| الاستعمار البريطاني في أفريقيا | |
| معلومات عامة | |
| الحقبة الزمنية | القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين (1795–1994 م) |
| أولى المستعمرات الأفريقية | مستعمرة رأس الرجاء الصالح 1795 م |
| ذروة الامتداد الإقليمي | 1914 م — السيطرة على 30% من سكان أفريقيا |
| عدد المستعمرات | أكثر من 20 مستعمرة وحماية في أفريقيا |
| نظام الحوكمة | الحكم غير المباشر (Indirect Rule) — نموذج لوغارد |
| المستعمرات الرئيسية | |
| غرب أفريقيا | نيجيريا، الساحل الذهبي (غانا)، سيراليون، غامبيا |
| شرق أفريقيا | كينيا، أوغندا، تنغانيقا (تنزانيا)، زنجبار، الصومال البريطاني |
| جنوب أفريقيا | مستعمرة رأس الرجاء، روديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، روديسيا الشمالية (زامبيا)، نياسالاند (ملاوي)، بيتشوانالاند (بتسوانا) |
| شمال أفريقيا | مصر (محتلة 1882–1922)، السودان (كوندومينيوم 1899–1956) |
| أبرز الأحداث | |
| حرب البوير الأولى | 1880–1881 م |
| احتلال مصر | 1882 م |
| حرب البوير الثانية | 1899–1902 م (معسكرات التركيز) |
| انتفاضة ماو ماو — كينيا | 1952–1960 م |
| عام أفريقيا | 1960 م — استقلال غانا ونيجيريا وغيرهما |
| آخر استقلال (أفريقيا الجنوبية) | الانتخابات الديمقراطية 1994 م — نهاية نظام الأبرتهايد |
| شخصيات محورية | |
| سيسيل رودس | رجل أعمال وسياسي — رمز التوسع الاستعماري من رأس الرجاء إلى القاهرة |
| اللورد لوغارد | مهندس نظام الحكم غير المباشر في نيجيريا وأوغندا |
| ديفيد ليفينغستون | مستكشف ومبشّر — مهّد لدخول الداخل الأفريقي |
الاستعمار البريطاني في أفريقيا — بمداه الجغرافي الذي وصل في ذروته إلى السيطرة على أكثر من ثلاثين بالمئة من سكان القارة، وبتنوعه البالغ بين حكايات الساحل الذهبي وعبوديته وكينيا ومزارعها البيضاء ومصر وقناة السويس وجنوب أفريقيا وذهبها وماسها — يُمثّل من أكثر الفصول الاستعمارية ثراءً واستدعاءً للتعقيد في التاريخ الإنساني الحديث. لم يكن مشروعًا واحدًا منسجمًا بل تشعّب على مدى قرنين في أنماط متعددة ومتباينة: الاستعمار الاستيطاني الذي أقام فيه المستوطنون البيض مجتمعاتٍ كاملةً تدّعي امتلاك الأرض، والاستعمار الاستخراجي الذي كرّس موارد القارة لخدمة الاقتصاد البريطاني، والاستعمار التجاري الذي انتهى إلى هيمنة سياسية عبر شركات كالشركة الملكية لنيجر والشركة الإمبراطورية لشرق أفريقيا البريطانية، والاستعمار الاستراتيجي الذي رأى في مصر والسودان حراسةً لطريق الهند .
ابتدأ الوجود البريطاني المؤسسي في أفريقيا منذ استيلاء بريطانيا على مستعمرة رأس الرجاء الصالح في عام 1795 م، ثم تسارع الحضور منذ الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر مع موجات الاستكشاف والتبشير، قبل أن تتهافت بريطانيا بشكل منظّم على الأراضي الأفريقية في إطار “التهافت على أفريقيا” (Scramble for Africa) الذي أشعله مؤتمر برلين عام 1884 م. وحين أُسدل الستار على النظام الاستعماري البريطاني في أفريقيا بانتخابات أفريقيا الجنوبية الديمقراطية عام 1994 م، كان قد ترك وراءه خريطةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً لا تزال تُطبع حاضر القارة بطابعها في كل يوم يمرّ.
