غزوة حنين معركة كبرى وقعت في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، الموافق لعام 630م، بين المسلمين بقيادة النبي محمد وتحالف قبلي بدوي ضم قبيلتي هوازن وثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري، في وادي حنين الواقع على الطريق بين مكة والطائف. جاءت هذه المعركة بعد أقل من شهر من فتح النبي لمكة دون قتال يُذكر، حين استشعرت قبائل هوازن وحلفاؤها من ثقيف خطر التوسع الإسلامي المتنامي في الحجاز، فقررت المبادرة بالهجوم على المسلمين قبل أن تتمكن الدولة الإسلامية الفتية من ترسيخ نفوذها في المنطقة بأكملها. خرج النبي محمد على رأس أكبر جيش قاده شخصيًا حتى ذلك الحين، ضم نحو اثني عشر ألف مقاتل بين المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح من أهل مكة، غير أن ثقة بعض المسلمين المفرطة بكثرة عددهم كادت تودي بالجيش بأسره حين باغتتهم قوات هوازن بكمين محكم في مضايق الوادي، قبل أن يتمكن النبي من إعادة تنظيم صفوف جيشه وتحقيق انتصار حاسم في نهاية المطاف.

معلومات عامة
التاريخ شوال 8هـ (630م)
الموقع وادي حنين، بين مكة والطائف، الحجاز
الأطراف المسلمون بقيادة النبي محمد، وتحالف هوازن وثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري
قوة جيش المسلمين نحو 12,000 مقاتل
قوة تحالف هوازن وثقيف نحو 4,000 مقاتل
النتيجة انتصار حاسم للمسلمين بعد كمين مباغت في بداية المعركة
الغنائم أعداد كبيرة من الإبل والأغنام والسبايا
تواريخ رئيسية
رمضان 8هـ (يناير 630م) فتح مكة سلميًا
شوال 8هـ وقوع غزوة حنين
عقب حنين مباشرة حصار الطائف غير الحاسم
أواخر شوال 8هـ توزيع غنائم حنين في الجعرانة
9هـ (630م) دخول ثقيف في الإسلام واستسلام الطائف سلميًا
COSMALORE · الموسوعة العربية

خلفية المعركة: ما بعد فتح مكة وتحالف هوازن وثقيف

بعد فتح مكة سلميًا ودون قتال يُذكر في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، أدرك زعماء قبيلة هوازن، إحدى أقوى القبائل البدوية شمال شرق مكة، أن نفوذ النبي محمد المتنامي في الحجاز يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقلالهم القبلي التقليدي، فبادروا بحشد تحالف قبلي واسع ضم إلى جانب هوازن قبيلة ثقيف من الطائف وعددًا من البطون القبلية الأخرى، بقيادة مالك بن عوف النصري. واتخذ مالك بن عوف قرارًا عسكريًا لافتًا بأن يصطحب معه في الحملة نساء القبيلة وأطفالها ومواشيها، على أمل أن يدفع ذلك مقاتليه إلى قتال أكثر شراسة وإصرارًا دفاعًا عن أهلهم وأموالهم، وهو قرار انتُقد لاحقًا من بعض قادة التحالف أنفسهم نظرًا لما ترتب عليه من مخاطرة كبيرة في حال الهزيمة.

حشد الجيشين ومسيرة المسلمين نحو حنين

لما بلغت أنباء تحرك هوازن وثقيف مسامع النبي محمد، جهّز جيشًا ضخمًا بلغ نحو اثني عشر ألف مقاتل، ضم عشرة آلاف من الذين رافقوه في فتح مكة، بالإضافة إلى نحو ألفين من أهل مكة الذين أسلموا حديثًا، وهو أكبر جيش قاده النبي شخصيًا في أي معركة من معاركه. وقد أثارت ضخامة هذا الجيش، بحسب المصادر التاريخية الإسلامية التقليدية، إعجاب بعض المسلمين وثقتهم المفرطة بحتمية النصر لكثرة العدد، وهو شعور أشارت إليه لاحقًا الآيات القرآنية النازلة في سياق هذه الغزوة. في المقابل، سبق مالك بن عوف بجيشه إلى وادي حنين الضيق، ووزّع مقاتليه في كمائن محكمة على جانبي الوادي ومضايقه الجبلية، مستفيدًا من معرفته الدقيقة بتضاريس المنطقة، تمهيدًا لمباغتة الجيش الإسلامي فور دخوله الوادي.

كمين هوازن ومباغتة المسلمين في الوادي

عند فجر يوم المعركة، وبينما كانت طلائع الجيش الإسلامي تنحدر في عتمة الوادي الضيق، انقضّت عليهم فجأة قوات هوازن الكامنة من كل جانب بوابل من السهام، فدبّت الفوضى في صفوف المسلمين، وولّى كثير منهم منهزمين في الوهلة الأولى للصدمة، حتى كاد الموقف يتحول إلى كارثة عسكرية كبرى. وفي خضم هذا الارتباك، ثبت النبي محمد في موقعه مع عدد قليل من أقرب أصحابه، وفي مقدمتهم عمه العباس بن عبد المطلب الذي عُرف بجهارة صوته، فأمره النبي بأن ينادي في المسلمين المنهزمين مذكّرًا إياهم ببيعتهم، فأخذوا يتراجعون عن فرارهم ويعودون تباعًا إلى ساحة القتال حول النبي.

