غزوة بني النضير حادثة وقعت في السنة الرابعة للهجرة (نحو أغسطس 625م)، أفضت إلى إجلاء قبيلة بني النضير اليهودية عن المدينة المنورة، وهي ثاني قبيلة يهودية من قبائل المدينة الثلاث الكبرى تُجلى عن ديارها بعد بني قينقاع، تلتها بنو قريظة بعد غزوة الخندق عام 627م. وقد وردت تفاصيل هذه الحادثة في مصادر السيرة النبوية المبكرة، وعلى رأسها سيرة ابن إسحاق بروايتها التي دوّنها ابن هشام، وتاريخ الطبري، كما نزلت بشأنها آيات من سورة الحشر التي سُمّيت بهذا الاسم إشارة إلى إجلاء بني النضير عن ديارهم.
| معلومات عامة | |
| التاريخ | ربيع الأول 4هـ (نحو أغسطس 625م) |
| المكان | ديار بني النضير، ضواحي المدينة المنورة |
| الطرفان | المسلمون بقيادة النبي محمد، وقبيلة بني النضير اليهودية |
| النتيجة | إجلاء بني النضير عن المدينة دون قتال مباشر |
| السياق | |
| سبق الحادثة | هزيمة المسلمين في أحد (625م)، حادثة بئر معونة |
| القبيلة الحليفة لبني النضير | بنو عامر |
| مآل بني النضير | النزوح إلى خيبر، ونزوح بعضهم إلى الشام |
| الأثر القرآني | |
| السورة المرتبطة بالحادثة | سورة الحشر (59) |
| الحكم الفقهي الناشئ | تأسيس أحكام الفيء |
خلفية العلاقة بين بني النضير والمسلمين
كانت بنو النضير واحدة من ثلاث قبائل يهودية كبرى استوطنت واحة يثرب (المدينة) قبل هجرة النبي محمد إليها، إلى جانب بني قينقاع وبني قريظة. وبعد هجرة النبي إلى المدينة عام 622م، عقد مع القبائل اليهودية فيها، ومن بينها بنو النضير، معاهدة تعارف لاحقًا بـ”وثيقة المدينة”، نظّمت العلاقة بين المهاجرين والأنصار من جهة وسكان المدينة اليهود من جهة أخرى، وقضت بالتعاون على الدفاع عن المدينة في حال تعرضها لهجوم خارجي. غير أن العلاقة بين المسلمين واليهود في المدينة تدهورت تدريجيًا في الأشهر والسنوات التالية، وشهدت أولى الأزمات الكبرى عام 624م حين أجلى النبي قبيلة بني قينقاع عن المدينة إثر نزاع تصاعد إلى مواجهة مسلحة قصيرة.
حادثة بئر معونة وطلب الدية
بحسب رواية ابن إسحاق التي حفظها ابن هشام في سيرته، جاءت الشرارة المباشرة لأزمة بني النضير بعد حادثة بئر معونة، حين قُتل رجلان من قبيلة بني عامر خطأً على يد عمرو بن أمية الضمري، أحد أصحاب النبي، ظنًّا منه أنهما من الأعداء رغم حملهما أمانًا من النبي. وبما أن بني عامر كانوا حلفاء لبني النضير بموجب معاهدة قديمة بينهما، توجه النبي إلى ديار بني النضير طالبًا مساعدتهم في دفع دية القتيلين، تماشيًا مع التزامات التحالف بينهما.
محاولة الاغتيال المزعومة
تذكر روايات السيرة أن بني النضير أظهروا في البداية استعدادًا للمساعدة في دفع الدية، وطلبوا من النبي وأصحابه الجلوس بجوار أحد جدرانهم ريثما يحضّرون ما طُلب منهم. غير أن الرواية تفيد بأن بعض زعماء بني النضير تآمروا سرًا لإلقاء صخرة كبيرة على النبي من أعلى الجدار لقتله، فأُخبر النبي بهذا التدبير، وفق الرواية، فانصرف عائدًا إلى المدينة دون أن يُظهر شيئًا من ذلك لأصحابه الجالسين معه. وقد اعتُبرت هذه الحادثة، بحسب المصادر الإسلامية المبكرة، خرقًا صريحًا للمعاهدة القائمة بين النبي وبني النضير، فأرسل إليهم يأمرهم بمغادرة المدينة خلال عشرة أيام.
