إعلان بلفور (بالإنجليزية: Balfour Declaration) هو رسالة رسمية تاريخية صدرت بتاريخ 2 نوفمبر 1917م عن وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد قادة الجالية اليهودية في بريطانيا، ليُوجِّهها إلى الاتحاد الصهيوني في بريطانيا وأيرلندا، أعلنت فيها الحكومة البريطانية دعمها لـ«إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين». صدر هذا الإعلان في قلب أحداث الحرب العالمية الأولى، حين كانت فلسطين جزءاً من الدولة العثمانية يقطنها أكثر من 90% عرباً من مسلمين ومسيحيين، في مقابل أقلية يهودية ضئيلة. جاء هذا الوعد ثمرةً لمفاوضات سرية ممتدة بين الحكومة البريطانية والقيادة الصهيونية، يتصدّرها القائد الصهيوني حاييم وايزمان وناحوم سوكولوف، اللذان نجحا في اقتناص الدعم البريطاني عبر استثمار ظروف الحرب الضاغطة. يُعدّ الإعلان من أكثر الوثائق الدبلوماسية إثارةً للجدل في التاريخ الحديث، لما اتسم به من تناقضات جوهرية مع التعهدات البريطانية الأخرى للعرب في مراسلات حسين-مكماهون عام 1915م وفي اتفاقية سايكس-بيكو السرية عام 1916م. أُدرج الإعلان لاحقاً في صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين الذي أقرّته عصبة الأمم عام 1922م، ليكتسب بذلك صفةً قانونية دولية رسّخت التزامات بريطانيا بدعم المشروع الصهيوني. أفضت تداعياته في نهاية المطاف إلى إعلان دولة إسرائيل عام 1948م وما رافقه من نكبة أسفرت عن تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني من أرضهم. وصفه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بأنه وعد «صدر من قوة استعمارية أوروبية بشأن أرض غير أوروبية في تجاهل صريح لوجود الأغلبية السكانية الأصلية وإرادتها»، فيما يراه كثير من الفلسطينيين والعرب «الوثيقة الأكثر تدميراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث».

إعلان بلفور
التسمية الرسمية رسالة بلفور إلى روتشيلد (Balfour to Rothschild Letter)
تاريخ الإصدار 2 نوفمبر 1917م
تاريخ النشر الصحفي 9 نوفمبر 1917م
المُصدِر آرثر جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني
المُرسَل إليه اللورد ليونيل والتر روتشيلد، رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني
رئيس الوزراء آنذاك دافيد لويد جورج
محتوى الإعلان
الوعد الجوهري دعم إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين
التحفظ الوارد «ألا يُضار بذلك الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية القائمة في فلسطين»
عدد كلمات الرسالة 67 كلمة فقط
عدد مسودات الرسالة 5 مسودات على الأقل (يونيو – أكتوبر 1917م)
السياق التاريخي
الحالة السياسية لفلسطين ولاية عثمانية (الدولة العثمانية)
نسبة السكان العرب عام 1917م أكثر من 90% من إجمالي السكان
التعارض مع وعود أخرى مراسلات حسين-مكماهون (1915م)، اتفاقية سايكس-بيكو (1916م)
القائد الصهيوني الرئيسي حاييم وايزمان (رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني)
التبعات والمآلات
إدراجه في الانتداب صك الانتداب البريطاني على فلسطينعصبة الأمم، 24 يوليو 1922م
نسبة اليهود عام 1922م 9% من إجمالي السكان
نسبة اليهود عام 1935م قرابة 27% من إجمالي السكان
المحطة النهائية إعلان دولة إسرائيل 1948م + النكبة الفلسطينية (تهجير 700,000+)
الورقة البيضاء المعدِّلة الورقة البيضاء البريطانية (مايو 1939م) — تحديد الهجرة بـ75,000
مكان الوثيقة الأصلية الأرشيف الوطني البريطاني، لندن
COSMALORE · الموسوعة العربية

