إعلان حقوق الإنسان والمواطن (بالفرنسية: Déclaration des droits de l’Homme et du citoyen) وثيقةٌ تأسيسية فارقة في تاريخ الحرية الإنسانية، اعتمدتها الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية في السادس والعشرين من أغسطس عام 1789م في خضمّ الثورة الفرنسية، لتُمثّل أول صياغة حديثة وشاملة للحقوق الطبيعية الكونية للإنسان بوصفها حقوقاً لا تقبل التصرف والتنازل. تتضمن الوثيقة ديباجةً وسبعة عشر مادةً تُرسّخ مبادئ المساواة الطبيعية بين البشر، والحقوق الأساسية كالحرية والملكية والأمن ومقاومة الاضطهاد، وسيادة الأمة، والفصل بين السلطات، وحرية التعبير والمعتقد، والمساواة أمام القانون والضريبة. أُعدّت المسوّدة الأولى للإعلان بقلم مارکيز دي لافاييت بالتشاور مع صديقه توماس جيفرسون الذي كان يشغل آنذاك منصب السفير الأمريكي في باريس، فيما أسهمت لجنة من أربعين نائباً في الصياغة النهائية كان من أبرزهم عمانويل-جوزيف سييِّيس وشارل-موريس دي تاليران وجان-جوزيف مونيي. استلهمت الوثيقة روحها الفلسفية من أعلام عصر التنوير الأوروبي، ولا سيما جان-جاك روسو في نظريته عن الإرادة العامة والعقد الاجتماعي، ومونتيسكيو في دعوته إلى الفصل بين السلطات، وجون لوك في تأسيسه لفلسفة الحقوق الطبيعية، فضلاً عن التأثير الواضح لإعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776م وإعلان حقوق فيرجينيا. أُلحقت الوثيقة بوصفها ديباجةً بالدستور الفرنسي الأول عام 1791م، ولا تزال حتى اليوم جزءاً من الكتلة الدستورية للجمهورية الفرنسية الخامسة (1958م-الآن). وفي عام 2003م أدرجت منظمة اليونسكو النسخةَ الأولى المطبوعة من الإعلان في سجل «ذاكرة العالم» الدولي، معترفةً بها تراثاً وثائقياً ذا أهمية عالمية كونية. غير أن الإعلان في عظمته الفكرية لم يخلُ من تناقضات صارخة: فقد استثنى المرأةَ والعبيدَ وغيرَ الملّاكين من تطبيقه الفعلي، مما أثار موجة نقدية فورية كان في طليعتها مناضلة حقوق المرأة أولمب دو غوج التي أصدرت عام 1791م «إعلان حقوق المرأة والمواطنة» رداً مباشراً على هذا القصور.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن
الاسم الكامل Déclaration des droits de l’Homme et du citoyen de 1789
تاريخ الاعتماد 26 أغسطس 1789م (اعتُمد بشكل تدريجي بين 20 و26 أغسطس)
الجهة المُعتمِدة الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية
المُصادِق الرسمي الملك لويس السادس عشر (تحت ضغط شعبي، 5 أكتوبر 1789م)
الصياغة والمؤلفون
صاحب المسودة الأولى مارکيز دي لافاييت (Gilbert du Motier, Marquis de Lafayette)
المستشار الأمريكي توماس جيفرسون (سفير أمريكا في باريس)
أبرز واضعي الصياغة النهائية عمانويل-جوزيف سييِّيس، شارل-موريس دي تاليران، جان-جوزيف مونيي
عدد أعضاء لجنة الصياغة 40 نائباً
هيكل الوثيقة ومحتواها
ديباجة نعم، تتضمن الإطار الفلسفي الكامل
عدد المواد 17 مادة
أبرز الحقوق المكفولة الحرية، الملكية، الأمن، مقاومة الاضطهاد، المساواة أمام القانون، حرية التعبير، حرية الدين، الفصل بين السلطات
المبادئ الفلسفية المرجعية الحقوق الطبيعية (لوك)، الإرادة العامة (روسو)، الفصل بين السلطات (مونتيسكيو)، التنوير الفرنسي (فولتير، ديدرو)
المكانة القانونية والإرث
ديباجة دستور 1791م نعم
ديباجة دستور الجمهورية الرابعة 1946م نعم (مرجع صريح)
ديباجة دستور الجمهورية الخامسة 1958م نعم (لا يزال سارياً حتى اليوم)
اعتراف المجلس الدستوري الفرنسي 1971م — اعتراف بقيمته الدستورية الإلزامية
إدراج اليونسكو 2003م — سجل ذاكرة العالم الدولي
مكان الحفظ المحفوظات الوطنية الفرنسية، باريس
الأثر العالمي أسهم في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م وأكثر من 100 دستور عالمي
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: فرنسا عشية الثورة — النظام القديم وأزمة المجتمع