الحصار وقطع النخيل
رفضت بنو النضير في البداية الانصياع للأمر بالجلاء، معتمدين على وعود بالنصرة تلقّوها من عبد الله بن أُبيّ بن سلول وبعض حلفائه من المنافقين في المدينة، الذين وعدوهم بالقتال إلى جانبهم إن حوصروا أو مرافقتهم إن اضطروا للرحيل. فحاصر النبي حصونهم لمدة أسبوعين تقريبًا، وأمر خلال الحصار بقطع بعض نخيلهم وحرقه، وهو إجراء أثار استنكار بني النضير الذين اعتبروه مخالفًا لما عهدوه من نهي عن الإفساد في الأرض. وقد أشارت آية من سورة الحشر لاحقًا إلى هذا الإجراء، معتبرة إياه واقعًا بإذن إلهي.
خذلان الحلفاء المزعومين والاستسلام
لم يفِ عبد الله بن أُبيّ وحلفاؤه بوعودهم بنصرة بني النضير حين اشتد عليهم الحصار، فوجدت القبيلة نفسها معزولة دون سند خارجي فعلي، وهو ما وصفته الآيات القرآنية لاحقًا بأن الله ألقى الرعب في قلوبهم. إزاء هذا الموقف، قبلت بنو النضير في نهاية المطاف بشروط الجلاء التي عرضها النبي، والتي سمحت لهم بمغادرة المدينة مع ما استطاعوا حمله من أمتعتهم على ظهور إبلهم، باستثناء أسلحتهم ودروعهم، وتركوا خلفهم أراضيهم ونخيلهم وحصونهم. نزح معظم أفراد القبيلة إلى واحة خيبر اليهودية شمال المدينة، بينما توجه بعضهم نحو أطراف بلاد الشام.
هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب.
— القرآن الكريم، سورة الحشر، الآيتان 2-3
سورة الحشر وأحكام الفيء
جاءت الآيات الأولى من سورة الحشر، التي أخذت اسمها من هذه الحادثة، لتصف إجلاء بني النضير وتؤسس في الوقت ذاته حكمًا فقهيًا جديدًا يتعلق بكيفية التصرف في الأراضي والأموال التي تُركت. فبخلاف الغنائم التي تُنتزع عادة عبر قتال فعلي وتُوزَّع وفق قواعد معينة بين المقاتلين، اعتُبرت أملاك بني النضير “فيئًا”، أي مالًا آل إلى المسلمين دون قتال مباشر بفضل انسحاب الطرف الآخر، فخُصّ به النبي تصرفًا يوزعه كيفما يشاء، ووُزّع معظمه بالفعل على فقراء المهاجرين، بخلاف الأنصار الذين لم يكونوا في حاجة إلى نصيب منه بحسب الرواية.
أثر الحادثة: من خيبر إلى غزوة الخندق
لم تنتهِ قصة بني النضير بمجرد استقرارهم في خيبر؛ إذ تذكر مصادر السيرة أن عددًا من زعمائهم، وعلى رأسهم حُيَي بن أخطب، توجهوا إلى مكة عقب استقرارهم في خيبر، وسعوا إلى تحريض قريش وحلفائها من القبائل العربية على شنّ حملة موحدة لاجتياح المدينة، وهو ما أسفر لاحقًا عن تشكّل تحالف “الأحزاب” الذي حاصر المدينة عام 627م فيما عُرف بغزوة الخندق. وقد فشل هذا التحالف في نهاية المطاف في اقتحام المدينة، لتشهد الأشهر التالية إجلاء بني قريظة، آخر القبائل اليهودية الكبرى في المدينة، في ظروف مختلفة تمامًا انتهت بمصير أكثر دموية طالته إثر اتهامها بالتواطؤ مع المحاصرين خلال غزوة الخندق.
ملاحظات حول مصادر الحادثة
تعتمد تفاصيل هذه الحادثة، كما هو الحال مع معظم وقائع السيرة النبوية في المدينة، بشكل أساسي على مصادر إسلامية مبكرة دُوّنت بعد وقوع الأحداث بعقود، أبرزها سيرة ابن إسحاق بروايتها عبر ابن هشام، وما نقله لاحقًا الطبري في تاريخه، وذلك في ظل شبه غياب لمصادر مستقلة معاصرة للحدث خارج التراث الإسلامي نفسه، وهو ما يدفع بعض الباحثين المعاصرين، مسلمين وغير مسلمين، إلى مناقشة مسائل تتعلق بتاريخ تدوين هذه الروايات ومدى دقة تفاصيلها الجزئية، وإن كان الإطار العام للحادثة، أي إجلاء بني النضير عن المدينة في هذه الفترة، محل اتفاق واسع بين الباحثين المتخصصين في تاريخ الإسلام المبكر.