المجازر الاستعمارية مصطلح تحليلي يشير إلى سلسلة واسعة من أعمال العنف الجماعي التي ارتكبتها القوى الاستعمارية الأوروبية ضد السكان الأصليين في مستعمراتها بآسيا وإفريقيا والأمريكتين، بين القرن السادس عشر وأواسط القرن العشرين تقريباً، في سياق فرض السيطرة السياسية والاقتصادية أو قمع حركات المقاومة والتمرد المحلية. لا يشكّل هذا المصطلح فئة تصنيفية قانونية موحدة بذاتها بقدر ما هو إطار تحليلي تاريخي يجمع حوادث متباينة زمنياً وجغرافياً وسياقياً، من مجازر ميدانية محدودة النطاق نجمت عن قمع احتجاجات مدنية، إلى حملات إبادة منهجية استهدفت مجموعات سكانية بأكملها، وهو ما يجعل من دراسة هذه الظاهرة عملية تستلزم فحص كل حالة على حدة ضمن سياقها التاريخي الخاص، مع الانتباه في الوقت ذاته إلى الأنماط البنيوية المشتركة التي قد تربط بينها.

من أبرز الحالات الموثقة توثيقاً واسعاً في هذا السياق فظائع دولة الكونغو الحرة تحت حكم الملك البلجيكي ليوبولد الثاني بين 1885 و1908، ومجزرة أمريتسار (جاليانوالا باغ) التي ارتكبتها القوات البريطانية في الهند سنة 1919، والحملة العسكرية الألمانية ضد شعبي الهيريرو والناما في جنوب غرب إفريقيا بين 1904 و1908، ومجازر سطيف وقالمة وخراطة التي ارتكبتها السلطات الفرنسية والمليشيات الاستيطانية في الجزائر سنة 1945. تتفاوت هذه الحوادث تفاوتاً كبيراً من حيث حجمها وطبيعتها ومدى الإجماع التاريخي حول تصنيفها، إذ يصف معظم الباحثين المعاصرين حادثة الهيريرو والناما تحديداً بأنها إبادة جماعية بالمعنى القانوني الدقيق للمصطلح، بينما لا تزال حوادث أخرى موضع نقاش أكاديمي مستمر حول التصنيف الأدق لها ضمن مفاهيم القانون الدولي الإنساني الحديثة.

نظرة عامة
النطاق الزمني القرن السادس عشر – أواسط القرن العشرين
السياق التوسع الاستعماري الأوروبي وقمع المقاومة المحلية
طبيعة المصطلح إطار تحليلي تاريخي وليس تصنيفاً قانونياً موحداً
فظائع الكونغو الحرة
الفترة والمستعمِر 1885 – 1908، دولة الكونغو الحرة (ليوبولد الثاني)
التقدير البشري تقديرات متباينة تصل حتى 10 ملايين ضحية
مجزرة أمريتسار
التاريخ والمستعمِر 13 أبريل 1919، الهند البريطانية
الحصيلة الرسمية 379 قتيلاً رسمياً، وتقديرات أعلى متنازع عليها
إبادة الهيريرو والناما
الفترة والمستعمِر 1904 – 1908، جنوب غرب إفريقيا الألمانية
نسبة الضحايا نحو 75% من الهيريرو و50% من الناما
مجازر سطيف وقالمة
التاريخ والمستعمِر مايو – يونيو 1945، الجزائر الفرنسية
التقديرات بين 1,000 و45,000 قتيل (تقديرات متباينة جداً)
COSMALORE · الموسوعة العربية

الإطار التاريخي العام للعنف الاستعماري

رافق التوسع الاستعماري الأوروبي منذ عصر الاكتشافات الجغرافية في القرن السادس عشر أشكال متعددة من العنف المنظم ضد السكان الأصليين، اتخذت صوراً متنوعة عبر القرون تراوحت بين حملات عسكرية مباشرة لإخضاع الأقاليم، وأنظمة عمل قسري استُخدمت فيها وسائل عقابية بالغة القسوة، وقمع دموي متكرر لحركات التمرد والمقاومة المحلية التي واجهت السيطرة الاستعمارية على مدى قرون طويلة. لم يكن هذا العنف ظاهرة عرضية هامشية في التجربة الاستعمارية، بل شكّل في كثير من الحالات الموثقة أداة بنيوية أساسية لفرض السيطرة الاقتصادية والسياسية، وبخاصة في الأقاليم التي اعتمد اقتصادها الاستعماري على استخراج موارد طبيعية بكثافة، كالمطاط والمعادن الثمينة، عبر أنظمة عمل قسري صارمة.

