• معلومات عامة
    التاريخ 24–25 أكتوبر 1917 (بالتقويم الجولياني)، الموافق 6–7 نوفمبر 1917 (بالتقويم الغريغوري)
    المكان بتروغراد (سان بطرسبورغ سابقًا)، روسيا
    القائد الأبرز فلاديمير لينين
    الطرف المطاح به الحكومة المؤقتة الروسية برئاسة ألكسندر كيرينسكي
    محطات زمنية كبرى
    تنازل القيصر نيقولا الثاني عن العرش 15 مارس 1917
    أطروحات أبريل للينين أبريل 1917
    أيام يوليو 16–20 يوليو 1917
    اندلاع الحرب الأهلية الروسية 1918–1922
    تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية 30 ديسمبر 1922
COSMALORE · الموسوعة العربية

تشير الثورة البلشفية، المعروفة أيضًا باسم ثورة أكتوبر، إلى المرحلة الثانية والحاسمة من ثورة عام 1917 الروسية، حين استولى حزب البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين على السلطة في روسيا، لتنطلق بذلك حقبة الحكم السوفيتي التي دامت أكثر من سبعة عقود. ولم تكن هذه الثورة حدثًا منفصلًا، بل جاءت تتويجًا لسلسلة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالإمبراطورية الروسية طوال عام 1917، بدءًا بثورة فبراير التي أطاحت بالنظام القيصري، مرورًا بأزمات الحكومة المؤقتة المتلاحقة، وانتهاءً بانقلاب أكتوبر الذي أوصل الحزب البلشفي إلى سدة الحكم، قبل أن تعقبه حرب أهلية طاحنة أفضت في نهاية المطاف إلى قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية عام 1922.

أولاً: الجذور والأسباب

لم يكن انهيار الحكم القيصري وليد لحظة عابرة، بل كان محصلة تراكمية لعقود من التوتر الاجتماعي والسياسي؛ فقد فرضت ثورة عام 1905 على القيصر نيقولا الثاني إصدار “منشور أكتوبر”، الذي حوّل روسيا ظاهريًا من نظام استبدادي مطلق إلى ملكية دستورية، غير أن سياسات القيصر الرجعية، بما فيها حله المتكرر لمجلس الدوما البرلماني، أثارت استياءً امتد ليطال حتى العناصر المعتدلة من طبقة النبلاء أنفسهم، فيما ازدادت الأقليات العرقية المتعددة داخل الإمبراطورية تململًا من الهيمنة الروسية عليها.

غير أن السبب المباشر لثورة فبراير 1917 كان انخراط روسيا الكارثي في الحرب العالمية الأولى؛ فقد فقد معظم الروس، بحلول عام 1917، ثقتهم بقدرة النظام القيصري على القيادة، وسط فساد حكومي متفشٍ، واقتصاد متخلف، وخسائر بشرية فادحة بلغت نحو 1.7 مليون قتيل و2.4 مليون أسير بحلول نهاية الحرب. وقد بدأت الشرارة الفعلية في الثالث والعشرين من فبراير 1917، حين خرجت عاملات بتروغراد للتظاهر بمناسبة يوم المرأة العالمي احتجاجًا على نقص الخبز وارتفاع أسعاره، فانضم إليهن رجال ونساء آخرون على مدى الأيام التالية، وسط تشجيع من نشطاء الحركة الثورية السرية، ومنهم البلاشفة أنفسهم.

ثانياً: ثورة فبراير وسقوط النظام القيصري

تصاعدت الاضطرابات في العاصمة بتروغراد على مدى أسبوع كامل من المظاهرات والاشتباكات، وأضرب عمال أكبر المجمعات الصناعية في المدينة، فأمر القيصر نيقولا الثاني قوات الجيش بإعادة فرض النظام. غير أن حامية بتروغراد بدأت بالانشقاق كتيبة تلو الأخرى عن جانب النظام، وفي الرابع عشر من مارس أصدر مجلس بتروغراد للسوفييت “الأمر رقم واحد”، الذي وجّه الجنود والبحارة الروس إلى عدم الانصياع إلا للأوامر التي لا تتعارض مع توجيهات السوفييت، وهو ما قوّض عمليًا سلطة القيادة العسكرية التقليدية.

