أنغيلا دوروتيا ميركل (17 يوليو 1954–) سياسية ألمانية وعالمة فيزياء سابقة، شغلت منصب المستشارة الاتحادية لجمهورية ألمانيا الاتحادية من نوفمبر 2005 إلى ديسمبر 2021، وكانت أول امرأة تتولى منصب المستشار في تاريخ ألمانيا الاتحادية. امتدت فترة حكمها ستة عشر عاماً، جعلتها من أطول المستشارين بقاءً في المنصب، ومن أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة الأوروبية خلال القرن الحادي والعشرين. ارتبط عهدها بأزمات كبرى أعادت تشكيل أوروبا، من الأزمة المالية وأزمة اليورو إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وأزمة اللاجئين وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وجائحة كوفيد-19.

تميز أسلوب ميركل السياسي بالحذر، والتدرج، والتفاوض، والاعتماد على بناء التوافق بدلاً من الخطابة السياسية الصدامية. وقد ساعدها هذا الأسلوب على البقاء في السلطة عبر أربع فترات انتخابية وعلى قيادة حكومات ائتلافية متعددة، لكنه كان أيضاً موضع انتقاد؛ إذ رأى بعض الباحثين أن الاستقرار الذي وفرته أخفى مشكلات بنيوية مؤجلة، ولا سيما في الطاقة والدفاع والرقمنة والعلاقة الاقتصادية مع روسيا والصين. وتصف دراسة منشورة في The Oxford Handbook of German Politics عهد ميركل بأنه فترة اتسمت بالاستمرارية والاستقرار، مع تعامل منهجي مع سلسلة متتابعة من الأزمات الدولية والأوروبية.

المعلومات الأساسية
الاسم الكامل أنغيلا دوروتيا ميركل
الاسم بالألمانية Angela Dorothea Merkel
الميلاد 17 يوليو 1954
مكان الميلاد هامبورغ، ألمانيا الغربية
الجنسية ألمانية
المهنة الأصلية عالمة فيزياء
التخصص العلمي الفيزياء
الدكتوراه الكيمياء الفيزيائية
الحياة السياسية
الحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)
بداية النشاط السياسي 1989
عضوة البوندستاغ منذ 1990
وزيرة المرأة والشباب 1991–1994
وزيرة البيئة 1994–1998
الأمينة العامة للحزب 1998–2000
رئيسة CDU 2000–2018
رئيسة كتلة CDU/CSU البرلمانية 2002–2005
المستشارية
المستشارة الاتحادية 2005–2021
عدد الفترات أربع فترات انتخابية
أول امرأة في المنصب نعم
الائتلافات الحكومية ائتلاف كبير مع SPD، وائتلاف CDU/CSU مع FDP في الفترة 2009–2013
نهاية المستشارية 8 ديسمبر 2021
الأزمات الكبرى في عهدها
الأزمة المالية العالمية 2008 وما بعدها
أزمة اليورو 2010–2015 تقريباً
أزمة أوكرانيا وضم القرم منذ 2014
أزمة اللاجئين 2015–2016
بريكست 2016–2020
جائحة كوفيد-19 2020–2021
الحياة الشخصية
الزوج يواخيم زاور
المجال الأكاديمي للزوج الكيمياء والعلوم الطبيعية
COSMALORE · الموسوعة العربية

الطفولة في ألمانيا المقسمة

ولدت أنغيلا دوروتيا كاسنر في هامبورغ في 17 يوليو 1954، في ألمانيا الغربية، لكنها نشأت بصورة أساسية في ألمانيا الشرقية بعد انتقال أسرتها إلى هناك وهي طفلة. كان والدها هورست كاسنر قساً بروتستانتياً، وكانت والدتها هيرلِند معلمة للغة الإنجليزية واللاتينية. انتقلت الأسرة إلى منطقة براندنبورغ ثم إلى تمبلين، حيث قضت ميركل معظم طفولتها وشبابها في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

كان موقع الأسرة الديني والثقافي غير اعتيادي في دولة شيوعية رسمياً. لم يكن والد ميركل معارضاً سياسياً للنظام، بل عاش وعمل داخل المجتمع الاشتراكي، لكن وجوده كقس جعل الأسرة على تماس دائم مع حدود الدولة الأيديولوجية. وقد نشأت ميركل في بيئة كان فيها الدين والتعليم والسلطة السياسية والعلاقة بين ألمانيا الشرقية والغربية عناصر حاضرة في الحياة اليومية.