لفهم الطاقة الثورية الهائلة التي أنتجت إعلان حقوق الإنسان والمواطن، لا بدّ من استيعاب البنية الاجتماعية والسياسية الهشّة التي كانت تُقوّضها من الداخل في فرنسا القرن الثامن عشر. كان ما يُسمّى بـالنظام القديم (Ancien Régime) يقوم على ثلاثة طوابق: الإكليروس (رجال الدين) الطابق الأول، والنبلاء الطابق الثاني، وسائر الفرنسيين — وكانوا يشكّلون نحو 97% من السكان — الطابق الثالث. كان هذان الطابقان الأولان يتمتعان بامتيازات ضريبية وقضائية وإدارية استثنائية ورثوها جيلاً عن جيل، في حين كان الطابق الثالث يتحمل العبء الضريبي كله تقريباً مع غياب شبه تام للتمثيل السياسي الفعلي.

تضافرت في الثمانينيات من القرن الثامن عشر أزمات متعددة الأبعاد لتُفاقم احتقان المجتمع الفرنسي؛ فعلى الصعيد المالي كانت الدولة تتخبّط في ديون فلكية تراكمت جراء المشاركة المكلفة في الحرب السبعية ودعم الثورة الأمريكية وسوء إدارة المالية العامة في عهد لويس السادس عشر. وعلى الصعيد الاقتصادي، أدت موجات قحط متتالية ومحاصيل رديئة إلى ارتفاع جنوني في أسعار الخبز، وهو ما دفع ملايين الفرنسيين من الطبقات الدنيا إلى حافة المجاعة. وعلى الصعيد الفكري، كانت أفكار التنوير قد اخترقت أوسع الشرائح الاجتماعية تعليماً وسياسةً وثقافةً، مرسّخةً شعوراً متنامياً بأن النظام السائد ظالم وغير طبيعي وغير قابل للاستمرار.

في مايو 1789م اضطر لويس السادس عشر إلى استدعاء هيئة طوارئ استثنائية هي مجلس الطبقات (États généraux)، لم تكن قد انعقدت منذ عام 1614م، بحثاً عن مخرج من الأزمة المالية الخانقة. لكن الانفجار الذي أشعله انعقاد هذا المجلس فاق كل تقدير؛ إذ رفض ممثلو الطابق الثالث الطريقةَ التقليدية في التصويت التي كانت تمنح الطابقين الأول والثاني أغلبية تلقائية دائمة، وأعلنوا في السابع عشر من يونيو تأسيسَ «الجمعية الوطنية» كهيئة تمثّل فرنسا بأسرها لا طبقاتها المتميّزة. ثم جاءت قسم الملعب (Serment du Jeu de paume) في العشرين من يونيو تُعلن إرادة الجمعية في عدم التفرق قبل وضع دستور للبلاد، وتتحدى بذلك سلطة الملك ووصايةَ الامتيازات الموروثة تحدياً صريحاً وجريئاً. وفي الرابع عشر من يوليو أقدم الباريسيون على اقتحام سجن الباستيل، رمز الاستبداد الملكي ومخزن الأسلحة، في حدث أطلق شرارة الثورة الفرنسية الكبرى وأرّخ له الفرنسيون بوصفه يومهم الوطني حتى اليوم.

ثانياً: مرحلة الصياغة — كيف وُلد الإعلان

أدركت الجمعية الوطنية التأسيسية، وهي تُسقط حصون النظام القديم وتُلغي الامتيازات الإقطاعية في جلسة الليل الشهيرة في الرابع من أغسطس 1789م، ضرورةَ وضع وثيقة مبادئ تُعلن للعالم الأسس الجديدة للنظام الفرنسي. عيّنت الجمعية لجنةً من خمسة نواب لدراسة مشاريع الإعلان المتعددة التي تقدّمت بها الأطراف المختلفة وتوحيدها.