الوجود البريطاني المبكر في أفريقيا
أولًا: تجارة الرقيق والمحطات الساحلية (القرنان السابع عشر والثامن عشر)
كانت الحضور البريطاني الأول في أفريقيا تجاريًا وساحليًا بامتياز. فمنذ مطلع القرن السابع عشر، أنشأت شركة الملكة الإليزابيثية للأفارقة الرائدة ثم شركة رويال أفريقا (Royal African Company) محطاتٍ تجاريةً على الساحل الغربي الأفريقي كانت في جوهرها موانئ لتجارة الرق بالدرجة الأولى. وقد استقبلت هذه الشركة وحدها بين عامَي 1672 و1713 م نحو مئة ألف عبد أفريقي نُقلوا إلى مستعمرات الكاريبي والأمريكتين، مُشكِّلةً حلقةً رئيسيةً في مثلث الرق الأطلسي . وقد دامت محطات غرب أفريقيا كسيراليون وغامبيا والساحل الذهبي مراكزَ لهذه التجارة حتى إلغاء بريطانيا لتجارة الرق عام 1807 م.
وفي هذه المرحلة لم تكن بريطانيا تُبدي اهتمامًا جديًا بالداخل الأفريقي: فالغابات الاستوائية الكثيفة وشُح وسائل النقل والأوبئة الاستوائية كالملاريا والحمى الصفراء جعلت التوغل البري مغامرةً مُكلفة تتساقط فيها الأرواح الأوروبية بمعدلات مرتفعة. وقد وصفت السلطات الطبية البريطانية في تقاريرها الداخلية بعض المناطق الأفريقية الساحلية بأنها “قبر الرجل الأبيض”. وظلّ الحضور البريطاني في معظم أفريقيا مقتصرًا على تحصينات ساحلية صغيرة وعلاقات تجارية مع زعماء الداخل.
ثانيًا: مستعمرة رأس الرجاء وبداية الاستيطان (1795)
بدأ التوسع البريطاني الفعلي في أفريقيا من طرفها الجنوبي. في عام 1795 م، استولت بريطانيا على مستعمرة رأس الرجاء الصالح من الهولنديين خلال الحروب النابليونية، وأعادت تسليمها بريا باتافيا عام 1803 م، ثم استعادتها نهائيًا عام 1806 م. كان الهدف في البداية استراتيجيًا محضًا: تأمين الطريق البحري إلى الهند وحرمان الفرنسيين من قاعدة إمداد مهمة. غير أن ما بدأ كمحطة استراتيجية تحوّل مع توافد موجات المستوطنين البريطانيين والتصادم مع السكان الأفريكانر (المنحدرين من المستوطنين الهولنديين) والأفارقة الأصليين إلى مستعمرة استيطانية كاملة، جرى فيها اقتلاع شعوب كالخوسا من أراضيها التقليدية في سلسلة من “حروب الحدود الأفريقية” التسع التي امتدت بين 1779 و1879 م.
عصر الاستكشاف والتبشير: تمهيد الطريق
أولًا: ديفيد ليفينغستون — المستكشف الذي فتح قارة
لا يُفهم التوسع البريطاني داخل أفريقيا دون فهم الدور الذي لعبه المستكشفون والمبشّرون في تمهيد طريقه وتسويغه في الوجدان الشعبي البريطاني. وفي طليعتهم جميعًا يقف الطبيب الاسكتلندي الذي حوّل مسيرته تبشيريةً إلى ملحمة استكشافية: ديفيد ليفينغستون (1813–1873 م). وصل ليفينغستون إلى أفريقيا الجنوبية عام 1841 م وأمضى فيها ثلاثة عقود يُقطّعها بزيارات لبريطانيا، كشف خلالها لأوروبا — عبر تقاريره الآسرة وكتبه ذات المبيعات الضخمة — عن حوض نهر زامبيزي ومنطقة البحيرات الكبرى ومسارات التجارة الداخلية الأفريقية. اشتُهر ليفينغستون بصياغة مبرر “الحضارة” الاستعماري الذي ظلّ شعارًا محوريًا للخطاب الإمبراطوري البريطاني: “الحضارة والمسيحية والتجارة” (Civilization, Christianity, Commerce)، أي أن دخول بريطانيا إلى أفريقيا مشروع بأن يُعرَّض أهلها للتنصير والتحضر والانفتاح التجاري .
كانت كشوف ليفينغستون مصحوبةً بوصف موجع للرق الذي كانت القبائل الأفريقية تمارسه فيما بينها وتزوّده للتجار العرب المتجهين نحو شرق أفريقيا. وقد وظّف هذا الوصف ببراعة ليُرسم في العقل الشعبي البريطاني صورةٌ لأفريقيا باعتبارها قارة محتاجة إلى التدخل الأخلاقي البريطاني، غير أن هذا التسويغ الأخلاقي كان يخدم في نهاية المطاف — وعن إدراك أو بدون إدراك — عملية توطيد الاستعمار.