ساهمت طبيعة المجتمع الألماني الشرقي في تشكيل جانب مهم من شخصيتها السياسية اللاحقة. فقد عاشت معظم شبابها في دولة ذات نظام سياسي مغلق، ثم أصبحت بعد سقوط جدار برلين جزءاً من عملية التحول الديمقراطي وإعادة توحيد ألمانيا. ولذلك كان انتقالها من عالمة فيزياء في دولة اشتراكية إلى زعيمة سياسية لألمانيا الموحدة من أكثر المسارات الشخصية والسياسية غرابة في تاريخ أوروبا المعاصر.

التفوق العلمي ودراسة الفيزياء

التحقت ميركل بجامعة كارل ماركس في لايبزيغ سنة 1973 لدراسة الفيزياء، وتخرجت سنة 1978. ثم انتقلت إلى برلين الشرقية للعمل العلمي في المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية التابع لأكاديمية العلوم. وفي سنة 1986 حصلت على الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية بعد دراسة بحثية متخصصة.

كانت حياتها العلمية مختلفة جذرياً عن الحياة السياسية التي ستأتي لاحقاً. فقد عملت في مجال البحث العلمي، وشاركت في أبحاث مرتبطة بالكيمياء الفيزيائية، وعاشت حياة أكاديمية بعيدة عن المناصب السياسية العليا. وقد بقي التفكير التحليلي المرتبط بالتكوين العلمي جزءاً من الصورة العامة لشخصيتها السياسية.

لكن من المهم تجنب تحويل خلفيتها العلمية إلى تفسير مبسط لكل قراراتها السياسية. فالسياسة الألمانية محكومة بالمؤسسات والأحزاب والائتلافات والبرلمان والولايات الاتحادية والاتحاد الأوروبي، ولم تكن ميركل تتخذ القرارات باعتبارها عالمة فيزياء فحسب. ومع ذلك، لاحظ عدد من الباحثين أن أسلوبها اتسم بالتحليل التدريجي، وجمع المعلومات، وتجنب القفز إلى قرارات قبل اتضاح البدائل.

سقوط جدار برلين والتحول السياسي

في نوفمبر 1989 انهار جدار برلين، وبدأ النظام السياسي في ألمانيا الشرقية يتفكك بسرعة. كانت ميركل في ذلك الوقت عالمة فيزيائية، ولم تكن من الشخصيات المعارضة المعروفة. لكنها انضمت إلى حركة «الصحوة الديمقراطية» Demokratischer Aufbruch، ودخلت المجال السياسي في مرحلة التحول السريع الذي أدى إلى أول انتخابات حرة في ألمانيا الشرقية ثم إلى الوحدة الألمانية.

كان صعودها سريعاً بصورة استثنائية. ففي سنة 1990 أصبحت نائبة في البوندستاغ الألماني بعد الانتخابات التي سبقت الوحدة، ثم انضمت إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وفي حكومة لوثار دي ميزير شغلت منصب نائبة المتحدث باسم الحكومة، وهو موقع منحها خبرة مبكرة في السياسة الاتحادية وفي التعامل مع الإعلام والمؤسسات الجديدة للدولة الموحدة.

الانضمام إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي

كان انضمام ميركل إلى CDU نقطة تحول حاسمة. فقد دخلت حزباً غرب ألمانياً تقليدياً كانت قيادته وشبكاته السياسية مختلفة تماماً عن البيئة التي نشأت فيها. وبالرغم من كونها قادمة من ألمانيا الشرقية وغير معروفة داخل النخبة السياسية الغربية، تمكنت من بناء موقعها تدريجياً.

كان المستشار هيلموت كول من أهم السياسيين الذين ساعدوا في بدايات صعودها. فقد رأى فيها ممثلة للجيل الجديد وللألمان الشرقيين، وأصبحت وزيرة للمرأة والشباب في حكومته سنة 1991، ثم وزيرة للبيئة وحماية الطبيعة والأمن النووي سنة 1994.