كان مارکيز دي لافاييت (1757-1834م) الشخصية المحورية في عملية الصياغة؛ فهو أرستقراطي فرنسي خاض غمار الثورة الأمريكية ووقف إلى جانب جورج واشنطن، وعاد إلى فرنسا وهو متشبّع بالأفكار الدستورية ومبادئ الحقوق الطبيعية. قدّم لافاييت مسودته الأولى للإعلان إلى الجمعية في الحادي عشر من يوليو 1789م، وكان قد استعان في صياغتها بصديقه الأمريكي الوثيق توماس جيفرسون، الذي كشفت رسائله الخاصة أنه بذل جهداً في قراءة مسودات لافاييت وتعليق ملاحظاته عليها، مُستلهَماً من إعلان استقلال الولايات المتحدة الذي كان مؤلّفه الرئيسي. وقد رُفضت هذه المسودة الأولى من قِبَل البراغماتيين في الجمعية بقيادة جان-جوزيف مونيي الذين خشوا أن تُطلق وعوداً يتعذّر الوفاء بها في واقع سياسي هشّ.

تولّى في مرحلة ثانية عمانويل-جوزيف سييِّيس (1748-1836م)، رجل الدين والمُنظِّر السياسي الحاذق الذي صاغ عام 1789م كتيّبَه الشهير «ما هي الطبقة الثالثة؟» (Qu’est-ce que le Tiers-État?) الذي صاغ بلغة جريئة مظالم 97% من الفرنسيين، دوراً محورياً في صياغة النسخة النهائية للإعلان. كما أسهم شارل-موريس دي تاليران أسقف أوتان رجلُ الدين والدبلوماسي المرن مستقبلاً في الشكل النهائي. صِيغ الإعلان وصُوِّت عليه مادةً مادة بين العشرين والسادس والعشرين من أغسطس 1789م في مناقشات علنية مطوّلة، قبل أن يُصادق عليه لويس السادس عشر في الخامس من أكتوبر تحت ضغط الجموع الزاحفة نحو فرساي.

ثالثاً: الأسس الفلسفية — الإعلان وعصر التنوير

لا يمكن فهم إعلان حقوق الإنسان والمواطن بمعزل عن الزخم الفلسفي لعصر التنوير الأوروبي الذي شكّل مرتكزه الفكري الجوهري. يصفه المؤرخة المتخصصة لين هانت بأنه كان «مذهلاً في شموليته وبساطته»، إذ كثّف في صفحات قليلة منظومة فكرية ضخمة تخمّرت على مدى أكثر من قرن من الكتابة الفلسفية الأوروبية.

يتصدّر الفلاسفة المؤثّرين فيه جان-جاك روسو (1712-1778م)، الذي تمثّل أثره في مفهومَين محوريَّين: أولاً مفهوم «العقد الاجتماعي» (Contrat Social) القاضي بأن الحكومة الشرعية تنبثق من اتفاق طوعي بين أفراد المجتمع يتنازلون بموجبه عن بعض حرياتهم الطبيعية مقابل حماية مؤسسات الدولة؛ وثانياً مفهوم «الإرادة العامة» (Volonté générale) الذي يُقرّر أن القانون الشرعي لا يُمثّل إلا الإرادة المشتركة لمجموع المواطنين، وأن أي قانون لا يحظى بموافقة الشعب يفقد شرعيته. تجلّى هذا الأثر الروسّوي في المادتين الثالثة والسادسة من الإعلان اللتين تُرسّخان مبدأ أن السيادة تنبع من الأمة، وأن القانون هو تعبير عن الإرادة العامة.

جاء البارون دي مونتيسكيو (1689-1755م) في مقدمة المؤثّرين الآخرين بمبدئه الشهير في الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية الذي أرساه في كتابه «روح القوانين» (De l’esprit des lois) عام 1748م، والذي وجد صدىً واضحاً في المادة السادسة عشرة من الإعلان التي تُقرّر صراحةً أن «أي مجتمع لا تكون فيه ضمانة الحقوق مكفولةً ولا الفصل بين السلطات مُقرَّراً لا دستور له». أما جون لوك (1632-1704م) فأمدّ الإعلان بنظريته في الحقوق الطبيعية الثلاث: الحياة والحرية والملكية، وإن استعاض عنها الإعلان بصياغة أوسع تجمع الحرية والملكية والأمن ومقاومة الاضطهاد. وقد أسهم فولتير بنقده الحاد للاستبداد والتعصب الديني في الإعداد الثقافي للمناخ الذي أثمر الإعلان، حتى قال بعض المؤرخين إن الثورة الفرنسية كانت «الثورة التي أتت بها الكتب».

