معركة النورماندي، المعروفة أيضاً بغزو النورماندي أو يوم النزول (D-Day)، هي العملية العسكرية التي أطلقها الحلفاء الغربيون تحت الاسم الرمزي “أوفرلورد” في السادس من يونيو 1944، لتحرير أوروبا الغربية من الاحتلال النازي، واستمرت المعارك المرتبطة بها حتى نهاية أغسطس من العام نفسه. وقد شكّل هذا الإنزال أكبر عملية عسكرية بحرية برمائية في التاريخ، إذ شارك فيها ما يقارب مئة وثلاثة وثلاثين ألف جندي من قوات الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا نزلوا في اليوم الأول وحده على خمسة شواطئ منفصلة في إقليم نورماندي بشمال فرنسا، تحت القيادة العليا للجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور. وقد نجحت قوات الحلفاء، رغم مقاومة ألمانية عنيدة استمرت أسابيع طويلة، في تثبيت موطئ قدم دائم على الأراضي الفرنسية، قبل أن تحقق اختراقاً حاسماً في نهاية يوليو أفضى إلى تحرير باريس بحلول الخامس والعشرين من أغسطس 1944.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرمزي | عملية أوفرلورد (Operation Overlord) |
| تاريخ الإنزال (يوم النزول) | 6 يونيو 1944 |
| نهاية معركة النورماندي | 25 أغسطس 1944 (تحرير باريس) |
| الموقع | إقليم نورماندي، شمال فرنسا |
| القيادة والأطراف | |
| القائد الأعلى للحلفاء | الجنرال دوايت أيزنهاور |
| القوات المشاركة | الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا |
| الطرف المدافع | ألمانيا النازية |
| الشواطئ الخمسة | |
| الشواطئ الأمريكية | يوتا وأوماها |
| الشواطئ البريطانية | جولد وسورد |
| الشاطئ الكندي | جونو |
| أرقام يوم النزول | |
| إجمالي القوات النازلة | نحو 133,000 جندي |
| السفن المشاركة | نحو 7,000 سفينة وزورق إنزال |
| خسائر اليوم الأول | نحو 10,300 قتيل وجريح ومفقود |
التحضير للغزو: الخداع الاستراتيجي وتأجيل الطقس
بدأت جيوش الحلفاء استعداداتها لغزو أوروبا الغربية منذ مايو 1944، متمركزة في جنوب إنجلترا في انتظار الإشارة النهائية لانطلاق العملية، بعد أن كانت تفاصيل الغزو قد تأجلت مراراً بسبب الأحوال الجوية غير المواتية. وكان من المقرر أصلاً أن ينطلق الإنزال في الأول من مايو 1944، غير أن صعوبات في تجميع أعداد كافية من زوارق الإنزال أرغمت القيادة على تأجيل الموعد إلى الخامس من يونيو، قبل أن يضطر أيزنهاور نفسه، بعد تدهور مفاجئ في الطقس، إلى تأجيل الموعد أربعاً وعشرين ساعة إضافية، ليستقر أخيراً على السادس من يونيو استناداً إلى تقدير كبير خبراء الأرصاد الجوية بحدوث فترة صحو مؤقتة.
يوم النزول: السادس من يونيو 1944
انطلقت عملية الإنزال وفق تسلسل زمني دقيق: ففي الساعة الواحدة صباحاً، نفّذ الحلفاء عملية تضليل أوهمت القيادة الألمانية بأن الغزو الرئيسي سيقع عند منطقة باس دو كاليه، الواقعة على بعد نحو مئتين وخمسين كيلومتراً شمال شرق مواقع النزول الفعلية في نورماندي؛ ثم في الساعة الثالثة صباحاً بدأ القصف الجوي المكثف للدفاعات الألمانية، تلاه قصف بحري مماثل في الساعة الخامسة، قبل أن تبدأ القوات البرية بالنزول فعلياً على الشواطئ عند الساعة السادسة صباحاً. وقد سبقت هذه العمليات البرمائية إنزالات جوية واسعة النطاق نفّذتها القوات المحمولة جواً للحلفاء، بهدف الاستيلاء على نقاط استراتيجية رئيسية من سكك حديدية وجسور ومواقع مدفعية قد تهدد الشواطئ صباح يوم الغزو.
الشواطئ الخمسة ومهامها
توزعت مهمة النزول على خمسة شواطئ منفصلة على امتداد ساحل نورماندي، تولت الفرقة الرابعة الأمريكية النزول عند شاطئ يوتا في الطرف الغربي، فيما تولت الفرقة الأولى الأمريكية مهمة أصعب الشواطئ وأشدها مقاومة عند أوماها، بينما نزلت الفرقة الخمسون البريطانية عند جولد، والفرقة الكندية الثالثة عند جونو، والفرقة البريطانية الثالثة عند سورد في الطرف الشرقي. وقد تفاوتت حدة المقاومة الألمانية بين شاطئ وآخر تفاوتاً كبيراً، إذ تكبد الجنود الأمريكيون عند شاطئ أوماها وحده خسائر تجاوزت ألفي وسبعمئة جندي، في حين كانت الخسائر أقل نسبياً في الشواطئ الأخرى، إذ بلغت نحو ألف وثلاثين جندياً بريطانياً وألف ومئتي جندي كندي.