الطريق إلى قيادة CDU

بعد هزيمة كول الانتخابية سنة 1998 أصبح الحزب بحاجة إلى إعادة بناء قيادته. عُينت ميركل أمينة عامة للحزب في 1998، ثم أصبحت رئيسة الاتحاد الديمقراطي المسيحي سنة 2000. وكان وصولها إلى قيادة الحزب جزءاً من التحول العميق الذي أعقب نهاية عصر كول.

كان عام 1999 حاسماً بصورة خاصة بسبب فضيحة تمويل الحزب التي ضربت قيادة CDU. كان كول قد أصبح رمزاً تاريخياً للوحدة الألمانية، لكن فضيحة التبرعات السرية أضعفت سلطته السياسية. اتخذت ميركل موقفاً علنياً بعيداً عنه، وهو قرار اعتبره كثير من الباحثين لحظة أساسية في استقلالها السياسي وصعودها داخل الحزب. وتؤكد سيرة كاتي مارتون أن هذه المرحلة كانت من المحطات الحاسمة في انتقال ميركل من شخصية سياسية صاعدة إلى منافسة حقيقية على قيادة الحزب.

رئاسة الكتلة البرلمانية

في سنة 2002 أصبحت ميركل رئيسة الكتلة البرلمانية المشتركة لـCDU/CSU في البوندستاغ، وهو منصب بالغ الأهمية داخل النظام السياسي الألماني. ومن خلاله أصبحت الشخصية المعارضة الرئيسية أمام حكومة المستشار غيرهارد شرودر.

ساعدها هذا الموقع على اكتساب خبرة واسعة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، كما منحها حضوراً مستمراً في البرلمان والإعلام. وفي الوقت نفسه بدأت تتشكل صورتها كسياسية عملية لا تعتمد على الخطابة الجماهيرية بقدر اعتمادها على التفاوض والعمل المؤسسي.

انتخابات 2005 والوصول إلى المستشارية

في انتخابات سبتمبر 2005 لم يحصل أي حزب على أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بسهولة. وبعد مفاوضات طويلة تشكل ائتلاف كبير بين CDU/CSU والحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، وأصبحت ميركل مستشارة اتحادية في نوفمبر 2005.

كان وصولها تاريخياً لعدة أسباب: كانت أول امرأة تتولى منصب المستشار، وأول شخصية من ألمانيا الشرقية السابقة تصل إلى أعلى منصب حكومي في ألمانيا الموحدة، وأول مستشارة نشأت في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وتؤكد الحكومة الألمانية رسمياً أنها كانت المستشارة الاتحادية من 2005 إلى 2021 وأول امرأة تقود الحكومة الاتحادية.

أسلوب ميركل في الحكم

لم تبنِ ميركل سلطتها على شخصية كاريزمية بالمعنى التقليدي. كانت هادئة، قليلة الخطابة، وتستخدم لغة سياسية حذرة، وغالباً ما تترك مساحة للمفاوضات قبل إعلان موقف نهائي. وقد وصف باحثون هذا النمط بأنه قدرة على تحويل القيود المؤسسية للنظام السياسي الألماني إلى مصدر قوة شخصية.

توضح دراسة لودغر هِلمس وفيمكه فان إيش في كتاب The Leadership Capital Index أن ميركل استطاعت الاحتفاظ بمستوى مرتفع من «رأس المال القيادي» السياسي لسنوات طويلة، وأن طبيعة الديمقراطية الألمانية القائمة على التوافق والائتلافات كانت مناسبة بصورة خاصة لأسلوبها السياسي.

الائتلاف الكبير الأول

كانت حكومة ميركل الأولى ائتلافاً كبيراً بين CDU/CSU وSPD. فرض هذا الوضع عليها إدارة الخلافات بين قوتين سياسيتين كبيرتين بدلاً من الاعتماد على أغلبية حزبية صلبة.

