تُعدّ غزوة بني قريظة من أكثر أحداث السيرة النبوية إثارة للجدل التاريخي والأخلاقي، إذ تمثّل الفصل الأخير من صراع النبي محمد مع القبائل اليهودية الثلاث الكبرى في يثرب (المدينة المنورة)، بعد بني قينقاع وبني النضير. وقعت هذه الغزوة في أعقاب مباشر لغزوة الخندق (الأحزاب) التي جرت عام 627م/5هـ، حين حاصر المسلمون حيّ بني قريظة عقابًا على ما وُصف بتواطئهم مع تحالف قريش وحلفائها أثناء حصار المدينة. انتهى الحصار، الذي استمر عدة أسابيع، باستسلام القبيلة استسلامًا غير مشروط وقبولها تحكيم الصحابي سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس، فقضى بقتل المقاتلين البالغين من رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم وتوزيع أموالهم، وهو الحكم الذي أُنفذ بعد ذلك، لينهي بذلك الوجود اليهودي المنظم داخل المدينة المنورة. وبقيت تفاصيل الرواية، وخاصة أعداد القتلى ودرجة مسؤولية القبيلة عن التواطؤ المزعوم، محل نقاش أكاديمي مستمر بين المؤرخين والمستشرقين حتى اليوم.
| معلومات عامة | |
| الاسم | غزوة بني قريظة (حصار بني قريظة) |
| التاريخ | ذو القعدة 5هـ (يناير 627م تقريبًا) |
| الموقع | حي بني قريظة، يثرب (المدينة المنورة) |
| السياق | أعقبت مباشرة غزوة الخندق (الأحزاب) |
| النتيجة | استسلام غير مشروط لبني قريظة؛ تنفيذ تحكيم سعد بن معاذ |
| الأطراف | |
| الطرف الأول | المسلمون بقيادة النبي محمد |
| الطرف الثاني | بنو قريظة (قبيلة يهودية حليفة للأوس) |
| أبرز الشخصيات | |
| محمد بن عبد الله | قائد المسلمين |
| سعد بن معاذ | سيد الأوس والحكم المعيّن برضا الطرفين |
| كعب بن أسد | سيد بني قريظة |
| حيي بن أخطب | زعيم بني النضير المنفي، المتهم بتحريض القبيلة على التحالف مع الأحزاب |
| مدة الحصار والنتائج | |
| مدة الحصار | بين أسبوعين وثلاثة أسابيع بحسب اختلاف الروايات |
| مصير الرجال البالغين | إعدام جماعي وفق حكم سعد بن معاذ |
| مصير النساء والأطفال | سبي وتوزيع بينهم كسبايا حرب |
غزوة الخندق وخلفية الحصار
في مطلع سنة 627م، جمعت قريش تحالفًا واسعًا من القبائل العربية وبعض الجماعات اليهودية المنفية، يُقدَّر عدده بنحو عشرة آلاف مقاتل، وزحفت به نحو المدينة المنورة بهدف القضاء على الوجود الإسلامي الناشئ فيها بعد أن كانت قد ألحقت هزيمة بالمسلمين في معركة أُحد قبل ذلك بعامين. وأمام هذا الحشد الكبير، اعتمد النبي محمد أسلوبًا دفاعيًا غير مألوف لدى العرب آنذاك، فأمر بحفر خندق واسع حول الأجزاء المكشوفة من المدينة، بناءً على اقتراح الصحابي الفارسي سلمان الفارسي، الأمر الذي أعجز فرسان الأحزاب عن اقتحام المدينة وأدخل الحصار في حالة جمود طويلة. وكان بنو قريظة، وهم أحد بطون اليهود المستقرين في جنوب المدينة والحلفاء التقليديون لقبيلة الأوس، طرفًا في معاهدة دفاعية مشتركة مع النبي محمد منذ استقراره في يثرب، تُلزمهم بالحياد أو التعاون الدفاعي في حال تعرّض المدينة لهجوم خارجي.
اتهام بني قريظة بالتواطؤ مع الأحزاب
خلال أيام الحصار، أفادت الروايات الإسلامية المبكرة بأن حيي بن أخطب، زعيم بني النضير الذي كان قد نُفي من المدينة قبل ذلك بسبب نقضه العهد مع النبي محمد، توجّه إلى حي بني قريظة وألحّ على سيدهم كعب بن أسد للتخلي عن الحياد والانضمام إلى تحالف قريش وغطفان ضد المسلمين، مستغلًا ضخامة الحشد المحاصر للمدينة كضمانة للنصر. ووفق هذه الروايات، تردد بنو قريظة طويلًا قبل أن يميلوا إلى نقض عهدهم مع المسلمين والدخول في مفاوضات مع الأحزاب المحاصِرين، وإن ظلت هذه المفاوضات غير حاسمة ولم تُترجم إلى مشاركة قتالية فعلية ضد المدينة. أرسل النبي محمد وفدًا للتحقق من صحة هذه الأنباء، فعاد الوفد بما اعتُبر تأكيدًا لنقض العهد، وهو ما أثار قلقًا بالغًا داخل المدينة المحاصرة من احتمال هجوم على جبهتين في آن واحد. ومع تصاعد الخلافات داخل معسكر الأحزاب أنفسهم، وتدهور الأحوال الجوية، وتفكك التحالف القبلي تدريجيًا، انفض حصار الخندق دون معركة كبرى، لتنتقل الأزمة مباشرة إلى مواجهة بين المسلمين وبني قريظة.