رابعاً: الديباجة — إطار الرؤية الكونية

تستهلّ ديباجة الإعلان بجملة تشخيصية بالغة الدلالة: إن «الجهل باتجاه حقوق الإنسان وإهمالها أو احتقارها هي العلل الوحيدة للكوارث العامة وفساد الحكومات»، وهي جملة تُقرّر ضمنياً أن الطغيان والظلم ليسا ظاهرتين طبيعيتين حتمية، بل هما نتاج إخفاق معرفي يمكن استدراكه بتدوين الحقوق وإعلانها. ثم تُعلن الديباجة أن الجمعية تُثبّت في «إعلان رسمي الحقوق الطبيعية والغير قابلة للتنازل والمقدسة للإنسان»، وتُبرّر ذلك بأغراض ثلاثة متعاضدة: أن يكون الإعلان حاضراً دوماً أمام أعضاء الهيئة الاجتماعية ليُذكّرهم بحقوقهم وواجباتهم، وأن تكون أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية قابلةً للمقارنة في كل لحظة بأهداف كل مؤسسة سياسية، وأن تستند مطالب المواطنين إلى مبادئ بسيطة وثابتة.

اختتمت الديباجة بعبارة لافتة تُشير إلى أن الإعلان صدر «في حضور الكائن الأسمى وتحت رعايته»، وهو ما يعكس توتراً دقيقاً داخل الفكر التنويري الفرنسي بين الاتجاه الديني المعتدل والاتجاه المادي الإلحادي؛ فقد آثرت الجمعية صياغةً تحتفظ بالإشارة إلى «كائن أسمى» دون تسمية الإله المسيحي، في توازن يكشف عن الطابع التوفيقي للمشروع الثوري في تلك المرحلة المبكرة.

خامساً: المواد السبع عشرة — تحليل تفصيلي

تنتظم المواد السبع عشرة للإعلان في محاور فلسفية وقانونية متكاملة تُشكّل في مجملها نظاماً متناسقاً لفلسفة الحكم والحقوق الفردية والجماعية. تُرسّخ المادة الأولى المبدأ التأسيسي الجوهري الذي ينبثق منه كل ما عداه: «يولد الناس ويظلّون أحراراً ومتساوين في الحقوق، ولا يجوز إيجاد التمييز الاجتماعي إلا على أساس المنفعة المشتركة». في هذه الجملة الموجزة تُهدم الشرعيةُ الفلسفية لنظام الطبقات الوراثي هدماً كاملاً، إذ يُقرّر الإعلان أن أي تمييز اجتماعي ينبغي أن يقوم على معيار موضوعي وظيفي لا على أساس الولادة والنسب.

تُعدِّد المادة الثانية الحقوق الطبيعية الأربعة الأساسية: «الحرية، والملكية، والأمن، ومقاومة الاضطهاد»، وتُقرّر أن الغاية من كل تجمع سياسي هي صون هذه الحقوق. وتُلاحَظ هنا صياغة متأنّية: لم يكتفِ الواضعون بذكر الحرية والملكية (وهو ما ورد في لوك) بل أضافوا «الأمن» و«مقاومة الاضطهاد» تعبيراً عن الواقع الفرنسي الخاص الذي كان يشكو فيه الناس من الاعتقال التعسفي وانعدام الحماية من ظلم الدولة. تُجسّد المادة الثالثة مبدأ الإرادة الشعبية الروسّوي: «مبدأ كل سيادة يكمن أساساً في الأمة، ولا هيئة ولا فرد يمكنه أن يمارس سلطةً لا تصدر صراحةً عن الأمة»، وهو ما يُجذّر التحوّل الجذري من سيادة الملك بالحق الإلهي إلى سيادة الأمة بإرادتها الحرة.