أولاً: السياق التاريخي — فلسطين والحرب العالمية الأولى

لا يمكن فهم إعلان بلفور بمعزل عن مناخ الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) ومساعي الإمبراطورية البريطانية في تقطيع أوصال الدولة العثمانية وتوزيع إرثها. حين اندلعت الحرب في أغسطس 1914م، كانت فلسطين ولايةً عثمانية يقطنها ما يزيد على 700,000 نسمة، تشكّل الغالبية العربية منهم نسبةً تتجاوز 90%، غالبيتهم مسلمون مع أقلية مسيحية، فيما لم تتجاوز نسبة اليهود — معظمهم من المهاجرين الذين وفدوا في موجات الاستيطان الصهيوني الأولى (العليا الأولى والثانية) منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر — نسبةً ضئيلة من مجموع السكان.

في نوفمبر 1914م أعلنت بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، وشرعت فوراً في التفكير بالمستقبل السياسي للمناطق التي كانت ترزح تحت السيطرة العثمانية في الشرق الأوسط. أسفر هذا التخطيط عن مسارات متوازية ومتناقضة في آن واحد؛ إذ كانت بريطانيا تُجري مفاوضات سرية مع الشريف حسين بن علي أمير مكة، وفي الوقت ذاته تُبرم اتفاقية سرية مع فرنسا لتوزيع النفوذ في المشرق، ومن ثَمّ تُقدم على تقديم وعودها لقادة الحركة الصهيونية. كان الضغط العسكري الهائل الذي تعانيه بريطانيا في الجبهتين الغربية والشرقية العامل الأشد حضوراً في دفع الحكومة نحو البحث عن أي ورقة دبلوماسية قد تمنحها أفضلية ولو هامشية.

بحلول عام 1917م كانت الحرب قد دخلت طور التعادل المُنهِك على الجبهة الغربية، وكانت روسيا تتهاوى نحو الثورة مما هدّد استمرار مشاركتها في الحرب، فيما لم تكن الولايات المتحدة قد زجّت بعد بعدد كافٍ من جنودها في ميادين القتال. في هذا المناخ المُتشابك صاغت القيادة البريطانية حسابات باردة مفادها أن تبنّي الإعلان الصهيوني قد يُدر عليها فوائد دعائية واستراتيجية جمّة: استمالة اليهود في روسيا لثني الثوار عن الانسحاب من الحرب، واستقطاب التعاطف اليهودي في الولايات المتحدة لتسريع انخراطها الكامل، وتعزيز الادعاءات البريطانية على فلسطين في مواجهة التنافس الفرنسي.

ثانياً: آرثر جيمس بلفور — الرجل وراء الإعلان

وُلد آرثر جيمس بلفور في الخامس والعشرين من يوليو 1848م في ويتنغيم بمقاطعة إيست لوثيان الاسكتلندية، ينحدر من عائلة ثرية من الأرستقراطية البريطانية، وكانت والدته شقيقةً لرئيس الوزراء الأسبق اللورد سالزبيري الذي كان مُرشده السياسي وراعيه في مسيرته الحزبية المحافظة. تلقّى تعليمه في إيتون ثم في كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، حيث برع في الفلسفة وأصدر كتاباً في الفلسفة المشككة عام 1879م. دخل البرلمان البريطاني عام 1874م ممثلاً للمحافظين، وتدرّج في المناصب الحكومية حتى تولّى رئاسة الوزراء بين عامَي 1902 و1906م، حيث اكتسب لقب «بلفور الدموي» جراء قمعه العنيف للانتفاضات الإيرلندية.

