تُعدّ ثورة القرنفل التي اندلعت في لشبونة يوم 25 أبريل 1974 من أكثر التحولات السياسية سلمية في التاريخ الأوروبي الحديث، إذ أطاحت في غضون ساعات قليلة وبأقل قدر من إراقة الدماء بنظام “الدولة الجديدة” الاستبدادي الذي حكم البرتغال منذ عام 1933، وهو ما جعله أطول الأنظمة الدكتاتورية عمراً في أوروبا الغربية خلال القرن العشرين. وقد نفّذ الانقلاب تنظيم عسكري سري عُرف بـ”حركة القوات المسلحة” ضم مئتين إلى ثلاثمئة ضابط شاب سئموا حروب المستعمرات الأفريقية المستنزفة، بقيادة الجنرال فرانسيسكو دا كوستا غوميز وآخرين، متأثرين بأفكار الجنرال أنطونيو دي سبينولا الذي دعا في كتاب أثار جدلاً واسعاً إلى حل تفاوضي لأزمة المستعمرات بدلاً من استمرار الحسم العسكري. وقد اكتسبت الثورة اسمها الشهير من مشهد رمزي تكرر في شوارع لشبونة، حين أقدم المواطنون على وضع أزهار القرنفل الأحمر في فوهات بنادق الجنود المشاركين في الانقلاب تعبيراً عن التأييد الشعبي العارم، لتفتح بذلك البلاد صفحة انتقال ديمقراطي معقد استمر أكثر من عامين قبل أن يستقر على نظام جمهوري تعددي، ترافق في الوقت نفسه مع تصفية سريعة لآخر إمبراطورية استعمارية أوروبية في أفريقيا.

معلومات عامة
تاريخ الانقلاب 25 أبريل 1974
النظام المُطاح الدولة الجديدة (Estado Novo)، 1933–1974
آخر رئيس وزراء للنظام مارسيلو كايتانو
التنظيم المنفذ للانقلاب حركة القوات المسلحة (MFA)
مراحل المسار الثوري
المرحلة المعتدلة الأولى مايو 1974 – مارس 1975
المرحلة اليسارية الراديكالية مارس – نوفمبر 1975
إقرار الدستور الديمقراطي 1976
تصفية الاستعمار
استقلال غينيا بيساو سبتمبر 1974
استقلال أنغولا وموزمبيق والرأس الأخضر 1975
عدد اللاجئين البرتغاليين العائدين من أفريقيا نحو مليون شخص
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: عهد الدولة الجديدة وحروب المستعمرات المنهكة

أسس أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، الذي تولى السلطة منذ أواخر العشرينيات، نظاماً استبدادياً محافظاً عُرف بـ”الدولة الجديدة” اعتباراً من عام 1933، قام على حظر الأحزاب السياسية وتقييد صارم لحرية الصحافة والتعبير، مع اعتماد بنية اقتصادية شبه نقابية خاضعة لرقابة الدولة المشددة. وفي وقت كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية الأخرى، كبريطانيا وفرنسا، قد بدأت منذ الخمسينيات مسار تصفية استعمارها الأفريقي، أصرّت لشبونة على الاحتفاظ بمستعمراتها في أنغولا وموزمبيق وغينيا البرتغالية بوصفها “أقاليم ما وراء البحار” جزءاً لا يتجزأ من الدولة البرتغالية نفسها، وهو موقف قادها اعتباراً من مطلع الستينيات إلى خوض حروب استعمارية طاحنة ضد حركات التحرر المسلحة في هذه الأقاليم الثلاثة استمرت أكثر من عقد كامل. وبعد إصابة سالازار بجلطة دماغية أقعدته عام 1968، تولى مارسيلو كايتانو رئاسة الحكومة، غير أنه أخفق في إيجاد مخرج سياسي لحروب أفريقيا المستمرة أو في معالجة الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت مع أزمة النفط العالمية عامي 1973 و1974.

ثانياً: تشكّل حركة القوات المسلحة وكتاب الجنرال سبينولا

تفاعل عاملان رئيسيان في تحفيز صفوف الجيش نحو التمرد على النظام؛ الأول تصاعد استياء ضباط الخدمة الفعلية منتصف عام 1973 من إجراء حكومي منح ضباطاً من فئة “الميليشيا” الاحتياطية مزايا وظيفية مساوية لزملائهم في الأكاديمية العسكرية النظامية، وهو ما اعتبره ضباط الجيش النظامي إهانة لتضحياتهم الطويلة في حروب أفريقيا. أما العامل الثاني والأكثر تأثيراً فتمثل في صدور كتاب “البرتغال والمستقبل” في فبراير 1974 لبطل الحرب الاستعمارية الجنرال أنطونيو دي سبينولا، الذي جادل فيه بأن الحسم العسكري للحرب في أفريقيا بات مستحيلاً، ودعا إلى منح استقلال ذاتي تفاوضي للمستعمرات بدلاً من الاستمرار في نزيف عسكري بلا أفق. وقد وفّر هذا المناخ من الاستياء المتراكم أرضية خصبة لتنظيم “حركة القوات المسلحة”، وهي شبكة سرية ضمت بين مئتين وثلاثمئة ضابط من رتب متوسطة، تولى التخطيط والتنفيذ الفعلي للانقلاب بقيادة الجنرال فرانسيسكو دا كوستا غوميز وضباط آخرين.

