشرين من نوفمبر 1922م في المدينة السويسرية الهادئة المطلّة على بحيرة جنيف، حيث التقت وجوهٌ دبلوماسية كبرى على طاولةٍ واحدة: عصمت إينونو رئيسُ الوفد التركي القائدُ العسكري الذي أوقف المدّ الإغريقي في معارك إينونو، في مواجهة اللورد كيرزون وزيرُ الخارجية البريطاني العتيد صاحب الخبرة الكولونيالية المديدة. وقد استمرّت المفاوضاتُ ثمانية أشهرٍ شاقة شهدت انسحاباتٍ تركية متعمّدة ومفاجآت دبلوماسية متكررة، قبل أن تُوقَّع معاهدةُ لوزان في الرابع والعشرين من يوليو 1923م، مُنهيةً بذلك رسمياً شبحَ معاهدة سيفر ومعترفةً بسيادة جمهوريةٍ تركية مستقلة كاملة.

وقد تضمّنت معاهدةُ لوزان بنوداً جوهرية غيّرت ديموغرافية المنطقة وخارطتَها السياسية: فأُقرّت حدودُ تركيا قريبةً مما نصّ عليه الميثاقُ الوطني الكمالي في الأناضول والجزء الأوروبي الشرقي (تراقيا). وأُجريت تسويةٌ سكانية تاريخية جرى بموجبها تبادلُ مليون ومئة ألف من الإغريق الأرثوذكس القاطنين في تركيا مقابل ثلاثمئةٍ وثمانين ألف مسلم من اليونان، في عملية ترحيلٍ قسري جماعي وصفها مؤرخون بأنها من أوائل عمليات التطهير الإثني الرسمية في القانون الدولي الحديث. كما ألغت معاهدةُ لوزان نظام الامتيازات الأجنبية (الكاپيتولاسيونات) الذي كان يمنح الرعايا الأجانب حصانةً قضائية كاملة في الأراضي العثمانية.

وتنبع أهميةُ معاهدة لوزان من كونها الاتفاقيةَ الدولية الوحيدة من تلك الحقبة التي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم وفق ما يُقرّه المؤرخون، إذ لم تنهض أيُّ دولةٍ مهزومة في الحرب العالمية الأولى بعد انتصارٍ عسكري ميداني لفرض شروطها على المنتصرين كما فعلت تركيا في لوزان، مما جعل هذه المعاهدةَ درساً دبلوماسياً بليغاً عن العلاقة بين المكاسب الميدانية ونتائج طاولة التفاوض.

سادساً: إعلان الجمهورية في 29 أكتوبر 1923م — اللحظة التأسيسية

بعد توقيع لوزان وانسحاب آخر القوات الأجنبية المحتلة من إسطنبول في الثالث والعشرين من سبتمبر 1923م، بات الوضعُ الدستوري للدولة التركية بحاجةٍ إلى حسمٍ رسمي؛ إذ ظلّ الشكلُ القانوني للحكومة في أنقرة معلّقاً بين كونها حكومةً طارئة إثر انهيار السلطنة وكونها نظاماً سياسياً ذا هويةٍ دستورية محدّدة. وقد أراد مصطفى كمال أن يُنهي هذا الغموضَ بإعلانٍ رسمي صريح يضع حدّاً فاصلاً بين الماضي العثماني والحاضر الجمهوري. وفي التاسع والعشرين من أكتوبر 1923م، وخلال جلسةٍ تاريخية للجمعية الوطنية الكبرى، أُعلن رسمياً عن قيام «جمهورية تركيا» وانتخب مصطفى كمال أوّلَ رئيسٍ لها بالإجماع، فيما عُيِّن صديقه وسلاحه في حرب الاستقلال عصمت إينونو رئيساً للوزراء.