فظائع دولة الكونغو الحرة (1885-1908)

مثّلت دولة الكونغو الحرة، التي أُنشئت سنة 1885 بوصفها ملكية خاصة للملك البلجيكي ليوبولد الثاني وليست مستعمرة تابعة رسمياً للدولة البلجيكية، واحدة من أشد حالات العنف الاستعماري توثيقاً وفظاعة في التاريخ الحديث. اعتمد نظام ليوبولد على فرض حصص إلزامية صارمة من المطاط البري والعاج على السكان المحليين، فُرضت بوسائل عنف منهجي شملت الضرب والاحتجاز والتمثيل بالجثث، عبر قوة عسكرية خاصة عُرفت بـ«القوة العامة»، بلغت من الوحشية حداً دفع جنودها إلى قطع أيدي الضحايا كإثبات لاستخدام الذخيرة بدلاً من إهدارها في الصيد.

أثار هذا النظام حملة تعبئة دولية واسعة قادها نشطاء وصحفيون، أبرزهم البريطاني إدموند دين موريل والدبلوماسي الأيرلندي روجر كيسمنت الذي أعدّ تقريراً موثقاً عُرض على البرلمان البريطاني كشف تفاصيل هذه الفظائع، مما أرغم الحكومة البلجيكية في نهاية المطاف على انتزاع السيطرة من ليوبولد الثاني شخصياً وضم الإقليم رسمياً سنة 1908 بوصفه مستعمرة الكونغو البلجيكية. تباينت التقديرات التاريخية حول الحصيلة البشرية الإجمالية لهذه الحقبة تبايناً كبيراً، إذ تراوحت تقديرات انخفاض عدد سكان الإقليم بين ملايين قليلة وما يصل إلى عشرة ملايين نسمة، نتيجة مزيج من العنف المباشر والمجاعة والأمراض المرتبطة بنظام العمل القسري، دون توفر إحصاء سكاني دقيق يسبق هذه الحقبة يتيح تقديراً قاطعاً لا خلاف حوله.

لست مقتنعاً بأن الرأي العام لم يبدِ حساسية أكبر تجاه قضية دولة الكونغو الحرة إلا لأن هذه القصة المروعة لم تُعرض بعد على الناس بالشكل الكافي.
— السير آرثر كونان دويل، من كتابه «جريمة الكونغو»، 1909

مجزرة أمريتسار (جاليانوالا باغ) 1919

وقعت مجزرة أمريتسار في الثالث عشر من أبريل 1919 في مدينة أمريتسار بإقليم البنجاب الهندي، حين أمر الجنرال البريطاني ريجينالد داير قواته بفتح النار دون سابق إنذار على حشد كبير من المدنيين غير المسلحين، من رجال ونساء وأطفال، كان قد تجمّع في حديقة مسورة تُعرف باسم جاليانوالا باغ، احتجاجاً على قانون رولات القمعي، وللاحتفال بمهرجان بيساخي الموسمي في آن واحد. أطلق الجنود نحو 1,650 طلقة على مدى عشر إلى خمس عشرة دقيقة داخل حديقة لا يوجد لها سوى مخرج ضيق واحد، مما أدى إلى مقتل عدد كبير من الحشد المذعور، بينهم من دُهسوا في محاولات الفرار اليائسة أو قفزوا إلى بئر داخل الحديقة هرباً من النيران.

قدّر تحقيق رسمي بريطاني، عُرف بلجنة هانتر، عدد القتلى بنحو 379 شخصاً وأكثر من 1,200 جريح، وهو رقم تعتبره مصادر هندية ومصادر تاريخية أخرى أقل بكثير من الحصيلة الفعلية التي قد تصل وفق بعض التقديرات إلى نحو 700 قتيل أو أكثر، فيما يبقى العدد الدقيق للضحايا موضع خلاف تاريخي لم يُحسم نهائياً حتى اليوم. أُقيل الجنرال داير من منصبه عقب التحقيق الرسمي، لكنه عاد إلى بريطانيا وحظي باستقبال متعاطف واسع من أوساط محافظة اعتبرته قد تصرف بحزم ضروري لحفظ النظام، بينما أحدثت المجزرة صدمة عميقة في الرأي العام الهندي، ومثّلت نقطة تحول جوهرية دفعت المهاتما غاندي إلى التحول الكامل نحو النضال من أجل الاستقلال الهندي عن بريطانيا.