ثانيًا: الشركات المساهمة ومشروع “الرجل في الميدان”
كان المشروع الاستعماري البريطاني في أفريقيا يتميّز عن نظيريه الفرنسي والبلجيكي بخاصية بنيوية مهمة: كثيرًا ما كانت الدولة البريطانية تنجرّ إلى الاستعمار وراء أفراد ومؤسسات شبه خاصة لا تقوده هي من المركز. وصف المؤرخون هذه الظاهرة بـ”الرجل في الميدان” (Man on the Spot): تاجر أو ضابط أو مستكشف يتصرف على نحو يضع الحكومة البريطانية أمام وقائع مُنجزة تضطر معها للتدخل الرسمي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك جورج غولدي في نيجيريا ورودس في جنوب أفريقيا والسير فريدريك لوغارد في أوغندا — أفراد طموحون كانوا يُنشئون وقائع استعمارية على الأرض أكثر مما كانت وايتهول تتصوّرها أو تُخطط لها.
التهافت على أفريقيا والتوسع المنظَّم (1880–1914)
أولًا: الاستراتيجية البريطانية في مؤتمر برلين
لم يكن التمثيل البريطاني في مؤتمر برلين 1884–1885 م يفتقر إلى رؤية استراتيجية جلية. كانت بريطانيا تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف كبرى: أوّلها تأمين السيطرة على محور جنوب-شمال أفريقيا من رأس الرجاء إلى مصر والسودان، الذي سيُعرف لاحقًا بـ”حلم من القاهرة إلى الكاب” (Cape to Cairo)؛ وثانيها تثبيت مواقعها في غرب أفريقيا وشرقها بوجه المنافسة الفرنسية والألمانية المتصاعدة؛ وثالثها الإمساك بمفاتيح الطرق التجارية الأفريقية الداخلية لا سيما طريق نهر النيل ونهر النيجر وحوض بحيرة تنغانيقا. وقد منح مؤتمر برلين بريطانيا جنوب أفريقيا الشرقي والشمال الشرقي الأفريقي قسمًا أوليًا في توزيع مناطق النفوذ، وفتح الطريق للتوسع المُنظَّم .
بين عامَي 1880 و1900 م، حصلت بريطانيا على السيطرة الفعلية على ما يُعرف اليوم بمصر والسودان وكينيا وأوغندا وجنوب أفريقيا وغامبيا وسيراليون والصومال الشمالي وزيمبابوي وزامبيا وبتسوانا ونيجيريا وغانا وملاوي. كانت هذه بالفعل قفزة إمبراطورية هائلة في عشرين عامًا، شكّلت أكبر موجة استحواذ جغرافي منظّم في تاريخ الإنسانية بالمعيار الزمني.
ثانيًا: سيسيل رودس وحلم من القاهرة إلى الكاب
لا يكاد يمرّ كتاب عن الاستعمار البريطاني في أفريقيا دون أن تستأثر فيه شخصية سيسيل رودس (1853–1902 م) بمساحة مركزية — وهو مديٌن من المجد الاستعماري بالقدر ذاته الذي يمديه من الإدانة الأخلاقية في الوجدان المعاصر. وصل رودس إلى أفريقيا الجنوبية وهو في الثامنة عشرة من عمره مريضًا بالرئتين، فأثبتت الأرض الأفريقية أنها ليست القبر بل المنجم: إذ جمع ثروته الأولى من زراعة القطن، ثم وسّعها في مناجم الماس في كيمبرلي حتى أسّس شركة “دي بيرز” (De Beers) التي أمسكت بالسيطرة على ثمانين بالمئة من إنتاج الماس في العالم بحلول عام 1888 م. ثم مدّ نفوذه نحو مناجم الذهب في جوهانسبرغ. وبالثروة جاءت القوة السياسية: أصبح رودس رئيسًا لوزراء مستعمرة رأس الرجاء بين عامَي 1890 و1896 م .
لكن طموح رودس تجاوز الثروة إلى البُعد الإمبراطوري الأيديولوجي الصريح: كان يحمل رؤية قيامية للسيادة الأنغلوساكسونية على العالم، وكانت مشروعيتها عنده بديهية كبديهيات الهندسة. فصاغ أجلى خلاصة عملية لهذه الرؤية في مشروع “السكة الحديدية من الكاب إلى القاهرة” (Cape to Cairo Railway)، التي كانت في تصوّره ليست مشروعًا تجاريًا بل وسيلةً لربط المقاطعات البريطانية المتفرقة في شريط متواصل يقطع أفريقيا من جنوبها إلى شمالها. وكانت الكاريكاتير السياسي الشهير الذي رسمه الفنان إدوارد لينلي سامبورن يُصوّر رودس عملاقًا يقف بقدم في كيب تاون وأخرى في القاهرة بحرًا بينهما يشبه “كولوسوس رودس” الأسطوري، شاهدًا على كيف استقطبت شخصيته الخيال الإمبراطوري البريطاني في ذروته.