المفارقة الصارخة في سيرة بلفور أنه أصدر إعلانه لصالح اليهود في عام 1917م، بينما كان هو نفسه قد أصدر عام 1905م قانون الأجانب (Aliens Act) الذي كان يستهدف في جوهره تقييد الهجرة اليهودية إلى بريطانيا من أوروبا الشرقية. وقد دفع هذا التناقض باحثين عديدين إلى القول بأن دعم بلفور للصهيونية لم يكن انعكاساً لتعاطف عميق مع اليهود بقدر ما كان أداةً لتصدير يهود أوروبا نحو فلسطين بدلاً من السماح لهم بالاستقرار في بريطانيا. غير أن بلفور نفسه وصف صهيونيته بأنها ذات طابع مسيحي إنجيلي، إذ تأثّر بالتفسيرات الكتابية التوراتية التي تبشّر بعودة اليهود إلى «أرض الميعاد»، كما أن علاقته الشخصية بحاييم وايزمان منذ لقائهما الأول عام 1906م شكّلت عاملاً لا يُستهان به في رسم موقفه.

تولّى بلفور منصب وزير الخارجية في حكومة دافيد لويد جورج التي تشكّلت في ديسمبر 1916م، غير أن تاريخيي الحكومة البريطانية يُجمعون على أنه لم يكن المحرّك الأوحد للإعلان، بل كان جزءاً من منظومة سياسية شاملة يقودها لويد جورج بقناعة راسخة بضرورة تفكيك الإمبراطورية العثمانية وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لصالح المصالح البريطانية بعد الحرب.

ثالثاً: الحركة الصهيونية والسعي نحو الوطن القومي

نشأت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر استجابةً للأحداث العنيفة التي تعرّض لها يهود أوروبا الشرقية، ولا سيما موجات الاضطهاد والمجازر (البوغروم) التي شهدتها الإمبراطورية الروسية بين عامَي 1881 و1884م. كان المنظّر السياسي الأبرز لهذه الحركة ليو بينسكر الذي أصدر عام 1882م كتابه «التحرر الذاتي» (Auto-Emancipation) داعياً إلى إنشاء وطن قومي يهودي مستقل، قبل أن يُطوّر ثيودور هرتزل هذه الأفكار بصورة أكثر نضجاً وتنظيماً في كتابه «الدولة اليهودية» (Der Judenstaat) الصادر عام 1896م.

برز حاييم وايزمان (1874-1952م)، الكيميائي الحيوي ورجل الدولة الصهيوني البولندي-البريطاني، بوصفه أبرع قائد سياسي للحركة الصهيونية في تلك المرحلة الحاسمة؛ فقد أتقن فن الدبلوماسية السياسية واستطاع أن ينسج علاقات وثيقة مع قمة الهرم السياسي البريطاني، من بلفور إلى لويد جورج ومن ونستون تشرشل إلى المسؤولين في وزارة الخارجية. كان وايزمان قد عرف بلفور للمرة الأولى عام 1906م في مانشستر حين أثار إعجابه بحديثه المُقنع عن الصهيونية والحوافز التي تدفع اليهود نحو الهجرة إلى فلسطين. وقد استثمر وايزمان كذلك مكانته العلمية كيميائياً بارزاً في جامعة مانشستر، وعلاقته بصحيفة المانشستر غارديان وصاحبها المؤثر سي بي سكوت، لإيصال الرسالة الصهيونية إلى أوسع شرائح النخبة البريطانية.

لم تكن الصهيونية عام 1917م قضية تحظى بتأييد واسع بين يهود العالم؛ إذ يُقدّر المؤرخ ديفيد فرومكين في كتابه «سلام لإنهاء السلام» (A Peace to End All Peace) أنه حتى عام 1913م لم يكن أكثر من 1% من يهود العالم قد أعلنوا انتماءهم إلى الحركة الصهيونية. بل إن إدوين مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني آنذاك وكاتب الدولة للشؤون الهندية، عارض الإعلان معارضةً شديدة معتبراً أن «الصهيونية كانت دائماً شعاراً سياسياً ضاراً، لا يستطيع أن يتبنّاه أي مواطن وطني في المملكة المتحدة»، وحذّر بلغة حادة من أن الإعلان سيُحوّل يهود العالم إلى «أجانب في كل بلد ما عدا فلسطين».