ساعدت هذه الصيغة على تحقيق قدر من الاستقرار السياسي، لكنها جعلت الحدود الأيديولوجية بين الحكومة والمعارضة أقل وضوحاً. وقد أصبح العمل عبر التوافق إحدى السمات الأساسية لعهد ميركل، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

الأزمة المالية العالمية

وصلت الأزمة المالية العالمية إلى ألمانيا في وقت كانت فيه البلاد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام المالي والصناعي العالمي. واجهت الحكومة خطر انهيار مؤسسات مالية واضطراب الائتمان وانكماش اقتصادي حاد.

تحركت حكومة ميركل بالتعاون مع شركائها الأوروبيين والدوليين لإنقاذ النظام المالي وتخفيف آثار الأزمة. وقد أثبتت ألمانيا قدرتها على تحمل الصدمة بصورة أفضل من بعض الاقتصادات الأوروبية الأخرى، لكنها خرجت من الأزمة أمام مشكلة أوسع: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار المالي داخل اتحاد نقدي يضم دولاً تختلف بشدة في أوضاعها المالية والاقتصادية؟

أزمة اليورو

أصبحت أزمة الديون السيادية الأوروبية من أكبر الاختبارات السياسية لميركل. بدأت الأزمة تتصاعد بصورة خطيرة منذ 2010، خصوصاً مع أزمة الديون اليونانية، ثم امتدت إلى دول أخرى في منطقة اليورو.

وجدت ألمانيا نفسها في مركز عملية إنقاذ العملة الأوروبية. كانت ميركل تواجه ضغطاً من شركائها الأوروبيين لتقديم مساعدات مالية، وضغطاً داخلياً من الناخبين والسياسيين الذين رفضوا أن تتحمل ألمانيا تكاليف إنقاذ دول أخرى من دون شروط مالية صارمة.

أصبح موقفها مرتبطاً بالانضباط المالي والإصلاحات البنيوية. وقد تعرضت هذه السياسة للانتقاد من بعض الاقتصاديين والسياسيين الذين رأوا أنها عمقت الركود في جنوب أوروبا، بينما رأى مؤيدوها أنها ضرورية لمنع تحول الاتحاد النقدي إلى اتحاد تتحمل فيه الدول الأعضاء ديون بعضها بلا قيود.

ميركل والاتحاد الأوروبي

لم تكن ميركل رئيسة للاتحاد الأوروبي، لكنها أصبحت بحكم قوة الاقتصاد الألماني وموقع ألمانيا السياسي إحدى أهم الشخصيات في صنع القرار الأوروبي. وتوضح الدراسات الأكاديمية أن صعود قوة ألمانيا خلال عهدها لم يكن منفصلاً عن طبيعة النظام الأوروبي؛ فقد أصبحت برلين أكثر تأثيراً، لكن ميركل حاولت ممارسة هذا النفوذ بأسلوب تفاوضي لا يظهر ألمانيا كقوة مهيمنة تقليدية.

هذا التوازن كان مهماً تاريخياً. فألمانيا، بسبب تاريخها في القرن العشرين، كانت شديدة الحساسية تجاه فكرة الهيمنة الأوروبية. ولذلك كان أسلوب ميركل القائم على التفاوض والائتلافات مناسباً لتقديم القوة الألمانية في صورة مختلفة عن القوة الألمانية التقليدية.

العلاقة مع فرنسا

كانت العلاقة الفرنسية الألمانية إحدى ركائز سياسة ميركل الأوروبية. تعاملت مع نيكولا ساركوزي ثم فرانسوا هولاند ثم إيمانويل ماكرون، وكان لكل مرحلة طبيعتها الخاصة.

خلال أزمة اليورو، أصبحت الشراكة بين برلين وباريس مركزية في محاولة إنقاذ منطقة اليورو. إلا أن البلدين اختلفا مراراً حول مقدار التضامن المالي، والإصلاحات الاقتصادية، ودور المؤسسات الأوروبية. وبعد وصول ماكرون إلى الرئاسة الفرنسية ظهرت مقترحات أكثر طموحاً لإصلاح منطقة اليورو، لكن ميركل كانت أكثر تحفظاً بشأن بعض عناصر التكامل المالي والسياسي.