تتناول المادتان الرابعة والخامسة تعريف الحرية وحدودها بصورة تُعبّر عن رؤية ليبرالية متوازنة: الحرية هي «أن تستطيع أن تفعل كل ما لا يضرّ بغيرك»، وحدودها لا تحدّدها إلا الضرورة، وهذه الحدود لا يجوز وضعها إلا بالقانون. أما المادة السادسة فتُرسّخ مبدأ سيادة القانون: «القانون هو التعبير عن الإرادة العامة، ولكل المواطنين الحق في المشاركة في وضعه»، وتُضيف مبدأ مساواة أمام القانون والتوظيف على أساس الجدارة لا الانتماء الطبقي.

تُعالج المواد السابعة والثامنة والتاسعة الضمانات القضائية بما يذكّر بمبادئ قانون الجريمة والعقوبة الحديثة: لا يُعتقل أحد إلا وفق أحكام القانون، ولا عقوبة إلا بنص قانوني سابق، والمتهم يُعدّ بريئاً حتى تثبت إدانته — وهو مبدأ قرينة البراءة الذي يُعدّ الإعلان من أوائل الوثائق الدولية التي دوّنته صراحةً. وتُكرّس المادة العاشرة والحادية عشرة حرية الرأي والوجدان والتعبير وحرية الصحافة، مع التنبيه إلى أن إساءة استخدام هذه الحريات مسؤولية يحكم بها القانون.

تُعالج المواد الثانية عشرة حتى الخامسة عشرة العلاقة بين المواطن والدولة في شؤون الضرائب والقوى العامة والمحاسبة؛ إذ تُقرّر أن القوى العامة — أي الجيش والأجهزة الأمنية — أُنشئت لخدمة الجميع لا لصالح القلة الممتازة، وأن الضرائب توزَّع بالتساوي على جميع المواطنين «بحسب مقدرتهم المالية»، وهو إلغاء صريح لامتيازات الإعفاء الضريبي التي كانت تتمتع بها الكنيسة والنبالة. كما تُكرّس المادتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة حق المواطنين في مراقبة إنفاق المال العام ومحاسبة الموظفين العامين.

تُمثّل المادة السادسة عشرة — المنسوبة في جوهرها إلى مونتيسكيو — من أكثر مواد الإعلان توهجاً وتأثيراً في تاريخ الفكر الدستوري: «أي مجتمع لا تكون فيه ضمانة الحقوق مكفولةً، ولا الفصل بين السلطات مُقرَّراً، لا دستور له». أما المادة السابعة عشرة الأخيرة فتُكرّس حرمة الملكية الخاصة: «الملكية حق لا يُمَسّ ومقدّس، ولا يجوز حرمان أحد منها إلا عند اقتضاء الضرورة العامة الثابتة بالقانون لذلك بصورة جليّة وبشرط التعويض العادل المسبق»، وهو نصٌّ يعكس التوجّه الليبرالي الاقتصادي للبرجوازية الفرنسية التي قادت الثورة في مرحلتها الأولى.

سادساً: التناقضات والقصور — حدود الكونية المُعلَنة

على الرغم من صياغته بلغة الشمولية الكونية، انطوى الإعلان على قصور جوهري ومتعمَّد أبعد شريحة واسعة من السكان عن نطاق تطبيقه الفعلي. القصور الأول والأشدّ وضوحاً كان استثناء المرأة؛ فعبارة «يولد الناس» (Les hommes naissent) تعني في الفرنسية «الرجال» دون إبهام لغوي، وقد أكّد الممارسة العملية أن الإعلان لم يمنح المرأة أي حقوق سياسية كحق التصويت أو شغل المناصب العامة، بل حُرمت النساء لاحقاً خلال مرحلة الثورة الراديكالية من حق تأسيس الجمعيات السياسية والاجتماع السياسي العلني.

القصور الثاني كان التمييز بين المواطنين النشيطين والمواطنين السلبيين؛ فحين وضعت الجمعية الوطنية أُطر التطبيق الانتخابي، فرضت شرط الملكية والضريبة للتمتع بحق التصويت وحق الترشح، مما استثنى عملياً نحو 80% من الفرنسيين — وفق تقديرات بعض المؤرخين — من ممارسة الحقوق السياسية التي أعلنها الإعلان للجميع. بات «المواطن السلبي» ذا حقوق مدنية بلا حق انتخاب، مما ناقض الروح الكونية الصريحة للمادة الأولى.