رابعاً: الدوافع البريطانية لإصدار الإعلان

تتشابك وراء إعلان بلفور دوافع بريطانية متعددة ومتشعّبة، اقتصادية وعسكرية ودينية وجيوسياسية، تجعل تحديد دافع أوحد وراءه أمراً متعسّراً. يُجمع معظم المؤرخين على أن الدافع الأبرز كان الاستراتيجية الحربية؛ إذ رأت بريطانيا في الإعلان وسيلةً فعّالة لكسب التعاطف اليهودي في روسيا والولايات المتحدة، وهما الدولتان اللتان كان دورهما الحربي مرهوناً بمتغيرات سياسية داخلية دقيقة في تلك الحقبة بالذات. فقد رسم بلفور في اجتماع مجلس الحرب في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1917م صورةً بالغة الأهمية قائلاً: «إن الأغلبية العظمى من اليهود في روسيا وأمريكا، كما في سائر أرجاء العالم، باتت الآن مؤيدة للصهيونية. فإذا أصدرنا إعلاناً مؤيداً لهذا المثل الأعلى، فسنكون قادرين على ممارسة دعاية بالغة النفع في روسيا وأمريكا».

ثانية الدوافع كان تأمين النفوذ البريطاني على فلسطين في مواجهة التنافس الفرنسي؛ إذ كانت بريطانيا تسعى إلى إثبات وصاية خاصة على فلسطين بحجة دعم المشروع الصهيوني الذي كانت لها فيه أسبقية ومصداقية، خصوصاً أن قناة السويس المجاورة كانت شرياناً حيوياً للإمبراطورية في طريقها إلى الهند. أما الدافع الثالث فكان الحماس الديني المسيحي لدى قادة بريطانيين بارزين كلويد جورج وبلفور ذاتهما، الذين نشآ على تلاوة التوراة وتأثّروا بمفهوم «استعادة إسرائيل» اللاهوتي الذي كان يروج في الأوساط البروتستانتية الإنجليزية. وقد أشار الباحث تشارلز سميث في دراسته المرجعية إلى أن لويد جورج صرّح بأنه «نشأ أكثر دراية بتاريخ اليهود في عهد موسى منه بتاريخ ويلز».

الدافع الرابع، وربما الأكثر إثارةً للجدل، هو ما تكشفه الوثائق البريطانية المُفرَج عنها من أن مسؤولين بريطانيين كانوا يعتقدون اعتقاداً راسخاً — مبالغاً فيه كثيراً — بأن «اليهود» يسيطرون على المصارف الدولية ووسائل الإعلام وصنع القرار السياسي في الدول الكبرى، وأن استمالتهم ستمنح بريطانيا ورقة ضغط استثنائية في الساحة الدولية. كتب المؤرخ البريطاني ماثيو يافي أن المسؤولين البريطانيين «أحبّوا ‘اليهود’ في الوقت الذي كانوا يحتقرونهم فيه، وكانوا في الوقت ذاته يعجبون بهم ويُقلّلون من شأنهم، وفوق كل شيء كانوا يخشونهم».

خامساً: مراحل الصياغة والمفاوضات

خاضت الوثيقة رحلةً طويلة من المفاوضات والمسودات المتعاقبة قبل أن تبلغ صورتها النهائية؛ فقد تتبّع المؤرخ ليونارد شتاين في كتابه الموثّق «إعلان بلفور» الصادر عام 1961م خمس مسودات رئيسية مرّت بها الرسالة بين يونيو وأكتوبر 1917م. بدأت المفاوضات الجدية في السابع من فبراير 1917م حين التقى مارك سايكس — مستشار وزارة الخارجية البريطانية لشؤون الشرق الأوسط — بالقيادة الصهيونية في لقاء وُصف لاحقاً بأنه «أول مباحثات حقيقية».

