| بيانات عامة | |
| التاريخ التقديري | نحو 617–618م، أي قبل الهجرة النبوية بأربع إلى خمس سنوات تقريبًا |
| المكان | موضع بعاث، جنوب شرق يثرب (المدينة المنورة لاحقًا) |
| السياق | آخر حلقات الصراع القبلي الطويل بين الأوس والخزرج في يثرب |
| النتيجة | انتصار الأوس بعد تعثر أولي، وإنهاك كامل للطرفين |
| أطراف الصراع | |
| الطرف الأول | قبيلة الأوس، بحلفائها اليهود من بني قريظة وبني النضير |
| قائد الأوس | حضير بن سماك الأشهلي، الملقب بـ”حضير الكتائب” |
| الطرف الثاني | قبيلة الخزرج، بحليفهم اليهودي بني قينقاع |
| قائد الخزرج | عمرو بن النعمان البياضي (قُتل في المعركة) |
| أهمية تاريخية | |
| الأثر المباشر | إنهاك القبيلتين وتفكك الزعامة القبلية التقليدية في يثرب |
| الأثر البعيد | تمهيد الأرضية لقبول أهل يثرب دعوة النبي محمد والهجرة إليها عام 622م |
| النتيجة السياسية | اتحاد القبيلتين لاحقًا تحت مسمى “الأنصار” |
يُعرف يوم بعاث في المصادر التاريخية العربية بأنه آخر وأعنف معركة في سلسلة طويلة من الحروب القبلية المتقطعة التي دارت بين قبيلتي الأوس والخزرج في واحة يثرب، قبيل الهجرة النبوية بسنوات قليلة، وتحديدًا في فترة تقارب عامي 617 و618 للميلاد بحسب أغلب التقديرات التاريخية. وقد وقعت هذه المعركة في موضعٍ يُدعى “بعاث” يقع جنوب شرق يثرب، وانضمت إلى كل طرفٍ من الطرفين قبائل يهودية حليفة كانت تقطن الواحة منذ قرون، إذ ناصر بنو قريظة وبنو النضير جانب الأوس، بينما ناصر بنو قينقاع جانب الخزرج. وانتهت المعركة، بعد تعثرٍ أولي لصفوف الأوس، بانتصارهم في نهاية المطاف وسقوط عددٍ كبير من زعماء الخزرج، غير أن النتيجة الأهم لهذه الموقعة لم تكن عسكرية بقدر ما كانت اجتماعية وسياسية، إذ تركت القبيلتين في حالة إنهاكٍ تام دفعت لاحقًا زعماء يثرب إلى البحث عن حَكَمٍ خارجي محايد يوحّد صفوفهم، وهو ما مهّد الطريق تاريخيًا لقبولهم دعوة النبي محمد والهجرة إليهم عام 622م.
خلفية الصراع القبلي في يثرب
لم يكن يوم بعاث حادثًا معزولًا، بل كان تتويجًا لعقودٍ طويلة من التنافس والاحتكاك بين قبيلتي الأوس والخزرج، وهما قبيلتان عربيتان تنحدران من أصولٍ يمنية مشتركة، استوطنتا واحة يثرب الخصبة منذ قرون قبل الإسلام، إلى جانب عددٍ من القبائل اليهودية المستقرة فيها منذ زمنٍ أبعد، وأبرزها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد نشأ التنافس بين القبيلتين العربيتين أساسًا حول السيطرة على الأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية المحدودة في الواحة، وتفاقم هذا التنافس تدريجيًا عبر تحالفاتٍ متبدلة ونزاعاتٍ دموية متكررة استمرت أجيالًا، حتى أصبحت الحرب شبه المستمرة سمة أساسية لحياة سكان يثرب في العقود التي سبقت ظهور الإسلام مباشرة.
وبحسب الروايات التاريخية المتوارثة، فإن الشرارة المباشرة التي أدت إلى اندلاع معركة بعاث تحديدًا ارتبطت بنزاعٍ على أراضٍ زراعية خصبة كانت بحوزة القبائل اليهودية، حين طالب أحد زعماء الخزرج بالاستيلاء عليها، مهددًا بقتل رهائن كان قد أخذهم ضمانًا لحياد اليهود في نزاعٍ سابق، وحين رفضت القبائل اليهودية التنازل عن أراضيها، نفّذ تهديده بالفعل، وهو ما أثار غضب بني قريظة وبني النضير، فمالا بثقلهما العسكري إلى جانب الأوس في مواجهةٍ حاسمة مع الخزرج وحليفهم بني قينقاع.