الطاقة النووية والتحول الطاقي

شهدت سياسة ميركل تجاه الطاقة تحولاً كبيراً. فقد كانت الحكومة قد قررت في البداية تمديد تشغيل بعض محطات الطاقة النووية، لكن حادثة فوكوشيما النووية في اليابان سنة 2011 أدت إلى تغيير جذري في موقفها.

قررت الحكومة الألمانية تسريع الخروج من الطاقة النووية، بالتوازي مع توسع مصادر الطاقة المتجددة. أصبح هذا القرار أحد أبرز ملامح سياسة ميركل الداخلية، لكنه ظل موضع جدل بسبب ارتفاع الاعتماد الألماني على الغاز المستورد وبسبب الحاجة إلى موازنة أمن الطاقة مع أهداف المناخ.

سياسة المناخ

كانت ميركل، قبل المستشارية، وزيرة للبيئة، ولذلك ارتبط اسمها مبكراً بالسياسة البيئية. خلال فترة حكمها أصبحت ألمانيا من الدول الرئيسية في الترويج للطاقة المتجددة والسياسات المناخية الأوروبية.

لكن سجلها البيئي كان متناقضاً في بعض جوانبه. فالتوسع في الطاقة المتجددة ترافق مع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، وأصبح الاعتماد على الغاز الروسي أحد أكثر عناصر السياسة الألمانية تعرضاً للنقد بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا سنة 2022، أي بعد انتهاء ميركل من المستشارية.

العلاقة مع روسيا

كانت العلاقة مع روسيا من أكثر جوانب إرث ميركل تعقيداً. تعاملت مع فلاديمير بوتين لفترة طويلة عبر مزيج من الحوار والضغط والعقوبات والتعاون الاقتصادي.

بعد حرب روسيا ضد جورجيا سنة 2008، ثم ضم روسيا لشبه جزيرة القرم واندلاع الحرب في شرق أوكرانيا سنة 2014، أصبحت ميركل من أهم القادة الغربيين الذين تفاوضوا مع موسكو. وكانت من الشخصيات الرئيسية في مسار اتفاقيات مينسك المتعلقة بالنزاع في أوكرانيا.

في الوقت نفسه تعرضت سياسة ألمانيا تجاه روسيا لانتقادات كبيرة بسبب استمرار العلاقات الاقتصادية، وخاصة مشروع خط أنابيب نورد ستريم 2. وبعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا سنة 2022، رأى منتقدون أن اعتماد ألمانيا الاقتصادي على الغاز الروسي كان أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية في عهد ميركل.

أزمة اللاجئين سنة 2015

كانت أزمة اللاجئين من أكثر اللحظات إثارة للجدل في مسيرة ميركل. في صيف 2015 وصل عدد كبير من اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، وكان السوريون يشكلون جزءاً مهماً منهم. قررت ألمانيا في مرحلة الأزمة تعليق تطبيق بعض القيود المرتبطة بنظام دبلن بالنسبة إلى السوريين، الأمر الذي ساهم في جعل ألمانيا وجهة رئيسية لطالبي اللجوء.

أصبحت سياسة ميركل رمزاً دولياً لسياسة استقبال اللاجئين. وفي 2015 وصل إلى ألمانيا أكثر من مليون طالب لجوء ولاجئ ضمن موجة الهجرة واللجوء الكبرى في أوروبا، وفقاً للإحصاءات والطرق المختلفة لحساب الوافدين خلال الأزمة.

لكن سياسة الاستقبال لم تكن بلا حدود. فقد تعرضت ميركل لضغط شديد من حزبها الشقيق CSU، ومن حكومات الولايات، ومن قطاعات من الرأي العام. وأدخلت الحكومة في 2015 و2016 إصلاحات أكثر تشدداً في قانون اللجوء، بما في ذلك تسريع إجراءات اللجوء وتوسيع قائمة «بلدان المنشأ الآمنة» وفرض قيود إضافية في بعض المجالات.