ثبات النبي وتحول مسار المعركة

بفضل هذا التماسك المتجدد حول قيادة النبي، بدأت صفوف المسلمين تُعاد تنظيمها تدريجيًا، وشنّوا هجومًا مضادًا منظمًا أربك قوات هوازن التي لم تكن قد أعدت خطة بديلة لما بعد نجاح كمينها الأول. وسرعان ما انقلبت موازين المعركة لصالح المسلمين، فانهارت صفوف هوازن وولّت منهزمة في اتجاهات متفرقة، تاركة خلفها كمًا هائلًا من الغنائم التي كان مالك بن عوف قد اصطحبها معه من نساء وأطفال ومواشٍ، فيما لجأ عدد من فلول هوازن وحلفائها من ثقيف إلى مدينة الطائف المحصنة، وفرّ آخرون، بينهم مالك بن عوف نفسه، نحو أوطاس ونجد.

حصار الطائف

عقب انتصاره في حنين مباشرة، تعقّب النبي محمد فلول هوازن وثقيف، وتوجّه بجيشه إلى مدينة الطائف المحصنة، معقل ثقيف الرئيسي، وضرب حولها حصارًا استمر نحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، غير أن متانة تحصينات المدينة ووفرة مؤنها حالتا دون سقوطها عسكريًا، فاضطر النبي في نهاية المطاف إلى رفع الحصار والعودة دون فتح المدينة بالقوة. ورغم هذا الإخفاق العسكري الجزئي في الطائف، فإن الأثر النفسي والسياسي لانتصار حنين الكبير كان كافيًا لإقناع ثقيف بالتفاوض لاحقًا، إذ أرسلت وفدًا رسميًا إلى المدينة أعلن إسلام القبيلة بأكملها في العام التالي، لتُختتم بذلك آخر جيوب المقاومة القبلية المنظمة في محيط مكة والطائف.

توزيع الغنائم وقصة المؤلفة قلوبهم

بعد رفع الحصار عن الطائف، توجه النبي محمد بجيشه إلى موضع يُعرف بالجِعِرّانة لتوزيع الغنائم الضخمة التي غنمها المسلمون في حنين من إبل وأغنام وسبايا. وقد أثار أسلوب النبي في توزيع هذه الغنائم جدلًا محدودًا داخل صفوف الأنصار، إذ خصّ عددًا من زعماء قريش وقبائل نجد ممن أسلموا حديثًا أو كانوا لا يزالون على شفا اعتناق الإسلام بعطايا سخية، فيما عُرف بسياسة “تأليف القلوب”، بهدف ترسيخ إيمانهم الوليد وضمان ولائهم للدولة الإسلامية الناشئة، قبل أن يوضح النبي لأصحابه من الأنصار أن هذا التمييز كان اعتبارًا مؤقتًا لحداثة عهد هؤلاء بالإسلام، لا انتقاصًا من مكانة الأنصار الراسخة في إيمانهم.

غزوة حنين في القرآن الكريم

تُعد غزوة حنين واحدة من معركتين اثنتين فقط تُذكران صراحة باسمهما في القرآن الكريم، إذ خصّها سورة التوبة بآيات تصف لحظة الارتباك الأولى التي أصابت المسلمين قبل أن يتداركهم النصر الإلهي بحسب الرواية القرآنية. وقد شكّلت هذه الآيات لاحقًا مرجعًا تربويًا رئيسيًا في التراث الإسلامي حول خطورة الاغترار بكثرة العدد والعتاد، وأهمية التسليم بأن النصر مرهون بعوامل تتجاوز الحسابات المادية البحتة.

الأثر التاريخي للمعركة

مثّلت غزوة حنين آخر معركة كبرى ذات طابع قبلي منظم يخوضها النبي محمد في شبه الجزيرة العربية، إذ أدى الانتصار الحاسم فيها، رغم صعوبة بدايتها، إلى تحطيم آخر تحالف قبلي بدوي كبير كان لا يزال قادرًا على تهديد الدولة الإسلامية الناشئة في الحجاز ونجد. وقد مهّد هذا الانتصار، إلى جانب الأثر السياسي لفتح مكة قبله بأسابيع قليلة، الطريق أمام موجة واسعة من وفود القبائل العربية التي توافدت على المدينة في العام التالي المعروف بـ”عام الوفود” لإعلان دخولها في الإسلام، لتكتمل بذلك عمليًا وحدة شبه الجزيرة العربية تحت راية الدولة الإسلامية قبيل وفاة النبي محمد عام 632م.

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا
— القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 25

تعكس هذه الآية جوهر الرؤية الدينية التقليدية لأحداث حنين، إذ تربط لحظة الارتباك الأولى للمسلمين بشعور الاغترار بكثرة العدد، قبل أن يعقبها بحسب السياق القرآني نزول السكينة وتراجع المسلمين عن هزيمتهم الأولية، وهي رؤية شكّلت على مدى القرون مرجعًا متكررًا في الأدبيات الإسلامية حول التواضع أمام النصر والحذر من الاعتماد على الأسباب المادية وحدها.