إبادة الهيريرو والناما (1904-1908)

مثّلت الحملة العسكرية الألمانية ضد شعبي الهيريرو والناما في مستعمرة جنوب غرب إفريقيا الألمانية (ناميبيا الحالية) واحدة من أوضح حالات العنف الاستعماري التي يصفها غالبية الباحثين المعاصرين بأنها إبادة جماعية بالمعنى الدقيق للمصطلح. اندلع الصراع في يناير 1904 حين ثار شعب الهيريرو بقيادة زعيمه صموئيل ماهيريرو ضد سياسات مصادرة الأراضي والاستغلال الاقتصادي التي فرضها المستوطنون الألمان، قبل أن يُهزم الثوار هزيمة ساحقة في معركة واتربرغ في أغسطس من العام نفسه، ويُدفعوا نحو صحراء أوماهيكي القاحلة.

أصدر القائد الألماني لوثار فون تروتا عقب هذه المعركة أمر إبادة صريحاً قضى بقتل كل ذكر من الهيريرو يُعثر عليه داخل الحدود الألمانية، وهو أمر طُبّق عملياً أيضاً على النساء والأطفال، بينما مُنع الناجون الفارون إلى الصحراء من الوصول إلى مصادر المياه، مما أدى إلى موت أعداد هائلة منهم عطشاً وجوعاً. أعقبت هذه المرحلة موجة اعتقالات واسعة زُجّ خلالها الناجون في معسكرات اعتقال، أبرزها معسكر جزيرة القرش سيئ الصيت، حيث لقي كثيرون حتفهم جراء سوء التغذية والأمراض والعمل القسري وتجارب طبية أُجريت عليهم دون موافقتهم. تشير التقديرات التاريخية إلى أن هذه الحملة أودت بحياة نحو 75% من مجمل شعب الهيريرو ونحو 50% من شعب الناما، في واحدة من أعلى نسب الإبادة السكانية الموثقة بحق مجموعة عرقية بعينها في التاريخ الاستعماري الحديث.

مجازر سطيف وقالمة وخراطة (1945)

وقعت مجازر سطيف وقالمة وخراطة في الثامن من مايو 1945، اليوم ذاته الذي شهد احتفال أوروبا بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية؛ إذ تحول تجمع احتفالي في مدينة سطيف الجزائرية شارك فيه نحو ثمانية آلاف جزائري مسلم، إلى مواجهة مسلحة حين رفعت مجموعة من المتظاهرين أعلاماً جزائرية ولافتات تطالب بالاستقلال، فأطلقت الشرطة الفرنسية النار عليهم، مما أشعل موجة عنف واسعة امتدت إلى مناطق قالمة وخراطة المجاورة. هاجم بعض الجزائريين الغاضبين مستوطنين فرنسيين وموظفين حكوميين انتقاماً مما اعتبروه مظالم استعمارية متراكمة، قبل أن تشن السلطات الفرنسية والمليشيات الاستيطانية المسلحة حملة قمع انتقامية واسعة استمرت أسابيع، شملت قصفاً جوياً وبحرياً على قرى جزائرية وإعدامات ميدانية جماعية.

تباينت التقديرات التاريخية لحصيلة هذه المجازر تبايناً هائلاً وصل إلى حد التناقض الحاد؛ فبينما تُقدّر بعض المصادر الفرنسية عدد الضحايا الجزائريين بنحو 1,000 إلى 1,500 قتيل، تُقدّره مصادر جزائرية رسمية وتاريخية أخرى بما يصل إلى 45,000 قتيل، مقابل نحو مئة قتيل من المستوطنين الفرنسيين، دون توفر إحصاء مستقل قاطع يحسم هذا الخلاف الكبير في الأرقام حتى يومنا هذا. يُجمع كثير من المؤرخين على أن هذه المجازر شكّلت نقطة تحول محورية دفعت جيلاً كاملاً من القيادات الجزائرية إلى التخلي عن مسار المطالبة السلمية بالإصلاح، والاتجاه بدلاً من ذلك نحو الكفاح المسلح الذي تُوّج لاحقاً بحرب الاستقلال الجزائرية سنة 1954.