وقد استخدم رودس الشركة الملكية لجنوب أفريقيا البريطانية (British South Africa Company) التي حصل لها على ميثاق ملكي عام 1889 م وسيلةً لفتح منطقتَي ماتابيليلاند وماشونالاند — اللتين أسمتهما “روديسيا” تيمّنًا باسمه — وضمّهما للسيطرة البريطانية. وفي عام 1895 م، دبّر رودس “غارة جيمسون” الفاشلة لإسقاط حكومة البوير في ترانسفال وتنصيب حكومة موالية لمصالح منجمية، فأُفضت إلى إخفاق مدوٍّ اضطر معه إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة وفقدان صلاحياته الرسمية، وإن حافظ على نفوذه الاقتصادي الهائل حتى وفاته عام 1902 م.
نظام الحكم غير المباشر: عبقرية إدارية أم استعمار بوجه محلي؟
أولًا: لوغارد ومبدأ الحكم غير المباشر
طوّر الضابط الإمبراطوري الاسكتلندي لورد فريدريك لوغارد (1858–1945 م) ما صار الأساس النظري لأسلوب الحوكمة الاستعمارية البريطانية في أفريقيا: “الحكم غير المباشر” (Indirect Rule). صاغ لوغارد نظريته بوضوح في كتابه “الولاية المزدوجة في البريطانيا الاستوائية الأفريقية” (The Dual Mandate in British Tropical Africa, 1922 م)، الذي اعتبر فيه أن الاستعمار الناجح يقوم على مبدأ التحكم بالمناطق المستعمَرة عبر هياكلها السياسية التقليدية القائمة، بدلًا من هدم هذه الهياكل وإقامة إدارة مباشرة مكلفة في مناطق شاسعة يقلّ فيها الموظفون الأوروبيون.
تجلّى تطبيق هذا النظام بصورة أعمق في نيجيريا الشمالية (بلاد الفلاني والهوسا) حين حوّل لوغارد السلاطين والأمراء المسلمين الحاكمين إلى وسطاء إداريين بين الإدارة الاستعمارية البريطانية وسكانهم، محافظًا في الظاهر على نظام الإمارات القائم مع توجيهه لخدمة الغايات الاستعمارية. وقد لبّى هذا النظام غرضًا براغماتيًا صريحًا: فأقل عدد من الموظفين البريطانيين — أحيانًا ضابط بريطاني واحد يُشرف على منطقة بأكملها — كان يُدير امتيازات الموارد الطبيعية من خلال البنية التقليدية القائمة.
غير أن نقّاد هذا النظام من المؤرخين المعاصرين يُشيرون إلى تناقضاته الجوهرية: فهو لم يُحافظ على الأنظمة التقليدية بل شوّهها؛ إذ عزّز سلطة بعض الزعماء المحليين تعزيزًا مصطنعًا جعلهم رهائن استمراريتهم للرضا البريطاني، فيما أقصى الهياكل السياسية التقليدية التي لا تنسجم مع الإدارة الاستعمارية. ومن نتائجه البعيدة المدى أنه صنع أو ضخّم ديناميكيات عرقية ومناطقية أشعلت لاحقًا نزاعات ما بعد الاستقلال: ففي نيجيريا تحديدًا، كان تمايز الشمال المسلم (حكم غير مباشر) عن الجنوب المسيحي (حكم أكثر مباشرة) مصدرًا للتوترات التي أفضت لاحقًا إلى الحرب الأهلية البيافرانية (1967–1970 م).
المستعمرات الكبرى بالتفصيل
أولًا: نيجيريا — عملاق غرب أفريقيا
كانت العلاقة البريطانية بالأراضي النيجيرية الحالية تدريجيةً ومُتراكمة. بدأت بمراكز تجارة رقيق ساحلية في القرن السابع عشر، ثم تحوّلت بعد إلغاء الرق إلى تجارة زيت النخيل الذي أصبح ضرورةً صناعية للآلات البريطانية. في عام 1851 م، أعلنت بريطانيا لاغوس محميةً وفق ذريعة محاربة تجارة الرقيق. وفي عام 1886 م، مُنحت الشركة الملكية لنيجر (Royal Niger Company) بقيادة جورج غولدي ميثاقًا ملكيًا يُخوّلها إدارة حوض نيجر كله تجاريًا وسياسيًا وعسكريًا. وبحلول عام 1900 م، استعادت التاج البريطانية الصلاحيات مباشرةً وأنشأت حمايتَي شمال وجنوب نيجيريا اللتين دُمجتا عام 1914 م تحت اسم “نيجيريا” — اسم اقترحته الصحفية البريطانية فلورا شو، شريكة حياة لوغارد لاحقًا .