مجريات المعركة
تشير المصادر التاريخية إلى أن معركة بعاث بدأت في مرحلتها الأولى لصالح الخزرج، الذين نجحوا في دفع صفوف الأوس إلى التراجع، قبل أن يتدارك قائد الأوس حضير بن سماك الأشهلي، الملقب بـ”حضير الكتائب” لبراعته القتالية، الموقف عبر استنهاض همم مقاتليه، مذكّرًا إياهم بما لحق بهم من إجحافٍ وظلمٍ سابق على يد الخزرج، وهو خطابٌ حماسي نجح في إعادة تنظيم صفوف الأوس وشحذ عزيمتهم القتالية. وقد شنّت الأوس بعد ذلك هجومًا مضادًا حاسمًا نجحوا خلاله في قلب موازين المعركة بالكامل، وأوقعوا في صفوف الخزرج خسائر فادحة، سقط خلالها عددٌ من كبار زعمائهم، وعلى رأسهم قائدهم عمرو بن النعمان البياضي نفسه، ما اضطر الخزرج في نهاية المطاف إلى الانسحاب من ساحة المعركة معترفين بالهزيمة.
لم تكن معركة بعاث مجرد اشتباكٍ قبلي عابر آخر في سلسلة الحروب المتكررة بين الأوس والخزرج، بل كانت تجربة إنهاكٍ متبادل بلغت من الشدة حدًا دفع كلا الطرفين، للمرة الأولى منذ أجيال، إلى التفكير جديًا في ضرورة وجود سلطةٍ موحِّدة تعلو على الولاءات القبلية الضيقة التي طالما مزّقت يثرب.
— و. مونتغمري واط، محمد في المدينة، مطبعة جامعة أكسفورد، 1956
الإنهاك المتبادل والبحث عن الوحدة
خلّفت معركة بعاث، رغم حسمها العسكري لصالح الأوس، أثرًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا تجاوز نتيجتها الميدانية المباشرة. فقد فقدت كلتا القبيلتين خلال هذه الموقعة وما سبقها من اشتباكات متقطعة عددًا كبيرًا من زعمائها ورجالها المقاتلين، بينما تعمّقت الانقسامات الداخلية بين بطون كلٍ منهما، إذ اعتزل بعض بطون الخزرج القتال منذ البداية بتحريضٍ من زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، الذي رأى في المعركة عدوانًا غير مبرر، وهو الموقف الذي عزز مكانته لاحقًا بوصفه شخصية توافقية محتملة يمكن أن يجتمع حولها الطرفان. وقد أدى هذا الإنهاك الشامل إلى نشوء حالةٍ من الترقب والبحث عن مخرجٍ سياسي يضمن استقرارًا دائمًا، إذ بدأ عددٌ من زعماء يثرب يفكرون جديًا في تتويج حَكَمٍ موحّد يُنهي دوامة الاقتتال المتكررة، وكان عبد الله بن أبي أحد أبرز المرشحين المطروحين لهذا الدور قبل أحداث الهجرة.
الصلة التاريخية بالهجرة النبوية
ترى غالبية المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة أن حالة الإنهاك الشامل التي أعقبت يوم بعاث كانت من أهم العوامل الموضوعية التي هيّأت أهل يثرب لتقبّل دعوة النبي محمد حين عرضت عليهم في مواسم الحج التالية، إذ وجد وفدٌ من أهل يثرب التقوا بالنبي في موسم الحج، ثم في بيعتي العقبة الأولى والثانية، في شخصه ورسالته فرصةً لتجاوز الانقسام القبلي المزمن الذي أنهك مجتمعهم لعقود، عبر الالتفاف حول مرجعيةٍ دينية وأخلاقية جامعة تعلو على العصبيات القبلية التقليدية للأوس والخزرج على حدٍ سواء. وبالفعل، وبعد الهجرة النبوية إلى يثرب عام 622م، نجح النبي محمد في توحيد القبيلتين تحت مظلةٍ واحدة، حيث عُرف مسلمو يثرب من الأوس والخزرج معًا لاحقًا باسمٍ جامعٍ واحد هو “الأنصار”، في مقابل “المهاجرين” القادمين من مكة، وتُرسّخ هذه التسمية الموحدة، بحسب تحليل عددٍ من المؤرخين المتخصصين، الأثر البنيوي العميق الذي تركته صدمة يوم بعاث في التمهيد لهذا الاندماج الاجتماعي والسياسي غير المسبوق.