في التاسع عشر من يونيو 1917م طلب بلفور رسمياً من اللورد روتشيلد ووايزمان صياغة مسوّدة إعلان رسمي، فأعدّ الطرف الصهيوني مسوّدته الأولى التي طالبت بـ«إعادة تأسيس فلسطين وطناً قومياً للشعب اليهودي» بصياغة أكثر صرامة وأشد وضوحاً مما انتهت إليه الصيغة النهائية. ناقش مجلس الوزراء البريطاني هذه المسودات في سبتمبر وأكتوبر 1917م مع الاستماع إلى آراء الصهاينة والمعارضين لهم من اليهود البريطانيين، دون أن يكون للعرب الفلسطينيين — أصحاب الأرض والأغلبية الساحقة من سكانها — أي تمثيل أو صوت في هذه المفاوضات على الإطلاق.

في محضر اجتماع مجلس الحرب المنعقد في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1917م أُقرّت الصياغة النهائية للرسالة، وفي اليوم التالي مباشرة — الثاني من نوفمبر 1917م — وقّع بلفور رسالته إلى روتشيلد. جاءت الصياغة النهائية أكثر تحفّظاً مما كان يرجوه الصهاينة؛ إذ استُبدل «إعادة تأسيس فلسطين وطناً» بـ«إقامة وطن قومي في فلسطين»، وأُضيفت جملة تحفّظية تصون حقوق «الطوائف غير اليهودية»، كما استُبعدت أي إشارة إلى «دولة يهودية» صريحة. غير أن اللورد كيرزون — عضو مجلس الوزراء الأكثر تشككاً — تنبّه إلى ما قال عنه: «إنني متأكد تماماً أن وايزمان يعني بـ’وطن قومي’ شيئاً مختلفاً كلياً عمّا نعنيه»، في إشارة إلى أن الهدف الصهيوني الفعلي كان «دولة يهودية» كاملة السيادة.

سادساً: نص الإعلان وتحليله اللغوي والقانوني

تضمّنت رسالة بلفور التاريخية عبارات بالغة الإيجاز في مبناها لكنها بالغة الأثر في معناها، لا تتجاوز في مجموعها سبعاً وستين كلمة انطوت على أكثر الصياغات الدبلوماسية التبسيطية إثارةً للجدل في القرن العشرين:

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتحقيق هذه الغاية، مع التفاهم الجلي بأنه لن يُؤتى بعمل من شأنه المساس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بحقوق اليهود أو أوضاعهم السياسية في أي بلد آخر.
— آرثر جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني، 2 نوفمبر 1917م

يُشير المحللون القانونيون إلى أن هذا النص ينطوي على غموض مُتعمَّد ينعكس في اختياراته اللغوية الدقيقة. فعبارة «وطن قومي» (National Home) لم تكن مصطلحاً معروفاً في القانون الدولي ولم يكن له سابقة في التاريخ الدبلوماسي، ولم يتضمّن أي إشارة إلى «دولة» أو «حكومة» أو «سيادة»، مما أتاح تفسيرات متباينة: رأى الصهاينة فيه وعداً بدولة مستقلة، بينما كانت بريطانيا تُروّج لتفسير أضيق يقتصر على «مجتمع ثقافي ومدني» داخل إطار سياسي عثماني أو دولي. وقد أكد كلٌّ من بلفور ولويد جورج في لقاء عام 1922م مع وايزمان أن الإعلان «كان دائماً يعني في نهاية المطاف إقامة دولة يهودية».

