يُعدّ تفكك جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية من أعقد الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها أوروبا في أعقاب الحرب الباردة، إذ تحوّلت دولة متعددة القوميات ضمّت لعقود ستّ جمهوريات هي صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وسلوفينيا والجبل الأسود ومقدونيا، إلى ساحة حروب أهلية وعرقية متلاحقة امتدت من عام 1991 حتى نهاية الألفية. وقد نتج هذا التفكك عن تفاعل عوامل متعددة تراكمت منذ وفاة الزعيم التاريخي جوزيف بروز تيتو عام 1980، أبرزها ضعف الشرعية السياسية للنظام الشيوعي الاتحادي، وتدهور الاقتصاد الاشتراكي إثر صدمتي النفط في السبعينيات، وصعود القوميات المتنافسة، وعلى رأسها القومية الصربية بقيادة سلوبودان ميلوشيفيتش. وقد بدأ التفكك الفعلي بإعلان سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما في 25 يونيو 1991، لتتبعهما مقدونيا ثم البوسنة والهرسك، فيما اندلعت حروب دامية في كرواتيا والبوسنة راح ضحيتها مئات الآلاف وارتكبت خلالها جرائم تطهير عرقي بلغت ذروتها في مجزرة سريبرينيتسا عام 1995، قبل أن ينتهي القتال في البوسنة باتفاق دايتون في العام نفسه، وتتجدد الأزمة لاحقاً في كوسوفو التي شهدت تدخلاً عسكرياً من حلف الناتو عام 1999.

معلومات عامة
الاسم الرسمي السابق جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية
فترة التفكك الرئيسية 25 يونيو 1991 – 27 أبريل 1992
الجمهوريات المكوّنة الست صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، البوسنة والهرسك، الجبل الأسود، مقدونيا
عدد سكان يوغوسلافيا الاشتراكية (1991) نحو 24 مليون نسمة
الحروب المصاحبة للتفكك
حرب الاستقلال الكرواتية 1991 – 1995
الحرب البوسنية 1992 – 1995
مجزرة سريبرينيتسا يوليو 1995، أكثر من 8000 قتيل
حرب كوسوفو 1998 – يونيو 1999
التسويات والدول الخلف
اتفاق دايتون للسلام وُقّع في باريس، 14 ديسمبر 1995
“يوغوسلافيا الثالثة” (صربيا والجبل الأسود) أُعلنت 27 أبريل 1992، حُلّت 2006
عدد الدول المستقلة الناتجة سبع دول (بعد استقلال كوسوفو 2008 والجبل الأسود 2006)
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: يوغوسلافيا تيتو والتوازن الهش بين القوميات

قامت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية عام 1943 خلال الحرب العالمية الثانية على أنقاض المملكة اليوغوسلافية السابقة، لتضم ست جمهوريات متمايزة عرقياً ودينياً ولغوياً، إلى جانب إقليمين متمتعين بالحكم الذاتي داخل صربيا هما كوسوفو ذات الأغلبية الألبانية وفويفودينا. وقد نجح الزعيم جوزيف بروز تيتو، بفضل شخصيته الكاريزمية ونهجه الشيوعي المستقل عن موسكو، في الحفاظ على تماسك هذا التكوين المعقد لعقود، مستنداً إلى نظام اقتصادي مختلط قائم على الإدارة الذاتية العمالية حقق نمواً اقتصادياً لافتاً خلال الستينيات والسبعينيات، كما رسّخ مكانة يوغوسلافيا الدولية بوصفها “دولة عازلة” بين الكتلتين، عبر تأسيسه حركة عدم الانحياز عام 1961 بالتعاون مع الرئيسين المصري جمال عبد الناصر والهندي جواهر لال نهرو. غير أن هذا التوازن ظلّ هشاً بطبيعته، إذ اعتمد إلى حد كبير على الشخصية الموحِّدة لتيتو نفسه أكثر من اعتماده على مؤسسات اتحادية راسخة قادرة على استيعاب التناقضات القومية العميقة بين مكونات الاتحاد.