ثالثاً: انقلاب 25 أبريل وسقوط النظام

نفذت وحدات حركة القوات المسلحة في الساعات الأولى من صباح 25 أبريل 1974 عملية استيلاء منظمة على المواقع الاستراتيجية في لشبونة، مستخدمة أغنية ثورية بثتها الإذاعة الوطنية إشارة انطلاق متفق عليها مسبقاً بين الضباط المشاركين، ولم تلقَ العملية سوى مقاومة محدودة من فلول الموالين للنظام، بل حظيت بدعم فوري من طبقة وسطى حضرية أنهكها القلق الاقتصادي والسياسي المتصاعد. وبعد نفي كايتانو ورئيس الجمهورية أميريكو توماس إلى الخارج، تشكّل مجلس عسكري عُرف بـ”مجلس الإنقاذ الوطني” ملأ الفراغ السياسي، نصّب الجنرال سبينولا رئيساً للجمهورية، وبدأ فوراً مفاوضات مع حركات التحرر الأفريقية تمهيداً لإنهاء الحروب الاستعمارية، فيما مُنحت غينيا البرتغالية استقلالها باسم غينيا بيساو بعد أشهر قليلة من الثورة.

رابعاً: المسار الثوري المستمر ومراحله الثلاث

دخلت البرتغال عقب سقوط الدكتاتورية في مرحلة انتقالية مضطربة استمرت قرابة عامين، مرّت بثلاث مراحل متمايزة أشبه ما تكون بمسار الثورة الفرنسية التاريخي وإن جرت هذه المرة دون عنف واسع؛ مرحلة معتدلة محافظة أولى امتدت من مايو 1974 حتى مارس 1975، تلتها مرحلة راديكالية يسارية من مارس حتى أواخر نوفمبر 1975 سيطر خلالها العناصر الراديكالية داخل حركة القوات المسلحة وحلفاؤهم من الحزب الشيوعي البرتغالي وتنظيمات ماركسية لينينية أخرى على مفاصل الحكم في لشبونة، قبل أن تعقبها مرحلة تصحيح معتدل أخيرة من أواخر نوفمبر 1975 حتى يونيو 1976. وقد شهدت المرحلة الوسطى الراديكالية إجراء أول انتخابات حرة في تاريخ البرتغال الحديث لمجلس تأسيسي في أبريل 1975، أقبل عليها 92% من الناخبين المؤهلين في رقم قياسي على مستوى أوروبا الغربية، فيما شهدت المرحلة نفسها موجة واسعة من تأميم الصناعات ومصادرة الأراضي الزراعية الكبرى، خصوصاً في إقليم أليونتيجو جنوب البلاد.

خامساً: تصفية الاستعمار الأفريقي وتداعياتها

شكّلت الثورة إيذاناً بنهاية سريعة لإمبراطورية استعمارية بدأت عام 1415، إذ منحت البرتغال الاستقلال لكل من الرأس الأخضر وموزمبيق في يوليو 1975، فيما نالت بقية أقاليمها الأفريقية استقلالها في الأشهر التالية من العام ذاته. غير أن هذا الانسحاب السريع لم يخلُ من عواقب دراماتيكية؛ ففي أنغولا لم تسلّم البرتغال، التي انسحبت في نوفمبر 1975 دون تسليم رسمي للسلطة لأي طرف، الحكم لجهة محددة، إذ كانت ثلاث حركات تحرر متنافسة، الحركة الشعبية والجبهة الوطنية ويونيتا، منخرطة في صراع مسلح على السلطة، ليعلن حركة “الشعبية” بقيادة أغوستينو نيتو من العاصمة لواندا استقلال أنغولا من جانب واحد في 11 نوفمبر 1975، بينما انزلقت البلاد فوراً إلى حرب أهلية دولية الأبعاد استمرت لعقود لاحقة بفعل انخراط قوى خارجية كالاتحاد السوفيتي وكوبا من جهة وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة من جهة أخرى. كما أفرز هذا الانسحاب المتسارع من أفريقيا موجة هجرة عكسية ضخمة نحو البرتغال نفسها، إذ عاد نحو مليون لاجئ، أغلبهم من أصل برتغالي، من أنغولا بشكل خاص جراء اندلاع الحرب الأهلية فيها، وهو ما ترك أثراً ديموغرافياً واقتصادياً ملموساً على البرتغال القارية في السنوات اللاحقة.

سادساً: الاستقرار الديمقراطي وإرث الثورة

انتهى المسار الثوري المضطرب بإقرار دستور ديمقراطي جديد عام 1976 أرسى نظاماً جمهورياً شبه رئاسي يوزع السلطة التنفيذية بين رئيس جمهورية منتخب شعبياً ورئيس وزراء يقود الحكومة، وهو الإطار الدستوري الذي لا تزال البرتغال تحكم بموجبه، وإن خضع لتعديلات عدة لاحقة. وقد نجحت البرتغال، رغم اضطرابات المسار الانتقالي وحدة الاستقطاب بين تياريه المحافظ واليساري، في تفادي الانزلاق نحو حرب أهلية داخلية كتلك التي أعقبت استقلال بعض مستعمراتها الأفريقية، لتصبح لاحقاً عضواً في الجماعة الأوروبية عام 1986، مكرّسة بذلك تحولها النهائي من دولة استعمارية استبدادية معزولة إلى ديمقراطية أوروبية مندمجة بالكامل في مؤسسات القارة. ولا يزال يوم 25 أبريل يُحتفى به سنوياً في البرتغال عطلة وطنية باسم “يوم الحرية”، تخليداً لهذه اللحظة التاريخية التي أنهت سلمياً أطول حكم استبدادي عرفته أوروبا الغربية في القرن العشرين.