أما جملة التحفّظ المتعلقة بـ«الحقوق المدنية والدينية» للعرب، فتبدو في ظاهرها حمايةً للأغلبية السكانية، لكن المتأمل في صياغتها يُدرك أنها تقتصر على الحقوق «المدنية والدينية» دون أن تذكر الحقوق «السياسية والوطنية» التي كانت في قلب المطالبة العربية، فضلاً عن أنها صاغت العرب — وهم أكثر من 90% من سكان فلسطين — في عبارة سلبية كاشفة: «الطوائف غير اليهودية»، في مقابل «الشعب اليهودي» الذي حضر بوصفه هوية إيجابية مُعترفاً بها. ولاحظ المؤرخ الإسرائيلي أفي شلايم أن بلفور نفسه أقرّ عام 1919م أن فلسطين كانت «حالة استثنائية» رفضت فيها بريطانيا «عمداً» تطبيق مبدأ حق تقرير المصير على الأغلبية العربية، واصفاً هذا بـ«أبرز تناقضات الإعلان».

سابعاً: التناقضات البريطانية — الإعلان ووعود متعارضة

تُمثّل مسألة التناقضات في الوعود البريطانية المحور الأشد خطورةً في سرديّة إعلان بلفور؛ إذ أقدمت بريطانيا في غضون سنتين على تقديم ثلاثة تعهدات متنافرة تتعلق بمستقبل الأرض الفلسطينية ذاتها. كان التعهد الأول مراسلات حسين-مكماهون (1915-1916م)، حين تبادل هنري مكماهون، المندوب البريطاني السامي في مصر، عشر رسائل مع الشريف حسين بن علي أمير مكة، أقرّت بمقتضاها بريطانيا بدعم إقامة مملكة عربية مستقلة تشمل معظم المشرق العربي في مقابل إطلاق الثورة العربية ضد العثمانيين. قرأ الشريف حسين أن هذا الوعد كان يشمل فلسطين، وهو ما أكدته وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية لاحقاً.

جاء التعهد الثاني متمثلاً في اتفاقية سايكس-بيكو السرية المبرمة في مايو 1916م بين بريطانيا وفرنسا، والتي وزّعت مناطق النفوذ في الشرق الأوسط العربي بين الدولتين وجعلت فلسطين تحت إدارة دولية. كشف البلاشفة عن هذه الاتفاقية السرية في نوفمبر 1917م — بالتزامن تقريباً مع صدور إعلان بلفور — مما أوقع بريطانيا في حرج دبلوماسي بالغ مع شركائها العرب، فأرسلت إلى الشريف حسين مطمئناتٍ مُضلِّلة بأن تعهداتها للعرب لا تزال سارية المفعول.

وقف الشريف حسين والقيادات العربية على حجم الغدر البريطاني المتكشّف؛ فقد رفض حسين التوقيع على معاهدة فرساي عام 1920م احتجاجاً على إعلان بلفور بوصفه خيانةً صريحة للوعود التي أُعطيت له. وفي خطوة كانت صادمة في دلالاتها، أرسلت بريطانيا في يناير 1918م المقدّم ديفيد هوغارث إلى الشريف حسين حاملاً رسالة تطمينية تُؤكد أن «الحرية السياسية والاقتصادية» للسكان الفلسطينيين ليست موضع شك، دون أن يُنبَّه الشريف صراحةً إلى ما كانت بريطانيا تُضمر فعلاً من دعم مشروع الاستيطان الصهيوني بشكل منهجي.

لقد وعدت أمة أوروبية، بجدية تامة، أمةً ثانية، بأرض أمة ثالثة.
— آرثر كوستلر، الصحفي والروائي البريطاني-الهنغاري، في وصفه لمفارقة إعلان بلفور