إشكالية التصنيف: مجزرة أم إبادة جماعية؟

يواجه الباحثون في هذا الحقل إشكالية منهجية متكررة تتعلق بالتصنيف الدقيق لكل حادثة على حدة؛ إذ يتطلب مصطلح «الإبادة الجماعية» بالمعنى القانوني الدولي الصارم، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948، إثبات نية متعمدة لتدمير مجموعة قومية أو عرقية أو دينية بأكملها أو جزء كبير منها، وهو معيار قانوني دقيق لا تنطبق شروطه بالضرورة على جميع حالات العنف الاستعماري الجماعي بالقدر ذاته من الوضوح. وقد حظيت حادثة الهيريرو والناما تحديداً بإجماع أكاديمي واسع النطاق حول وصفها بالإبادة الجماعية، استناداً إلى وضوح نية الإفناء الصريحة المعلنة في أوامر القائد الألماني فون تروتا نفسه، بينما لا تزال حوادث أخرى، كمجزرة أمريتسار مثلاً، تُصنَّف تاريخياً بوصفها «مجزرة» أو «جريمة حرب استعمارية» دون أن تستوفي بالضرورة المعيار القانوني الصارم للإبادة الجماعية بحكم اقتصار الحادثة على حادثة واحدة محدودة زمنياً ومكانياً.

إشكالية الأرقام والذاكرة المتنازع عليها

تتسم معظم هذه الحوادث بتفاوت حاد وأحياناً متناقض في التقديرات الرقمية للضحايا بين المصادر الاستعمارية الرسمية من جهة والمصادر الوطنية والأكاديمية اللاحقة من جهة أخرى، وهو تفاوت يعكس غياب إحصاءات سكانية دقيقة مسبقة في كثير من الحالات، إلى جانب دوافع سياسية متعارضة أثرت تاريخياً على عملية توثيق هذه الأحداث وروايتها من قبل مختلف الأطراف المعنية. وقد دأبت السلطات الاستعمارية تاريخياً على التقليل من حجم هذه الحوادث أو تبريرها بوصفها إجراءات ضرورية لحفظ النظام العام، بينما اتجهت الروايات الوطنية اللاحقة في بعض الحالات إلى تقديرات أعلى بكثير، مما يستدعي من الباحث الجاد التعامل بحذر منهجي مع الأرقام المتداولة لمختلف هذه الحوادث، والاستناد قدر الإمكان إلى الدراسات الأكاديمية المحايدة التي حاولت التوفيق بين مصادر متعددة ومتضاربة.

الاعتراف الرسمي والاعتذارات المتأخرة

شهدت العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في مقاربة بعض الدول الأوروبية السابقة لإرثها الاستعماري العنيف، وإن ظل هذا التحول متفاوتاً بشكل كبير من دولة إلى أخرى. فقد اعترفت ألمانيا رسمياً سنة 2021 بأن حملتها ضد الهيريرو والناما شكّلت إبادة جماعية، وقدّمت اعتذاراً رسمياً مصحوباً بحزمة مساعدات تنموية لناميبيا، وإن ظل هذا الاعتراف موضع جدل بين بعض ممثلي الهيريرو والناما الذين اعتبروا حجم التعويضات المقدمة غير متناسب مع حجم المأساة التاريخية. أما فرنسا، فقد اعترف رئيسها فرانسوا هولاند سنة 2012 بشكل عام بـ«المعاناة التي سببها الاستعمار» للجزائريين، دون أن يقدم أي رئيس فرنسي اعتذاراً رسمياً صريحاً عن مجازر سطيف وقالمة تحديداً حتى اليوم، بينما لا تزال بلجيكا تتعامل بحذر شديد مع إرث دولة الكونغو الحرة، إذ اقتصر موقف الملك فيليب سنة 2020 على التعبير عن «الأسف» إزاء «أعمال العنف والقسوة» دون ذكر صريح لمسؤولية ليوبولد الثاني نفسه.

الإرث التاريخي والدروس المستخلصة

تحظى دراسة المجازر الاستعمارية بأهمية بالغة في فهم التشكل التاريخي للعلاقات المعاصرة بين الدول الأوروبية السابقة ومستعمراتها القديمة، إذ لا تزال ذاكرة هذه الأحداث حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والثقافي لكل من الأطراف المستعمِرة سابقاً والشعوب التي خضعت للاستعمار، وتتجدد بمناسبة الذكريات السنوية لهذه الأحداث نقاشات حادة حول طبيعة الاعتراف والتعويض والمصالحة التاريخية اللازمة لتجاوز إرث هذا العنف. ويبقى التحدي المنهجي الأساسي أمام الباحثين في هذا الحقل هو الموازنة بين ضرورة التوثيق الدقيق المستند إلى أفضل الأدلة التاريخية المتاحة، وبين تجنب الانزلاق نحو تسييس مفرط للسرديات التاريخية بما يخدم أجندات معاصرة متعارضة، سعياً لتقديم فهم متوازن ونزيه قدر الإمكان لظاهرة تاريخية بالغة التعقيد والحساسية أثرت بعمق في مسار شعوب وأمم بأكملها.