كانت المفارقة في تأسيس نيجيريا أن حدودها جمعت في كيان سياسي واحد مئات القبائل والثقافات واللغات والأديان دون اعتبار لأي وحدة تاريخية سابقة: الهوسا والفلاني في الشمال المسلم، والإيغبو في الجنوب الشرقي، واليوروبا في الجنوب الغربي، إلى جانب مئات الجماعات الأصغر. وكانت دوافع هذا “التوحيد” المصطنع إدارية تجارية بحتة، تفادّيًا لتضاعف التكاليف الإدارية في وحدات صغيرة متفرقة.
ثانيًا: مصر والسودان — اللعبة الكبرى على ضفاف النيل
كانت مصر محطةً مختلفة نوعًا ما في سردية الاستعمار البريطاني الأفريقي. فهي من الناحية النظرية لم تكن مستعمرة بريطانية بل ولاية عثمانية تجمعها علاقات مالية متضاربة مع القوى الأوروبية. حين اشترت بريطانيا عام 1875 م حصة ضخمة في أسهم قناة السويس من الخديوي إسماعيل المثقَل بالديون، تحوّل تأمين القناة إلى هاجس استراتيجي بريطاني من الدرجة الأولى — إذ مثّلت القناة الطريق الأقصر نحو الهند “جوهرة التاج”. وحين تصاعدت موجة الاعتراض الوطني المصري بقيادة أحمد عرابي ضد الهيمنة الأجنبية عام 1882 م، استجابت بريطانيا بقصف الإسكندرية وإنزال قواتها لحسم الأمر عسكريًا . وقد جاء هذا التدخل رسميًا “مؤقتًا” ولم يُعلَن عنه احتلالًا كاملًا — بل أعلنت بريطانيا رسميًا استقلال مصر عام 1922 م — لكنه في الحقيقة أفضى إلى سيطرة بريطانية فعلية امتدت حتى أزمة السويس عام 1956 م.
أما السودان فكانت قصته مختلفة في تفاصيلها. قاوم المهديون (أنصار الإمام محمد أحمد المهدي) الوجود المصري-البريطاني بشكل بطولي سقط فيه الجنرال البريطاني الشهير تشارلز غوردون محاصرًا في الخرطوم عام 1885 م. ولم تستعد بريطانيا السيطرة على السودان إلا في موقعة أمدرمان عام 1898 م بقيادة الجنرال كتشنر، الذي طمر جثمان المهدي وأرسل جمجمته لندنًا كغنيمة حرب — وهو فعل أثار نقاشًا أخلاقيًا حادًا في لندن نفسها حين علم به المجتمع البريطاني. وأُنشئ بعدها نظام “الكوندومينيوم” (الحكم الثنائي) السوداني الذي كان يُشرك مصر اسميًا مع بريطانيا في إدارة السودان، فيما تتمتع بريطانيا بالسلطة الفعلية.
ثالثًا: كينيا — الهايلاندز البيضاء ومصادرة الأرض
في عام 1887 م، استأجرت بريطانيا من سلطان زنجبار شريطًا ساحليًا في شرق أفريقيا ثم أنشأت تدريجيًا الحماية البريطانية لشرق أفريقيا (1895 م). وكانت الحافز المباشر للاهتمام البريطاني المتصاعد بالمنطقة مدفوعًا في جزء منه باستراتيجية تأمين منابع النيل ومنع أي قوة أوروبية منافسة من السيطرة عليها. لكن ما غيّر وجه كينيا جذريًا كان شيئًا آخر: سياسة تشجيع الاستيطان الأوروبي في المرتفعات الوسطى ذات المناخ المعتدل، والتي بلغت ذروتها في “قانون المرتفعات البيضاء” (White Highlands Policy) الذي حوّل نحو أربعة ملايين فدان من أخصب الأراضي إلى ملكية حصرية للمستوطنين البيض، مُقصيًا الكيكويو والماساي وغيرهم من السكان الأصليين من أراضيهم الموروثة .
واستكملت بريطانيا في كينيا منظومة الاستعمار الاستيطاني بالضريبة الجبرية التي أُلزم الأفارقة بدفعها نقدًا مما اضطرّهم للعمل الأجير في مزارع المستوطنين البيض، وبقيود على زراعة بعض المحاصيل النقدية المربحة من قِبل الأفارقة حمايةً لمصالح المستوطنين في التسويق الحصري.