ثامناً: ردود الفعل الفورية — الفرح الصهيوني والرفض العربي

نُشر نص الإعلان في الصحف البريطانية في التاسع من نوفمبر 1917م، فجاءت ردود الفعل متباينة تبايناً حاداً. في الأوساط الصهيونية اندلعت موجة ابتهاج عارمة؛ إذ رأى وايزمان وزملاؤه في الإعلان إنجازاً تاريخياً طال انتظاره يُمثّل أول اعتراف دولي رسمي بالمطالبة الصهيونية بفلسطين. وقد احتفل اليهود في فلسطين وأوروبا وأمريكا بالحدث، وأصبح الثاني من نوفمبر عيداً قومياً يهودياً يُحتفل به سنوياً حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، أبدى العرب الفلسطينيون والقيادات العربية رفضاً قاطعاً للإعلان وتعاملوا معه بوصفه طعنةً في الظهر للوعود البريطانية. أعلنت جمعيات المسلمين والمسيحيين التي تشكّلت في عام 1918م في كبرى المدن الفلسطينية كالقدس ويافا ونابلس عن رفضها الصريح وأطلقت نداءات بالحكم الذاتي وإبطال الإعلان. وأحيا الفلسطينيون الثاني من نوفمبر من كل عام بين 1918 و1936م يوماً للحداد الوطني، يصحبه إضراب عام واحتجاجات شعبية، قبل أن يُفضي القمع البريطاني لثورة 1936م إلى قطع هذا التقليد. وقد وصف الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد الإعلان بلغة قاطعة جمعت في جملة واحدة أربعة تناقضات صارخة: صدر «من قوة استعمارية أوروبية، بشأن أرض غير أوروبية، بتجاهل صريح لوجود الأغلبية السكانية الأصلية، وإرادتها».

تاسعاً: انتداب عصبة الأمم — الإعلان يكتسب قوة القانون الدولي

في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسقوط القدس في أيدي القوات البريطانية في ديسمبر 1917م، ثم استكمال الاحتلال البريطاني لفلسطين بأكملها بحلول أكتوبر 1918م، أُرسي الوضع القانوني الجديد رسمياً في مؤتمر سان ريمو عام 1920م حين مُنحت بريطانيا الانتداب على فلسطين، وتُوِّج هذا الانتداب بموافقة مجلس عصبة الأمم في الرابع والعشرين من يوليو 1922م.

تضمّنت ديباجة صك الانتداب نصّ إعلان بلفور كاملاً، فاكتسب الوعد البريطاني بذلك صفةً دوليةً إلزامية ملزمة لبريطانيا أمام المجتمع الدولي. وقد أضافت ديباجة الانتداب تبريراً غائباً عن الإعلان الأصلي هو «الاعتراف بالصلة التاريخية للشعب اليهودي بفلسطين»، مما يُدل على توسّع متعمَّد في حجم الالتزام البريطاني. في المقابل، وصف الانتداب العرب الفلسطينيين — أصحاب الأرض وأغلبيتها الساحقة — بـ«الطوائف غير اليهودية في فلسطين»، دون أي إقرار بحقوقهم السياسية أو الوطنية أو حقهم في تقرير المصير. وقد خلص المؤرخون القانونيون إلى أن إدراج الإعلان في صك الانتداب حوّله من وعد سياسي إلى «التزام قانوني دولي» تضامنت معه القوى الكبرى بموافقتها على الانتداب.

عاشراً: الأثر الديموغرافي — الهجرة اليهودية وتحوّل فلسطين

انعكست تبعات الإعلان والانتداب انعكاساً مباشراً في الحجم الهائل للهجرة اليهودية إلى فلسطين التي رعاها الانتداب البريطاني؛ ففي عام 1922م، بحسب أول إحصاء بريطاني، لم تتجاوز نسبة اليهود في فلسطين 9% من إجمالي السكان. بيد أن هذه النسبة قفزت قفزاً لافتاً لتبلغ نحو 27% بحلول عام 1935م، وهو ما يعني تضاعفها ثلاث مرات في غضون ثلاثة عشر عاماً فحسب. وقد أعلت هذه الموجات المتتالية من الهجرة سقف التوترات الطائفية بين العرب واليهود، وأفضت إلى انتفاضات وأعمال عنف متكررة ذات طابع قومي مزداد.