وأمام هذا الانهيار الشامل للولاء، لم يجد القيصر نيقولا الثاني بدًا من التنازل عن العرش في الخامس عشر من مارس 1917 لصالح شقيقه الدوق الأكبر ميخائيل، الذي رفض بدوره تولي السلطة إلا بموافقة جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطيًا، وهو ما أنهى فعليًا حكم أسرة رومانوف الذي دام أكثر من ثلاثة قرون. وقد أقنع كبار قادة الجيش وأعضاء الدوما المحافظون، إلى جانب بعض أقارب القيصر، نيقولا الثاني بالتنازل عن العرش، معتقدين أن إزاحته ستتيح لهم إخماد الثورة في شوارع العاصمة والتفرغ لمتابعة الحرب، غير أن حساباتهم جانبها الصواب تمامًا.

إن الاضطرابات الشعبية الداخلية تهدد بأثر كارثي على سير هذه الحرب العنيدة… لذا رأينا أن من الأفضل التنازل عن عرش الإمبراطورية الروسية والتخلي عن السلطة العليا.
— القيصر نيقولا الثاني، وثيقة التنازل عن العرش، 15 مارس 1917

ثالثاً: ازدواجية السلطة وأطروحات لينين

خلّف انهيار الحكم القيصري فراغًا سياسيًا ملأته هيئتان متنافستان في آنٍ واحد: الحكومة المؤقتة التي شكّلها الليبراليون المنبثقون عن مجلس الدوما برئاسة الأمير جورجي لفوف، ومجلس بتروغراد للسوفييت الذي مثّل العمال والجنود، واتفقت الهيئتان في البداية على تعاون هش، إذ رأى الاشتراكيون المهيمنون على السوفييت أن ثورة فبراير كانت “ثورة برجوازية”، وأن من المناسب أن تتولى البرجوازية زمام الحكم مؤقتًا.

غير أن عودة لينين إلى بتروغراد من منفاه في الثالث من أبريل 1917 غيّرت مسار الأحداث جذريًا؛ إذ طرح لينين ما عُرف بـ”أطروحات أبريل”، وهي برنامج سياسي دعا فيه إلى قطيعة حاسمة مع الحكومة المؤقتة “البرجوازية”، ورفع شعار “كل السلطة للسوفييتات”، خلافًا لموقف كثير من قادة حزبه البلشفي أنفسهم الذين استقبلوا هذا الطرح في البداية بصدمة واستهجان. ومع ذلك، تبنّى المؤتمر السابع لعموم الحزب البلشفي في مايو 1917 هذه الأطروحات برنامجًا رسميًا له، فراجت بين عمال وجنود بتروغراد بسرعة لافتة.

رابعاً: أيام يوليو وتراجع نفوذ البلاشفة المؤقت

أفضى تصاعد شعبية الشعارات البلشفية بين صفوف عمال وجنود بتروغراد إلى اندلاع مظاهرات مسلحة عارمة بين السادس عشر والعشرين من يوليو 1917، عُرفت باسم “أيام يوليو”، طالب فيها المتظاهرون مجلس السوفييت بتولي السلطة الرسمية كاملة، وقد تردد البلاشفة أنفسهم في البداية إزاء هذه المظاهرات، لكنهم قرروا لاحقًا مساندتها.

غير أن الحكومة المؤقتة استغلت هذه الأزمة لتقويض شعبية البلاشفة وتقليص خطر الانقلاب المحتمل، فنشرت أدلة تزعم وجود صلات سياسية ومالية وثيقة بين لينين والحكومة الألمانية، مما أثار ردة فعل شعبية عنيفة ضد البلاشفة، فتعرضوا للضرب والاعتقال وتدمير ممتلكاتهم واضطهاد قادتهم، وفرّ لينين إلى فنلندا بينما اعتُقل آخرون من بينهم ليون تروتسكي. وأعيد تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة ألكسندر كيرينسكي، إلا أن هذا الترتيب الجديد لم يكن سوى تنازل مؤقت وقصير الأمد أمام مطالب المتظاهرين بحكومة سوفيتية ثورية.

خامساً: ثورة أكتوبر والاستيلاء على السلطة

على مدى شهري أغسطس وسبتمبر 1917، استعاد البلاشفة، بقيادة لينين، عافيتهم السياسية بسرعة لافتة، فحصلوا على أغلبية مقاعد مجلسي سوفييت بتروغراد وموسكو، وتوسّعت شعبيتهم بين صفوف العمال الجائعين في المدن والجنود المنهكين من الحرب. وفي ليلة الرابع والعشرين من أكتوبر 1917 (السابع من نوفمبر بالتقويم الغريغوري)، بدأ الحرس الأحمر البلشفي بالسيطرة على النقاط الحيوية في العاصمة، من محطات السكك الحديدية إلى مكاتب البرق والمباني الحكومية، وبحلول مساء اليوم التالي كانت المدينة بأكملها تحت سيطرتهم باستثناء قصر الشتاء، مقر الحكومة المؤقتة.