رابعًا: جنوب أفريقيا — الماس والذهب وحرب البوير
كانت جنوب أفريقيا مسرحًا لأعقد فصل في الاستعمار البريطاني في أفريقيا، إذ لم يقتصر الصراع فيه على مواجهة الأفارقة السود بل اشتعل أيضًا بين البريطانيين والأفاركانر (المنحدرين من هولنديين وفرنسيين ألمان) الذين كوّنوا جمهوريتَي الترانسفال (1852 م) وأورانج فري ستيت (1854 م) هربًا من الهيمنة البريطانية في مستعمرة رأس الرجاء. أشعل اكتشاف الماس عام 1867 م والذهب عام 1886 م في الأراضي البوير حمى الثروة البريطانية التي جرفت معها آلاف المستوطنين والمستثمرين نحو الجنوب، وأطلقت مُسلسل التوترات الذي انتهى بحرب البوير الثانية.
حرب البوير الثانية (1899–1902): الإمبراطورية في المرآة
أولًا: الأسباب والاندلاع
في الثاني عشر من أكتوبر عام 1899 م، أعلنت جمهورية الترانسفال الحرب على بريطانيا في ما عُرف بـ”حرب البوير الثانية” أو “الحرب الأنغلو-بوير” (Anglo-Boer War). كانت الدوافع المعلنة دبلوماسية — حقوق “الوافدين” من العمال البريطانيين في الترانسفال ممّن اعتبرتهم حكومة بريطانيا يُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية — لكن الدوافع الفعلية كانت اقتصادية استراتيجية صريحة: السيطرة على الثروة الذهبية في جوهانسبرغ التي كانت بحلول عام 1899 م تُمثّل ربع إنتاج الذهب في العالم.
في بادئ الأمر، منّي الجيش البريطاني بخسائر محرجة أمام المقاتلين البوير الذين كانوا رماة بارعين يُجيدون حرب العصابات في تضاريسهم الوعرة. لكن تعزيزات ضخمة جاءت من إنجلترا وكندا وأستراليا والهند ونيوزيلندا — ما يقارب أربعمئة وخمسين ألف جندي — حوّلت الموازين العسكرية لصالح بريطانيا.
ثانيًا: معسكرات التركيز — أول استخدام موثّق للمصطلح
لمّا فشل الجيش البريطاني في حسم الحرب بضربة عسكرية حاسمة أمام حرب العصابات البوير، لجأ المارشال كتشنر إلى استراتيجية التدمير الشامل: إحراق المزارع وقتل الماشية وتدمير مصادر الغذاء لحرمان المقاتلين من قاعدتهم الخلفية. وتحوّل هذا التكتيك إلى احتجاز النساء والأطفال والمسنّين من الأفراد من عائلات المقاتلين في مخيمات محاطة بالأسلاك الشائكة أُطلق عليها لأول مرة مصطلح “معسكرات التركيز” (Concentration Camps) — وهو المصطلح الذي ستُعيده النازية بعد أربعة عقود بدلالة أشد كارثيةً. أودت هذه المخيمات بحياة نحو ستة وعشرين ألف امرأة وطفل من البوير بسبب سوء التغذية والأوبئة وشُح الرعاية الصحية المتعمَّد .
كما أُنشئت مخيمات منفصلة للأفارقة السود — ضحايا الحرب المنسيّون — توفّي فيها ما يزيد على عشرين ألف شخص في ظروف أشد قسوةً من مخيمات البوير دون أن تستقطب اهتمامًا يُذكر من المؤرخين لعقود. كشفت المصلحة الاجتماعية البريطانية إيميلي هوبهاوس عن أوضاع المخيمات بعد زيارتها لها، فأثارت ضجةً كبرى في بريطانيا جعلت المعارضة تهاجم الحكومة بشدة في البرلمان. وقد انتهت الحرب بمعاهدة فيريينيغينغ عام 1902 م التي ضمّت جمهوريتَي البوير إلى الإمبراطورية البريطانية، لكنها في المقابل وعدت البوير بحقوق واسعة في الحكم الذاتي تحت المملكة المتحدة — وعلى حساب حقوق الأفارقة السود التي رُحِّلت إلى مستقبل بعيد.
المقاومة الأفريقية للاستعمار البريطاني
أولًا: مقاومة أشانتي في غرب أفريقيا
لم يتقبّل الأفارقة الهيمنة البريطانية بصمت. وكانت مملكة الأشانتي في غرب أفريقيا (غانا الحالية) من أعنف من قاوم التوسع البريطاني. نشب بين الطرفين ست حروب متقطعة (1823–1900 م) آخرها “حرب كرسي الذهب” (War of the Golden Stool) عام 1900 م التي أشعلتها مطالبة المحافظ البريطاني سير فريدريك هودجسون بالجلوس على “كرسي الذهب” — الرمز المقدّس لروح مملكة الأشانتي — مما استثار كرامة الأمة الأشانتية واندفع نساؤها ورجالها للقتال. وإن أُخمد التمرد بالقوة، فإن الجذوة الوطنية ظلّت تتقد حتى استقلال غانا عام 1957 م بقيادة كوامي نكروما.