ثانياً: أسباب التفكك بعد وفاة تيتو

أفضت وفاة تيتو في مايو 1980 إلى كشف هشاشة البنية الاتحادية بشكل تدريجي، إذ افتقر النظام السياسي القائم على الرئاسة الجماعية الدورية إلى القدرة على توليد الولاء والثقة الشعبية اللازمين لإدارة الأزمات المتراكمة. وقد تضافرت في هذا السياق عوامل عدة على رأسها التدهور الاقتصادي الحاد، حيث انخفضت الأجور الحقيقية طوال الثمانينيات ولم يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي 1.1% بين عامي 1980 و1989 قبل أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 11.6% عام 1990، وهو تدهور دفع شرائح واسعة من السكان نحو اليأس وجعلها أكثر تقبلاً لخطاب زعماء وعدوا بحلول قومية لأزماتهم. وقد استغل سلوبودان ميلوشيفيتش، الذي تولى قيادة الحزب الشيوعي الصربي، هذه الأجواء لبناء حركة “إحياء قومي” صربية تصادمت أهدافها السياسية والإقليمية مع مصالح باقي الجمهوريات والقوميات، في وقت تصاعدت فيه أيضاً مطالبات الألبان في كوسوفو بالحكم الذاتي منذ عام 1981، وهو ما غذّى بدوره موجة قومية صربية مضادة. وقد ترافقت هذه العوامل الداخلية مع مناخ دولي مواتٍ للتفكك بعد سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989 وموجة التحرر السياسي التي اجتاحت الكتلة الشيوعية في أوروبا الشرقية، والتي شجعت شعوب يوغوسلافيا على المطالبة بالديمقراطية وتقرير المصير على غرار جيرانها.

ثالثاً: إعلانات الاستقلال وحرب كرواتيا

أفرزت أول انتخابات تعددية أجريت في مختلف الجمهوريات اليوغوسلافية أحزاباً ذات توجه انفصالي في معظم الجمهوريات، باستثناء صربيا والجبل الأسود حيث فاز ميلوشيفيتش وحلفاؤه، وهو ما عمّق حدة الخطاب القومي في عموم البلاد. وفي 25 يونيو 1991 أعلنت كل من سلوفينيا وكرواتيا انفصالهما عن الاتحاد اليوغوسلافي، فخاضت سلوفينيا حرباً قصيرة استمرت عشرة أيام مع الجيش الفيدرالي انتهت بتسوية سريعة نظراً لتجانسها العرقي النسبي، في حين اندلع في كرواتيا صراع أطول وأكثر دموية، إذ دعمت صربيا حركات انفصالية للأقلية الصربية داخل كرواتيا سعت للاحتفاظ بأراضٍ ضمن يوغوسلافيا مصغّرة. وأدى الاعتراف الألماني المبكر باستقلال سلوفينيا وكرواتيا إلى تسريع الاعتراف الدولي الأوسع بهما، فيما أعلنت مقدونيا استقلالها في 19 ديسمبر 1991 لتصبح الجمهورية الوحيدة التي انفصلت دون مقاومة تُذكر من الحكومة الفيدرالية.

رابعاً: الحرب البوسنية والتطهير العرقي

شكّلت البوسنة والهرسك، بتركيبتها السكانية المتداخلة من البوشناق المسلمين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك المنتشرين عبر أراضيها كافة دون تجانس جغرافي واضح، أكثر الحالات تعقيداً وأشدها دموية ضمن مسار التفكك. فبعد استفتاء على الاستقلال أُجري في فبراير-مارس 1992 صوّت فيه غالبية ساحقة لصالح الانفصال، أعلن الصرب البوسنيون بقيادة رادوفان كاراجيتش، المدعومين من الجيش اليوغوسلافي وحكومة ميلوشيفيتش في بلغراد، عن كيان انفصالي عُرف بجمهورية صرب البوسنة، واندلعت حرب استمرت من عام 1992 حتى 1995 اتسمت بحصار طويل الأمد لمدينة سراييفو وحملات منهجية للتطهير العرقي طالت المدنيين البوشناق بشكل خاص. وقد بلغت هذه الحرب ذروتها المأساوية في يوليو 1995 حين اجتاحت قوات صرب البوسنة بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش منطقة سريبرينيتسا التي كانت معلنة “منطقة آمنة” تحت حماية الأمم المتحدة، وقتلت في غضون أيام قليلة أكثر من 8000 من الرجال والفتيان البوشناق في ما اعترفت به المحاكم الدولية لاحقاً بوصفه جريمة إبادة جماعية. ولم تتمكن قوة حفظ السلام الأممية المتمركزة في المدينة من منع المجزرة، وهو إخفاق شكّل لاحقاً محوراً لنقاش دولي واسع حول حدود التدخل الأممي في حماية المدنيين.