الجدل حول سياسة الهجرة

أصبحت سياسة ميركل تجاه اللاجئين من أكثر السياسات انقساماً في ألمانيا الحديثة. مؤيدوها رأوا فيها تعبيراً عن المسؤولية الإنسانية وعن التزامات ألمانيا القانونية والأخلاقية، بينما رأى منتقدوها أن الحكومة فقدت السيطرة على الحدود وأضعفت قدرة الدولة على إدارة الهجرة.

كان أثر الأزمة سياسياً كبيراً على حزب البديل من أجل ألمانيا AfD، الذي تمكن من توسيع حضوره الانتخابي مستفيداً من معارضة سياسة اللجوء. وتوضح الدراسات أن الأزمة لم تكن مجرد قرار شخصي من ميركل؛ فقد كانت نتيجة تفاعل بين قرارات الحكومة الألمانية وقواعد الاتحاد الأوروبي وحركة اللاجئين والصراعات بين الدول الأعضاء والضغوط الداخلية.

بريكست ومستقبل الاتحاد الأوروبي

كان تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي سنة 2016 ضربة سياسية كبيرة للمشروع الأوروبي. أصبحت ميركل من أهم القادة الذين سعوا إلى الحفاظ على وحدة الدول المتبقية داخل الاتحاد، مع تجنب تقديم تنازلات يمكن أن تشجع دولاً أخرى على اتباع المسار نفسه.

أظهرت أزمة بريكست مرة أخرى أسلوب ميركل التفاوضي؛ فقد ركزت على المحافظة على وحدة الموقف الأوروبي، وعلى التدرج في المفاوضات بدلاً من الاستجابة السريعة لضغوط لندن.

العلاقة مع الولايات المتحدة

تعاملت ميركل مع أربع إدارات أمريكية: جورج دبليو بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن. وكانت العلاقات مع أوباما وثيقة بصورة خاصة، بينما كانت العلاقات مع ترامب أكثر توتراً.

برزت خلافات كبيرة حول التجارة، والناتو، والإنفاق الدفاعي، والتغير المناخي، والعلاقات مع روسيا، ومستقبل النظام الليبرالي الدولي. وفي المقابل حافظت ميركل على علاقات مؤسساتية قوية مع الولايات المتحدة، لأنها كانت ترى التحالف عبر الأطلسي أساساً مهماً لأمن أوروبا.

ميركل وباراك أوباما

كانت العلاقة بين ميركل وأوباما من أكثر العلاقات السياسية استقراراً في عهدها. اشتركا في رؤية واسعة للنظام الدولي متعدد الأطراف، وإن اختلفا في بعض القضايا الاقتصادية والأمنية.

أصبحت ميركل في عهد أوباما إحدى أهم الشركاء الأوروبيين لواشنطن. وقد عزز ذلك مكانتها بوصفها وسيطاً بين أوروبا والولايات المتحدة في عدد من الملفات الكبرى.

ميركل ودونالد ترامب

كانت علاقة ميركل بترامب أكثر صعوبة. فقد انتقد ترامب سياسات ألمانيا التجارية، وطالب الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي، واتخذ مواقف متشككة تجاه بعض المؤسسات الدولية والتحالفات التقليدية.

في المقابل تمسكت ميركل بالتعاون متعدد الأطراف وبالتحالف الأوروبي الأمريكي، لكنها أدركت خلال تلك الفترة أن أوروبا لا تستطيع دائماً الاعتماد على الولايات المتحدة بالطريقة التي اعتادت عليها في العقود السابقة.

جائحة كوفيد-19

كانت جائحة كوفيد-19 آخر أزمة كبرى في فترة ميركل. اتخذت ألمانيا إجراءات واسعة للحد من انتشار الفيروس، وأصبحت ميركل معروفة بطريقة تواصل هادئة نسبياً واعتمادها على التفسير العلمي.

في بداية الأزمة اتخذت ألمانيا والدول الأوروبية إجراءات وطنية متباينة، لكن الاتحاد الأوروبي انتقل لاحقاً إلى سياسات مشتركة أكثر قوة، بما في ذلك صندوق التعافي الأوروبي. وكانت موافقة ألمانيا على آلية التعافي الأوروبية المشتركة تحولاً مهماً في السياسة المالية الأوروبية.