وقد وُصف هذا الاستيلاء على السلطة بأنه انقلاب شبه خالٍ من إراقة الدماء؛ إذ لم يجد وزراء الحكومة المؤقتة في تلك اللحظة الحاسمة تقريبًا أي طرف مستعد للدفاع عنهم، فاقتحم الحرس الأحمر قصر الشتاء واعتقل الوزراء، لتنتهي بذلك الحكومة المؤقتة رسميًا، بينما حاول كيرينسكي دون جدوى تنظيم مقاومة مسلحة قبل أن يفرّ من البلاد. وصادق مؤتمر السوفييتات على تشكيل حكومة جديدة تتألف في معظمها من البلاشفة، لتبدأ بذلك حقبة الحكم السوفيتي رسميًا.

سادساً: الحرب الأهلية الروسية

لم يكن الاستيلاء على السلطة سوى الجزء الأسهل من مهمة البلاشفة؛ فقد تعيّن عليهم بعد ذلك خوض حرب أهلية دامية استمرت أعوامًا لترسيخ حكمهم وإعادة فرض النظام في بلد انزلق نحو الفوضى الشاملة. وقد اندلعت هذه الحرب بين “الحمر” البلاشفة و”البيض” المناهضين لهم، عقب معاهدة برست litovsk التي تنازلت بموجبها الحكومة السوفيتية الجديدة عن أراضٍ واسعة لألمانيا لإخراج روسيا من الحرب العالمية الأولى، وهو ما أثار قطيعة حادة بين البلاشفة وحلفائهم السابقين من الاشتراكيين الثوريين اليساريين.

خلّفت هذه الحرب الأهلية، التي امتدت حتى عام 1922 في بعض جبهاتها النائية، دمارًا هائلاً؛ إذ يُقدَّر عدد ضحاياها بنحو عشرة ملايين نسمة، غالبيتهم الساحقة من المدنيين الذين هلكوا بسبب الأمراض والمجاعة والقتل الجماعي، بينما تراجع الإنتاج الصناعي إلى خُمس مستواه قبل الحرب بحلول عام 1921، وانهارت شبكة النقل، وهجر السكان المدن نحو الريف هربًا من الانهيار الشامل. وفي مارس 1921، اندلع تمرد بحارة قاعدة كرونشتاد البحرية احتجاجًا على سياسات البلاشفة، وقد سُحق هذا التمرد بعنف شديد، لكنه دفع لينين إلى تبني “السياسة الاقتصادية الجديدة” تخفيفًا لحدة الاستياء الشعبي المتصاعد.

سابعاً: تأسيس الاتحاد السوفيتي

أفضى انتصار الجيش الأحمر في الحرب الأهلية إلى قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، غير أن هذا الانتصار رافقه أيضًا قمع منظم للحركات القومية المطالبة بالاستقلال في أطراف الإمبراطورية الروسية السابقة؛ فرغم إعلان البلاشفة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، فرض الحزب الشيوعي دكتاتوريته على أقاليم واسعة، مما أثار مقاومة حركات محلية عدة، من بينها ثورة الباسمجية في آسيا الوسطى.

وفي التاسع والعشرين من ديسمبر 1922، أقرّ مؤتمر ضم مندوبين عن روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا والجمهوريات القوقازية معاهدة تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وإعلان قيامه رسميًا في الثلاثين من الشهر نفسه. وقام هذا الاتحاد على أساس حكم الحزب الواحد الشيوعي، الذي طوّر تدريجيًا نظامًا شموليًا، خصوصًا في ظل حكم جوزيف ستالين الذي أعقب وفاة لينين في يناير 1924 بعد صراع طويل على خلافته امتد حتى نهاية العقد نفسه.

وتُعدّ الثورة البلشفية اليوم من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ القرن العشرين بأسره؛ فقد أسّس البلاشفة أول دولة شيوعية في العالم على مساحة تمتد من القطب الشمالي إلى البحر الأسود، ومن بحر البلطيق إلى أقصى الشرق، وألهمت هذه التجربة حركات وثورات شيوعية في أنحاء متفرقة من العالم، لا سيما في الصين، كما أثارت ردة فعل تمثلت في صعود الفاشية، وشكّلت بعد عام 1945 تأثيرًا عميقًا في الحركات المناهضة للاستعمار وفي بنية العلاقات الدولية طوال الحرب الباردة، إلى أن انهارت الدولة التي أنجبتها هذه الثورة عام 1991.