حاولت بريطانيا في الثلاثينيات، وسط المعاناة التي خلّفتها الأزمة الاقتصادية العالمية والثورة العربية الكبرى (1936-1939م)، أن تتراجع عن بعض التزاماتها الصهيونية. أصدرت الورقة البيضاء عام 1939م التي حدّدت الهجرة اليهودية بخمسة وسبعين ألف مهاجر إضافي فقط حتى عام 1944م، وهو قرار ندّد به الصهاينة بشدة بينما جاء متأخراً كثيراً ليغيّر المسار الاستراتيجي الذي رسمه الإعلان ووطّده الانتداب. وقد جاء اندلاع الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من أهوال الهولوكوست ليُعيد شحن الزخم الدولي نحو دعم إنشاء دولة يهودية، مما أفضى في نهاية المطاف إلى قرار تقسيم الأمم المتحدة عام 1947م وإعلان دولة إسرائيل في الخامس عشر من مايو 1948م.

حادي عشر: الإرث المفتوح — النكبة الفلسطينية وما بعدها

يرتبط إعلان بلفور في الذاكرة الجماعية العربية والفلسطينية ارتباطاً وثيقاً بالنكبة الفلسطينية عام 1948م؛ إذ يرى الفلسطينيون أن الوعد البريطاني كان المحرّك الأول في سلسلة من القرارات الدولية التي أُفضت في نهاية مطافها إلى تهجير أكثر من 700,000 فلسطيني من أراضيهم وقراهم خلال حرب 1948م، وإلى ما لحق بهم ولاحق بأحفادهم من أزمة لجوء لا تزال مفتوحة حتى اليوم.

في عام 2017م، في الذكرى المئوية لإعلان بلفور، طالبت السلطة الفلسطينية بريطانيا بتقديم اعتذار رسمي عن الإعلان، كما وصف وزير الخارجية الفلسطيني آنذاك ما صدر عن بريطانيا بأنه «جريمة ارتُكبت في حق شعبنا». بيد أن الحكومة البريطانية رفضت تقديم أي اعتذار، مكتفيةً بالإعلان عن فخرها بالإعلان ودوره في إطار ما وصفته بـ«إنجاز إنساني». وقد ذهب المؤرخ الإسرائيلي البارز أفي شلايم إلى أنه «من دون إعلان بلفور، لم يكن ثمة إسرائيل»، بينما دأب معارضون للإعلان على الاستشهاد بما كتبه المؤرخ البريطاني ووتر لايدر من أن الإعلان كان «السند القانوني» الأوّل لما جرى في فلسطين.

ثاني عشر: الإعلان في المنظور الحقوقي والقانوني الدولي المعاصر

يستمر النقاش الحقوقي والقانوني حول إعلان بلفور حتى في القرن الحادي والعشرين. فمن الناحية القانونية الدولية، يرى فريق من الباحثين أن بريطانيا لم تكن تمتلك أصلاً أي صلاحية قانونية لمنح أرض لا تملكها ولا سيادة لها عليها وقت إصدار الإعلان، مستندين إلى أن فلسطين كانت جزءاً من الدولة العثمانية، وأن أي تصرف بها دون موافقة أصحابها كان مخالفاً لأعراف القانون الدولي حتى بمعايير ذلك الزمان.

رصد تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 1978م بعنوان «أصول قضية فلسطين وتطورها» أن «التناقضات الجوهرية في صك الانتداب تنبع في جوهرها من إدراج إعلان بلفور فيه»، مُقرّراً أن فلسطين كانت الحالة الوحيدة التي أفضى فيها نظام الانتداب لا إلى استقلال الشعب الأصلي، بل إلى نزاع لا يزال مستمراً حتى اليوم. ويظل إعلان بلفور في طليعة الوثائق الأكثر استحضاراً في النقاشات الدولية حول القضية الفلسطينية، رمزاً حياً للإشكاليات التي تتقاطع فيها الإمبريالية والهوية القومية وحقوق الإنسان والقانون الدولي في أعقد صورها وأكثرها تشعباً.