ثانيًا: ثورة الماهدية في السودان
في أكثر حالات المقاومة الأفريقية للوجود البريطاني تأثيرًا وصدىً، كانت الثورة المهدية في السودان. في عام 1881 م، أعلن محمد أحمد بن عبد الله نفسه مهديًا منتظرًا ودعا إلى الجهاد ضد المحتلين المصريين-البريطانيين. قاتلت جيوشه بشجاعة استثنائية: هزمت الجيش البريطاني بقيادة الكولونيل هيكس عام 1883 م، وأحاطت بالخرطوم محاصِرةً الجنرال غوردون لعشرة أشهر، حتى سقطت المدينة في يناير 1885 م وقُتل غوردون. أقامت الدولة المهدية حكمًا مستقلًا لأكثر من ثلاثة عشر عامًا في قلب السودان، قبل أن تدكّها المدافع الرشاشة للجنرال كتشنر في موقعة أمدرمان عام 1898 م.
ثالثًا: انتفاضة ماو ماو في كينيا (1952–1960)
كانت انتفاضة ماو ماو (Mau Mau Uprising) في كينيا واحدةً من أشد حركات المقاومة ضد الاستعمار البريطاني دراميةً في القرن العشرين وأكثرها توثيقًا بالأرشيفات. نبعت الانتفاضة بالدرجة الأولى من قضية الأرض: فقد كان الكيكويو — الشعب الزراعي المستقر الأكثر عددًا في كينيا — قد فقد جزءًا كبيرًا من أراضيه التقليدية المحيطة بالمرتفعات لصالح المستوطنين البيض، وباتت عمالة الأفارقة في هذه الأراضي المنزوعة منهم حلقةً من مُهانة متراكمة. في عام 1952 م، أعلن المحافظ البريطاني إيفلين بارينغ حالة الطوارئ واعتقل جومو كينياتا — قائد الاتحاد الأفريقي الكيني — إلى جانب مئة وثمانين شخصًا آخر في عملية جوك سكوت المتزامنة .
أفادت الباحثة كارولين إلكينز في كتابها “غولاغ بريطانيا” (Britain’s Gulag, 2005 م) والمُكرَّم بجائزة بوليتزر، بأن الرد البريطاني على الانتفاضة اتّسم بانتهاكات ممنهجة: احتُجز أكثر من عشرين ألف كيني في معسكرات اعتقال، وأُجبر ثلاثمئة ألف آخرون على الانتقال إلى قرى محصّنة. وقد وُثِّقت في هذه المعسكرات حالات تعذيب ممنهجة وإعدامات خارج نطاق القضاء وعمليات تخصٍّ وخصيٍّ وحرق حيٍّ. وقد استدعت قضية المعذَّبين الناجين عام 2011 م أمام القضاء البريطاني اعترافًا حكوميًا بريطانيًا عام 2013 م وتقديمًا لتعويضات تجاوزت سبعة عشر مليون جنيه إسترليني لأكثر من خمسة آلاف من الضحايا الناجين .
إنهاء الاستعمار: موجة الاستقلالات
أولًا: “ريح التغيير” — خطاب ماكميلان التاريخي
في الثالث من فبراير عام 1960 م، خطب رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان في البرلمان الجنوب أفريقي بجملته التاريخية التي دوّت كقنبلة وسط المشروع الاستعماري المتداعي:
“ريح التغيير تعصف عبر هذه القارة، وسواء أحببنا ذلك أم لم نُحبّه، هذا النمو من الوعي الوطني هو حقيقة سياسية. يجب علينا جميعًا قبوله كحقيقة.”
— هارولد ماكميلان، رئيس الوزراء البريطاني، أمام البرلمان الجنوب أفريقي، 3 فبراير 1960 م
وكان ماكميلان يُعبّر في هذه الجملة عن إدراك عملي لحتمية تاريخية لم تعد بريطانيا قادرة على الوقوف بوجهها. فالتكلفة الاقتصادية والعسكرية لاحتواء حركات الاستقلال أصبحت تفوق العائد الاستعماري في كثير من المستعمرات. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كلٌّ من منطلقاته، يضغطان نحو تفكيك الاستعمار. وكانت الكتلة الأفروآسيوية الصاعدة في الأمم المتحدة تُغيّر موازين التصويت الدولية. وكانت حرب السويس عام 1956 م قد كشفت علنًا أن بريطانيا لم تعد تتصرف كقوة عظمى مستقلة.