خامساً: اتفاق دايتون ونهاية الحرب البوسنية

أفضت سلسلة من الضغوط العسكرية والدبلوماسية، تضمّنت أول استخدام فعلي للقوة في تاريخ حلف الناتو حين أسقطت مقاتلاته أربع طائرات صربية بوسنية عام 1994 لانتهاكها منطقة حظر الطيران الأممية، إلى دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات في قاعدة رايت-باترسون الجوية قرب مدينة دايتون بولاية أوهايو الأمريكية، بوساطة المفاوض الأمريكي ريتشارد هولبروك ووزير الخارجية وارن كريستوفر. وتم التوصل إلى تسوية أولية في 21 نوفمبر 1995 ثم توقيعها رسمياً في باريس في 14 ديسمبر من العام ذاته، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والاتحاد الأوروبي. وقد أبقى الاتفاق على البوسنة والهرسك دولة واحدة موحدة شكلياً، لكنه قسّمها فعلياً إلى كيانين، اتحاد البوشناق والكروات بنسبة 51% من الأراضي، وجمهورية صرب البوسنة بنسبة 49%، مع الإبقاء على سراييفو عاصمة موحدة، ونشر قوة دولية لتثبيت الاستقرار وإشراف مفوض سام دولي على الجوانب المدنية لتنفيذ الاتفاق.

سادساً: أزمة كوسوفو وتدخل الناتو عام 1999

شكّلت كوسوفو، الإقليم ذو الأغلبية الألبانية داخل صربيا والذي كان يتمتع بحكم ذاتي واسع في عهد تيتو، الفصل الأخير في سلسلة حروب التفكك اليوغوسلافي. فبعد إلغاء ميلوشيفيتش للحكم الذاتي عام 1989، تصاعدت المقاومة السلمية للألبان بقيادة إبراهيم روغوفا قبل أن يظهر تنظيم جيش تحرير كوسوفو المسلح في التسعينيات، لتندلع مواجهات واسعة النطاق منذ عام 1998 ترافقت مع حملة قمع ممنهجة من القوات الصربية واليوغوسلافية شملت أعمال تطهير عرقي دفعت قرابة مليون شخص إلى النزوح. وبعد فشل مفاوضات رامبوييه وباريس في فبراير ومارس 1999، شنّ حلف الناتو حملة قصف جوي واسعة أُطلق عليها اسم “القوة المتحالفة” استمرت من 24 مارس حتى 10 يونيو 1999، استهدفت مواقع عسكرية صربية إلى جانب منشآت حكومية وبنية تحتية، دون تفويض صريح مسبق من مجلس الأمن الدولي، وانتهت بقبول بلغراد سحب قواتها من كوسوفو ونشر إدارة دولية مؤقتة تحت إشراف الأمم المتحدة.

سابعاً: تركة التفكك والدول الخلف

أفضى مسار التفكك المتدرج، الذي استغرق أكثر من عقد ونصف بين إعلانات الاستقلال الأولى وحل آخر تشكيلاته الاتحادية، إلى بروز سبع دول مستقلة على أنقاض يوغوسلافيا الاشتراكية السابقة. فبعد أن أبقت صربيا والجبل الأسود على اتحاد فيدرالي محدود احتفظ باسم يوغوسلافيا حتى عام 2003 ثم تحوّل إلى “اتحاد صربيا والجبل الأسود”، أفضى استفتاء عام 2006 إلى استقلال الجبل الأسود وانحلال هذا الاتحاد نهائياً. كما أعلنت كوسوفو استقلالها من جانب واحد عام 2008، في خطوة لا تزال موضع خلاف دولي حتى اليوم بين الدول المعترفة بها وتلك الرافضة لذلك. وقد خلّفت هذه الحروب المتلاحقة إرثاً ثقيلاً من الانقسامات الإثنية المؤسسية، لا سيما في البوسنة والهرسك حيث لا يزال الهيكل الحكومي المعقد الذي أرساه اتفاق دايتون موضع جدل قانوني وسياسي مستمر بين المكونات الثلاثة للبلاد حتى اليوم.