القصور الثالث كان الصمت المُريب عن العبودية في المستعمرات الفرنسية الكاريبية كسانت-دومينغ (هايتي الحالية) وغوادلوب ومارتينيك. كانت هذه المستعمرات مُربحة لأصحاب المزارع الكبار من الطبقة البيضاء ومن المعمِّرين الأثرياء الذين كانوا ممثَّلين في الجمعية الوطنية، فجرى إسقاط مبادئ الحرية والمساواة عن العبيد السود بصمت مُتعمَّد. وقد تسلّحت ثورة هايتي عام 1791م بالمنطق الفلسفي ذاته للإعلان الفرنسي مطالِبةً بتطبيقه على العبيد، في أحد أعمق إشكاليات السجل الحقوقي الغربي الحديث.

سابعاً: أولمب دو غوج — الرد النسائي على الإعلان

لم تمض سنتان على صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن حتى ردّت عليه المناضلة الفرنسية أولمب دو غوج (1748-1793م) بوثيقة موازية أصدرتها في الخامس عشر من سبتمبر 1791م تحت عنوان «إعلان حقوق المرأة والمواطنة» (Déclaration des droits de la femme et de la citoyenne)، ضمنتها مقدمة ساخرة وسبع عشرة مادة تُحاكي بنية الإعلان الأصلي مادةً مادة لكنها تُدرج المرأة في كل مادة بوصفها صاحبة حقوق متساوية تماماً مع الرجل.

افتتحت دو غوج وثيقتها بعبارة صارخة في مواجهة الذكورية الثورية: «الرجل، هل أنت قادر على أن تكون عادلاً؟ امرأة تسألك: على الأقل ستمنحها هذا الحق. قل لي؟ من أعطاك السلطة السيادية لقمع جنسي؟» وفي مادتها الأولى أعادت صياغة المادة المقابلة بإضافة حاسمة: «تولد المرأة حرةً وتظل مساويةً للرجل في الحقوق». أما المادة الخامسة عشرة فتُضيف أن النساء، باعتبارهن يُساهمن في دفع الضرائب، يحق لهن محاسبة كل موظف عام على إدارته. كان منطق دو غوج بسيطاً ومدمِّراً في آن: إن كانت المرأة قابلةً للصعود إلى المقصلة كما أدانتها الثورة لاحقاً، فهي قابلة للصعود إلى المنصة السياسية أيضاً. وقد دفعت دو غوج ثمن جرأتها بحياتها؛ إذ أُعدمت عام 1793م خلال حكم الإرهاب، وإن ظل إرثها الفكري يتنامى حتى أصبح مرجعاً أساسياً في تاريخ حقوق المرأة.

المرأة لها الحق في الصعود إلى المقصلة؛ يجب أن يكون لها على قدم المساواة الحق في الصعود إلى المنصة السياسية.
— أولمب دو غوج، إعلان حقوق المرأة والمواطنة، 1791م

ثامناً: الإعلان في مسار الثورة الفرنسية

عاش الإعلان في خضم الثورة الفرنسية مساراً مليئاً بالمفارقات؛ فعلى الرغم من أنه أُقرّ في المرحلة الملكية الدستورية المعتدلة (1789-1792م) وأُلحق بالدستور الأول عام 1791م، فقد ظلت مبادئه حبراً على ورق خلال مرحلة حكم الإرهاب (1793-1794م) التي شهدت إعداماً جماعياً دون محاكمات عادلة وانتهاكاً صريحاً لأغلب مواده. وقد أُعدّ إعلانٌ ثانٍ أكثر راديكالية عام 1793م لكنه لم يُعتمد رسمياً، ثم إعلان ثالث عام 1795م مع دستور الجمهورية الثالثة، لكن نسخة 1789م الأصلية ظلت هي الأكثر حضوراً تاريخياً وأبقاها في الوعي الإنساني.

خلال مرحلة حكم نابليون بونابرت، جرى تقليص الحريات العامة ولا سيما حرية الصحافة والتجمع، غير أن الإصلاحات القانونية النابليونية — وفي مقدمتها القانون المدني الفرنسي عام 1804م (Code Napoléon) — جسّدت كثيراً من مبادئ المساواة المدنية التي رسّخها الإعلان، ونشرت هذه المبادئ في المناطق الأوروبية التي خضعت للنفوذ الفرنسي، مما أسهم في تسريع تفكك النظام الإقطاعي عبر أوروبا بأسرها.