ثانيًا: مسار الاستقلالات البريطانية الأفريقية
كانت غانا بقيادة كوامي نكروما الشعلة الأولى: حصلت على الاستقلال في السادس من مارس عام 1957 م لتصبح أول دولة أفريقية جنوب الصحراء تنال استقلالها من بريطانيا، في مشهد احتفالي حضره مبعوثون أفارقة من كل القارة وأشعل شعلة لا تنطفئ. تبعتها نيجيريا عام 1960 م، وسيراليون وتنغانيقا عام 1961 م، وأوغندا وكينيا عام 1963 م، وزامبيا وملاوي عام 1964 م، وغامبيا عام 1965 م .
غير أن المستعمرات ذات الاستيطان الأوروبي الكثيف كانت أعسر في التحول: فروديسيا الجنوبية (زيمبابوي) أعلنت أقليتها البيضاء الاستقلال أحادي الجانب عام 1965 م تحت قيادة إيان سميث رفضًا للتسليم بحكم الأغلبية الأفريقية، وظلّت معزولة دوليًا حتى استقلالها بموجب حكم الأغلبية عام 1980 م. أما أفريقيا الجنوبية بنظامها الأبرتهايدي الذي فرضته الحكومة الأفريكانرية منذ عام 1948 م، فلم تشهد انتخابات ديمقراطية حقيقية إلا عام 1994 م حين أصبح نيلسون مانديلا أول رئيس لأفريقيا الجنوبية تنتخبه أغلبية عرقية غير بيضاء.
الإرث التاريخي: الحاضر في مرآة الاستعمار
أولًا: الحدود والنزاعات
ورثت الدول الأفريقية المستقلة الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية الأوروبية على طاولات مؤتمر برلين ومحافل دبلوماسية لاحقة، دون اعتبار لخريطة الأعراق والقبائل والثقافات والموارد الطبيعية. كانت هذه الحدود مصدرًا لعشرات النزاعات ما بعد الاستعمار: في نيجيريا الحرب الأهلية البيافرانية (1967–1970 م) التي راح ضحيتها مليون إلى ثلاثة ملايين شخص، وفي كينيا العنف الانتخابي القبلي، وفي السودان انفصال الجنوب عام 2011 م، وفي زيمبابوي الاقتتال القبلي بين الشونا والنديبيلي — كلها يُقرأ بعض محتواها أو معظمه في ضوء ما خلّفه الرسم الاستعماري للحدود.
ثانيًا: التبعية الاقتصادية والكومنولث
تحوّلت الرابطة البريطانية للأمم (British Commonwealth، ثم الكومنولث بصورته الأشمل) من إطار إمبراطوري إلى تجمّع طوعي ضمّ معظم المستعمرات السابقة. وقد ظلّ الاستعمار يُخلّف أثرًا اقتصاديًا في هيكلة “التبعية الاقتصادية” (Economic Dependency): فاقتصادات كثير من المستعمرات السابقة بُنيت لتصدير المواد الخام (النفط النيجيري، القهوة الأوغندية، الذهب الغاني) واستيراد السلع المصنّعة، في منطق ريعي استخراجي تغيّرت واجهته من الإدارة البريطانية المباشرة إلى ديناميكيات السوق الدولية بعد الاستقلال. وقد وصف الاقتصادي الغاني كوامي نكروما هذه الديناميكية بالاستعمار الجديد في كتابه الشهير “نيوكولونياليزم” عام 1965 م.
ثالثًا: الاعتراف والجدل المعاصر
يحتلّ جدل الإرث الاستعماري البريطاني مكانةً بارزة في النقاشات السياسية والاجتماعية البريطانية المعاصرة. فمن إزالة تمثال سيسيل رودس في أكسفورد (حملة “رودس يجب أن يسقط” 2015 م وما تلاها) إلى مطالبات إثيوبيا والسودان بإعادة القطع الأثرية المنهوبة، مرورًا بدعاوى التعويض عن انتفاضة ماو ماو ودعاوى مماثلة من غانا عن الغارات الأثرية على قصر أشانتي — يبدو أن حساب الاستعمار البريطاني في أفريقيا لا يزال بعيدًا عن الإغلاق. وفي حين تتمسك حكومات بريطانية متعاقبة بعدم وجود مسؤولية قانونية عن الإرث الاستعماري، تُفيد الكشوفات الأرشيفية المتواصلة عن وثائق جديدة تُوثّق انتهاكات لم تُعرف من قبل، في عملية إعادة قراءة تاريخية لا تزال في تصاعد.