حصار حي بني قريظة والاستسلام
بعد تفرّق الأحزاب، توجّه النبي محمد بجيشه مباشرة إلى حي بني قريظة الحصين جنوب المدينة وضرب عليه حصارًا محكمًا استمر بحسب الروايات المختلفة ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع. ومع اشتداد الحصار ونفاد أي أمل في نجدة خارجية بعد تفكك التحالف الذي راهنوا عليه، لجأ بنو قريظة إلى طلب الاستسلام، وعرضوا في البداية مغادرة المدينة والتخلي عن ممتلكاتهم مقابل السماح لهم بالرحيل الآمن، غير أن هذا العرض قوبل بالرفض. وفي نهاية المطاف، قبلت القبيلة الاستسلام غير المشروط (“النزول على الحكم”)، تاركة تحديد مصيرها لحكم يصدره طرف ثالث يرتضيه الجانبان.
تحكيم سعد بن معاذ وتنفيذ الحكم
اختار بنو قريظة أن يُحكَّم سعد بن معاذ، سيد قبيلة الأوس وحليفهم التقليدي منذ ما قبل الإسلام، ظنًا منهم أن ولاءه القديم لهم سيميل بحكمه نحو الرأفة. غير أن سعدًا، الذي كان قد أُصيب بجرح بالغ في معركة الخندق، أصدر حكمه بأن يُقتل المقاتلون البالغون من رجال القبيلة، وأن تُسبى نساؤهم وذراريهم، وأن تُقسّم أموالهم بين المسلمين، وهو ما نقله عنه الصحابي أبو سعيد الخدري في رواية مسندة معروفة. نُفّذ الحكم في السوق داخل المدينة، حيث أُعدم الرجال الذين ثبت بلوغهم سن الرشد، فيما وُزّعت النساء والأطفال والممتلكات كغنائم حرب بين المقاتلين المسلمين، باستثناء عدد محدود ممن اعتنقوا الإسلام فنجوا من هذا المصير. وقد اعتبر النبي محمد حكم سعد بن معاذ موافقًا لحكم الله، بحسب ما جاء في الرواية ذاتها.
الجدل التاريخي حول الرواية والأعداد
رغم إجماع مصادر السيرة الإسلامية الكلاسيكية، كسيرة ابن هشام ومغازي الواقدي، على جوهر الحادثة، فإن تفاصيلها الدقيقة، وبخاصة العدد الفعلي لمن أُعدم من الرجال، ظلت محل تباين واسع بين الروايات القديمة نفسها وبين الباحثين المحدثين. فبينما تورد بعض المصادر التاريخية الكلاسيكية أرقامًا تتراوح بين نحو ستمائة وتسعمائة رجل، شكك عدد من الباحثين المعاصرين في دقة هذه الأرقام وفي طبيعة الرواية التاريخية بمجملها. من أبرز هذه الدراسات بحث المستشرق و. ن. عرفات الذي نُشر عام 1976 في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، والذي أعاد فحص سلسلة الرواة الأصلية للحادثة وشكّك في مدى موثوقية بعض تفاصيلها التقليدية. في المقابل، يرى مؤرخون آخرون، وعلى رأسهم المستشرق الاسكتلندي و. مونتغمري وات في دراساته عن السيرة النبوية، أن جوهر الحادثة، أي الحصار والتحكيم وتنفيذ الحكم بحق المقاتلين، يستند إلى قاعدة روائية متماسكة نسبيًا حتى وإن ظلت التفاصيل العددية عرضة للمبالغة الشائعة في المصادر الإخبارية العربية القديمة.
الأثر في تاريخ يهود الجزيرة العربية
شكّلت غزوة بني قريظة نهاية الوجود القبلي اليهودي المنظم داخل المدينة المنورة نفسها، بعد أن كان قد سبقها إجلاء بني قينقاع وبني النضير عن المدينة دون قتال جماعي مماثل. ومنذ ذلك الحين، لم يبق في المدينة تكتل يهودي قبلي ذو وزن سياسي أو عسكري مستقل، فيما استمر الوجود اليهودي في الجزيرة العربية متمركزًا بشكل رئيسي في واحة خيبر شمال المدينة، والتي ستشهد بدورها مواجهة عسكرية كبرى مع المسلمين بعد سنوات قليلة. وقد تركت هذه الحادثة أثرًا عميقًا ومستمرًا في الخطاب الديني والتاريخي المتعلق بعلاقة الإسلام المبكر بيهود الجزيرة العربية، وما زالت حتى اليوم موضع قراءات وتأويلات متباينة بين المؤرخين المسلمين والمستشرقين الغربيين والباحثين اليهود على حد سواء.
تَقتُلُ مقاتلتَهم وتسبي ذراريَّهم.
— سعد بن معاذ، نص حكمه في بني قريظة كما رواه أبو سعيد الخدري، صحيح البخاري