وكان إعلانُ الجمهورية في جوهره خياراً قطعياً للمسار لا مجرّدَ تعديلٍ إداري: فالجمهوريةُ تعني أنّ السيادة للشعب لا للسلطان، وأنّ الحكومةَ مسؤولة أمام هيئةٍ تمثيلية منتخبة لا أمام إرادةٍ موروثة، وأنّ الحكمَ شأنٌ دنيوي-قومي لا امتيازٌ ديني-مقدّس. وقد كان اختيارُ أنقرة عاصمةً للجمهورية بدلاً من القسطنطينية/ إسطنبول يحمل دلالةً رمزية عميقة؛ فإسطنبول كانت مدينةَ الخلفاء والسلاطين والثقل الإمبراطوري والتاريخ الإسلامي الثقيل، بينما أنقرةُ مدينةٌ وسطى محاطة بالهضبة الأناضولية تمثّل قلبَ تركيا القومية البعيدة عن تراكمات الماضي الكوسموبوليتاني.

سابعاً: الإصلاحات الكمالية — إعادة هندسة الدولة والمجتمع

لم يكتفِ مصطفى كمال بتأسيس الجمهورية من الناحية السياسية الشكلية، بل انطلق في مشروعٍ إصلاحي شامل يُغطّي كلَّ جوانب الحياة السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية في محاولةٍ غير مسبوقة لنقل المجتمع التركي من مدارٍ حضاري إلى مدار آخر في غضون سنواتٍ قليلة. ففي مارس 1924م، أُلغيت الخلافةُ الإسلامية التي كانت تربط الدولةَ التركية بزعامةٍ روحية للعالم الإسلامي بأسره، وطُرد آخرُ الخلفاء عبد المجيد الثاني من البلاد. وكان هذا القرارُ من أشدّ قرارات أتاتورك جرأةً وإثارةً للجدل في العالم الإسلامي الذي رأى فيه ضربةً مباشرة للهوية الدينية الجامعة.

وعلى الصعيد القانوني، تمّ في عام 1926م التخلّيُ الكامل عن المنظومة التشريعية الإسلامية المستندة إلى الشريعة واستبدالُها باستيراد نماذجَ قانونية أوروبية جاهزة: القانونُ المدني السويسري، وقانونُ العقوبات الإيطالي، وقانونُ التجارة الألماني. وقد أحدث هذا التحوّلُ القانوني قطيعةً جذرية مع الموروث الفقهي الإسلامي، إذ أُلغيت المحاكمُ الشرعية وحلّت محلّها محاكمُ مدنية وضعية. وعلى صعيد الحياة الاجتماعية، أُلغي نظامُ تعدّد الزوجات وجُعل الزواجُ عقداً مدنياً لا دينياً، ومُنحت المرأةُ الحقوقَ القانونية في الطلاق والميراث والتعليم والعمل.

وفي نوفمبر 1928م، جاء إصلاحٌ من أعمق تأثيراً وأبعده مدىً في بنية الهوية التركية: إلغاءُ الخط العربي الذي كتب به الأتراك لغتَهم ثمانيةَ قرون كاملة، وتبنّي حرفٍ لاتيني جديد مُكيَّف لأصوات اللغة التركية. وقد جاب مصطفى كمال بنفسه المدنَ والقرى التركية يحمل لوحةً وطباشيراً يُعلّم الشعبَ الحرفَ الجديد في مشهدٍ لافت لقائدٍ يتحوّل إلى معلّمٍ متجوّل. وكان لهذا الإصلاح أثرٌ مزدوج: من ناحية قطع الرابطَ بين الأجيال الجديدة والتراث الكتابي الإسلامي-العثماني المكتوب بالخط العربي، ومن ناحيةٍ أخرى يسّر قراءةَ اللغة التركية بحسبانه حرفاً أكثر مطابقةً لمخارج أصواتها. وفي عام 1934م، مُنحت المرأةُ التركية حقَّ التصويت في الانتخابات البرلمانية والحقَّ في الترشّح للبرلمان، قبل أن تناله المرأةُ الفرنسية بعشر سنوات.