تاسعاً: الإعلان في الدساتير الفرنسية المتعاقبة والمكانة الدستورية الراهنة

تُمثّل الاستمرارية الدستورية لإعلان 1789م ظاهرةً استثنائية نادرة في التاريخ القانوني المقارن؛ إذ يُشير الفقيه الدستوري الفرنسي الراحل لويس فافورو إلى أن الإعلان «لم يكن يوماً مجرد وثيقة تاريخية، بل ظل النواة المتوهجة لشرعية الجمهورية الفرنسية». وُظِّفَ الإعلان ديباجةً للدستور الأول 1791م، وعاد بعد انقطاع نسبي إلى الواجهة الدستورية في دستور الجمهورية الرابعة عام 1946م الذي أشار إليه صراحةً في ديباجته، قبل أن تستعيده الجمهورية الخامسة في دستورها عام 1958م ليكون جزءاً لا يتجزأ من الكتلة الدستورية الفرنسية الملزمة.

في عام 1971م أصدر المجلس الدستوري الفرنسي قراراً تاريخياً يُقرّ بأن الإعلان يحمل قيمة دستورية كاملة وإلزامية، بمعنى أن أي قانون يصدره البرلمان يتعارض مع مبادئ الإعلان يُعدّ غير دستوري ومعرّضاً للإلغاء. وهكذا تحوّلت وثيقة القرن الثامن عشر إلى معيار قانوني حيٍّ وفاعل في القضاء الدستوري الفرنسي الحديث في القرن الحادي والعشرين، يُستشهد به في قرارات المجلس الدستوري ويُدرَّس في كليات الحقوق باعتباره المصدر الأوّل لفقه الحريات في القانون الفرنسي.

عاشراً: الأثر العالمي — الإعلان بوصفه إرثاً إنسانياً كونياً

تجاوزت تداعيات إعلان حقوق الإنسان والمواطن الحدودَ الفرنسية لتُشكّل رافداً أساسياً في تاريخ الحرية الإنسانية العالمي. كانت ثورة هايتي عام 1791م أول تجلٍّ لتأثيره خارج فرنسا؛ إذ ثار العبيد الأفارقة في سانت-دومينغ مسلّحين بالمنطق الفلسفي ذاته للإعلان مطالِبين بأن تنطبق عليهم مبادئ الحرية والمساواة التي أعلنتها الجمهورية الفرنسية لكنها أحجمت عن تطبيقها عليهم.

في أوروبا، حملت الحملات النابليونية المبادئ الثورية الفرنسية إلى إيطاليا وألمانيا وبولندا وهولندا وإسبانيا، مُلهِمةً حركات إصلاح دستوري متوالية سعت إلى هدم الامتيازات الإقطاعية وترسيخ المساواة المدنية. وقد أسهمت موجة ثورات عام 1848م الأوروبية الكبرى التي اجتاحت فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا في مشروعيتها التاريخية إلى روح الإعلان الفرنسي ومبادئه.

على المستوى الكوني، أكّدت منظمة اليونسكو في طلبها عام 2003م لإدراج الإعلان في سجل ذاكرة العالم أنه «يُمثّل القاعدة التي قام عليها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 1948م وهو ذو قيمة كونية». وقد أثبت المؤرخ المتخصص لن هانت وزملاؤه في أبحاثهم المقارنة أن الصياغات اللغوية والفكرية للإعلان الفرنسي تتجلّى في عشرات الدساتير والإعلانات الوطنية الصادرة بعد الحرب العالمية الثانية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي انتزعت استقلالها من الاستعمار ووجدت في لغة «الحقوق الطبيعية الكونية» سلاحاً قانونياً وأخلاقياً لا يُرد في مواجهة الاحتلال والاستبداد.

في ميزان التاريخ، يظل إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789م وثيقةً فريدة في قدرتها على الجمع بين التنظير الفلسفي العميق والصياغة القانونية الإيجازية المُؤثِّرة؛ فهو في آنٍ واحد تكثيف لقرن من الفكر التنويري الأوروبي، وصرخة شعب في وجه الاستبداد الموروث، ومشروع كوني لم يكتمل لا يزال يستدعي الإنجاز في كل مكان لا تزال فيه الحرية والمساواة وكرامة الإنسان مُهدَّدة. وإن كانت الثورة الفرنسية قد خانت في بعض مراحلها أرفع ما نادى به إعلانها، فإن الإعلان نفسه بقي أكبر من الثورة وأوسع من زمانها وأمتن من موجة واحدة في تاريخ البشرية.