الأسابيع الأولى: تثبيت رأس الجسر ومعارك كان
بحلول السابع من يونيو، أصبح رأس الجسر الذي أقامه الحلفاء يتألف من ثلاثة قطاعات منفصلة: قطاع بريطاني كندي بين مدينتي كان وبايو، وقطاع أمريكي بين بور أون بيسان وسان بيير دو مون، وقطاع أمريكي ثالث غرب نهر فير خلف شاطئ يوتا، قبل أن تتمكن القوات الأمريكية من توحيد قطاعيها بعد معركة عنيفة لالتقاء الحاميات عند مدينة كارنتان في الثاني عشر من يونيو. غير أن التقدم نحو مدينة كان، أحد الأهداف الرئيسية المقررة ليوم الإنزال نفسه، استغرق ما يقارب شهراً كاملاً من القتال الشرس، إذ لم يسقط الجزء الشمالي من المدينة إلا بعد عملية شارنوود في الثامن والتاسع من يوليو، ولم يُستكمل تحرير جنوب المدينة إلا بعد عمليتي غودوود وأتلانتيك في الثامن عشر والحادي والعشرين من يوليو.
عملية كوبرا: اختراق الجبهة الأمريكية
بعد أن استكمل الجيش الأمريكي تطهير شبه جزيرة كوتنتان والاستيلاء على ميناء شيربورغ بنهاية يونيو، تباطأ تقدمه جنوباً في تضاريس البوكاج الريفية الوعرة، ما دفع الجنرال عمر برادلي إلى التخطيط لهجوم كاسح على جبهة ضيقة جداً، مدعوم بقصف جوي مكثف، عُرف باسم عملية كوبرا وانطلق في الخامس والعشرين من يوليو 1944. وسرعان ما انضم إلى هذا التقدم جيش الجنرال جورج باتون الثالث حديث التشكيل، ليشكل رأس حربة أمريكياً ضخماً هدد بالاندفاع نحو إقليم بريتاني، وبتطويق القوات الألمانية في نورماندي من الخلف عبر التفافة يسارية. وحين حاول هتلر استغلال هذا الاختراق فرصة لإعادة ترتيب جبهته عبر هجوم مضاد يحمل الاسم الرمزي “لوتيش” استهدف بلوغ ساحل أفرانش، تمكنت المخابرات الأمريكية من فك تشفير الاتصالات الألمانية عبر برنامج ألترا، فأحبطت الهجوم المضاد وأوقفته في مساره فور انطلاقه في السابع من أغسطس.
جيب فاليز: تطويق الجيش الألماني
مع توسع الطوق الأمريكي شرقاً من بريتاني، بدأت القوات البريطانية والأمريكية في الوقت نفسه تقدماً قوياً غرب مدينة كان باتجاه فاليز، في حركة كماشة مزدوجة استهدفت تطويق القوات الألمانية المتبقية بالكامل داخل ما عُرف بجيب فاليز. وقد نجحت هذه المناورة في إغلاق الطوق حول جزء كبير من الجيش الألماني السابع والجيش الخامس المدرع، وإن تمكن نحو مئتين وأربعين ألف جندي ألماني من محاولة الفرار شرقاً نحو نهر السين، تاركين خلفهم في نورماندي نحو خمسين ألف قتيل ومئتي ألف أسير، في ضربة قاصمة عجّلت بانهيار الدفاعات الألمانية في شمال فرنسا بأكمله.
تحرير باريس ونهاية معركة النورماندي
عقب انهيار جيب فاليز، اندفعت قوات الحلفاء بسرعة كبيرة عبر شمال فرنسا نحو نهر السين ثم باريس، لتدخل العاصمة الفرنسية محررة في الخامس والعشرين من أغسطس 1944، في حدث وضع حداً فعلياً لمعركة النورماندي وفتح الطريق أمام مواصلة تحرير بقية الأراضي الفرنسية ثم التقدم نحو الحدود الألمانية.
الأهمية التاريخية لمعركة النورماندي
مثّلت معركة النورماندي نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب العالمية الثانية، إذ فتحت أمام الحلفاء الغربيين جبهة برية مباشرة داخل قلب أوروبا الغربية المحتلة، بعد سنوات من الاعتماد شبه الحصري على الجبهة الشرقية السوفييتية لاستنزاف القوة العسكرية الألمانية. فبدون هذا التدخل المباشر للحلفاء الغربيين على القارة الأوروبية، الذي تمحور حول التزام عسكري أمريكي ضخم، كان بإمكان القيادة النازية أن تطيل أمد هيمنتها العسكرية سنوات إضافية. وقد رسّخت هذه المعركة، إلى جانب أهميتها العسكرية المباشرة، حضوراً غربياً راسخاً على الأراضي الأوروبية استمر أثره السياسي طويلاً بعد نهاية الحرب، بوصفه ثقلاً موازناً لتوسع النفوذ السوفييتي المدعوم بالشيوعية في مطلع الحرب الباردة.