ثامناً: الكمالية — الأيديولوجيا التأسيسية للجمهورية

نظّم مصطفى كمال فلسفتَه الإصلاحية في منظومةٍ أيديولوجية متكاملة عُرفت بـ«الكمالية» أو «الأتاتوركية»، ويُرمز لها بالسهام الستة التي رسمتها راية حزب الشعب الجمهوري: الجمهوريةُ (Cumhuriyetçilik)، والقوميةُ التركية (Milliyetçilik)، والشعبويةُ (Halkçılık)، والإتاتيسمُ أو الإصلاح الاقتصادي الموجَّه من الدولة (Devletçilik)، والعلمانيةُ (Laiklik)، والثوريةُ أو التجديد المستمر (İnkılâpçılık). وقد رُسِّخت هذه المبادئُ الستة في الدستور التركي بعد تعديلٍ عام 1937م لتصبح الإطارَ الدستوري الذي تقوم عليه الجمهورية.

وكانت العلمانيةُ من أكثر هذه المبادئ إثارةً للجدل وأعمقها أثراً في هوية الجمهورية التركية؛ وهي بمفهومها الكمالي لا تعني مجرّد الفصل بين الدين والدولة، بل تعني أيضاً خضوعَ الشأن الديني للرقابة الحكومية ومنعَ الدين من الظهور في الفضاء العام. وقد تجسّد ذلك في تحويل مكالمة الأذان إلى اللغة التركية بدلاً من العربية عام 1932م (قبل أن يُرجَع عنه عام 1950م)، وتحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحفٍ عام 1934م، وفرض قانون اللباس الغربي وحظر الفيتس (الطربوش) الذي كان رمزاً للهوية العثمانية. وقد حكمت محاكمُ الاستقلال بالإعدام على شخصياتٍ دينية وقومية عارضت هذه الإصلاحات.

تاسعاً: الإرث التاريخي لتأسيس الجمهورية التركية

توفّي مصطفى كمال أتاتورك في العاشر من نوفمبر 1938م في قصر دولمابهتشه بإسطنبول، تاركاً وراءه تجربةً سياسيةً فريدة لا تزال تُثير نقاشاً حيّاً في أوساط المؤرخين والفلاسفة السياسيين حول العالم. وقد مثّلت الجمهوريةُ التركية في نظر الكثيرين نموذجاً يُحتذى في التحديث القسري، وأثرت تأثيراً مباشراً في مشاريع التحديث التي تبنّاها قادةٌ في إيران (رضا شاه بهلوي) وأفغانستان (أمان الله خان) ومصر (الضباط الأحرار لاحقاً) وغيرها. بيد أنّ النقاد رأوا في النموذج الكمالي نزعةً إلحاقية تُذيب الهويةَ الوطنية في قالبٍ أوروبي مستورد وتفرض قطيعةً قسرية مع الموروث الحضاري والديني دون إجماعٍ شعبي حقيقي.

وقد خضعت الجمهوريةُ التركية في عقودها التالية لتجاذباتٍ دائمة بين التيار الكمالي العلماني والتيار الإسلامي المحافظ، وشهد النظامُ السياسي التركي انقلاباتٍ عسكرية متعددة (1960م، 1971م، 1980م) ادّعى القائمون عليها دوماً أنّهم يصونون الإرثَ الكمالي في مواجهة التراجع عنه. وبحلول القرن الحادي والعشرين، شهدت تركيا موجةً من إعادة الاعتبار للهوية الإسلامية في الفضاء العام في عهد حزب العدالة والتنمية، في مسارٍ يُفسّره بعضهم «نقضاً للكمالية» ويُفسّره آخرون «تكيّفاً تطوّرياً» للديمقراطية التركية مع ثقافة مجتمعها الحقيقية. وعلى أيٍّ كان، فإنّ ما لا خلاف عليه أنّ تأسيسَ جمهورية تركيا عام 1923م مثّل أحد أعمق لحظات التحوّل في تاريخ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في القرن العشرين كلّه.