التحول في السياسة المالية الأوروبية

كان موقف ميركل من التكامل المالي الأوروبي أكثر مرونة خلال جائحة كوفيد-19 مما كان عليه خلال أزمة اليورو. ففي 2020 اتفقت ألمانيا وفرنسا على مقترح لصندوق تعافٍ أوروبي، ثم جرى اعتماد خطة أوروبية كبيرة تمول جزئياً من الاقتراض المشترك.

كان هذا التحول مهماً لأنه أظهر قدرة ميركل على تعديل مواقفها عندما تغيرت الظروف. فقد كانت قد أمضت سنوات في التأكيد على الانضباط المالي، لكنها قبلت في أزمة استثنائية آلية أوروبية مشتركة واسعة لم تكن تبدو ممكنة في السنوات الأولى من أزمة اليورو.

الاقتصاد الألماني في عهدها

استفادت ألمانيا خلال جزء كبير من عهد ميركل من قوة قطاعها الصناعي، ولا سيما صناعة السيارات والآلات والكيماويات والصادرات. كما استفادت من توسع الأسواق العالمية ومن تكاملها العميق مع الاتحاد الأوروبي.

أصبح الاقتصاد الألماني أحد أعمدة منطقة اليورو، وارتفعت مكانة ألمانيا السياسية بالتوازي مع قوتها الاقتصادية. لكن الاعتماد الكبير على الصادرات جعل الاقتصاد عرضة للتغيرات في التجارة العالمية، كما أدى الاعتماد على الأسواق الصينية والغاز الروسي إلى ظهور نقاط ضعف استراتيجية ظهرت بصورة أكثر وضوحاً بعد انتهاء عهد ميركل.

الإصلاحات الاجتماعية

شهد عهد ميركل استمراراً وتوسيعاً لعدد من السياسات الاجتماعية التي جاءت من إصلاحات سابقة، وخاصة إصلاحات أجندة 2010 التي بدأت في عهد غيرهارد شرودر. كما شهدت حكوماتها إصلاحات في سوق العمل، وتوسيعاً لبعض أشكال دعم الأسر، وتطوراً في سياسات رعاية الأطفال والأسرة.

وفي عهدها أيضاً أُدخل الحد الأدنى القانوني للأجور في ألمانيا سنة 2015، في تحول مهم في السياسة الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً أن CDU كانت تاريخياً أكثر تحفظاً تجاه التدخل المباشر في تحديد الأجور.

إنجازات سياسية مثيرة للجدل

من سمات حكم ميركل أنها لم تكن زعيمة ذات برنامج أيديولوجي ثابت بالمعنى التقليدي. فقد تبنت مواقف كانت في بعض الأحيان أقرب إلى خصومها السياسيين عندما أصبح ذلك مناسباً للتغير الاجتماعي أو للتوافق الوطني.

ظهر ذلك في سياسة الطاقة النووية، وفي بعض السياسات الاجتماعية، وفي قضايا الأسرة، وفي التحول التدريجي في موقف CDU من بعض القضايا التي كانت تعتبرها تقليدياً جزءاً من الهوية المحافظة للحزب. وقد ساعدها هذا الأسلوب على توسيع الوسط السياسي، لكنه ساهم أيضاً في إضعاف الحدود التقليدية بين CDU وSPD والخضر في بعض القضايا.

إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية

في 2011 أوقفت ألمانيا الخدمة العسكرية الإلزامية في إطار إصلاح كبير للقوات المسلحة. كان القرار جزءاً من التحول الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، عندما بدا أن ألمانيا لم تعد بحاجة إلى جيش جماهيري بالحجم الذي كان عليه خلال المواجهة بين الناتو وحلف وارسو.

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا سنة 2022 تعرض هذا القرار، وكذلك مستوى الإنفاق الدفاعي الألماني خلال السنوات السابقة، لنقد شديد. ورأى منتقدون أن ألمانيا افترضت بصورة مفرطة استمرار البيئة الأمنية الأوروبية التي سادت بعد الحرب الباردة.

نورد ستريم والاعتماد على روسيا

كان مشروع نورد ستريم أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في إرث ميركل. فقد ربط المشروع ألمانيا مباشرة بمصادر الغاز الروسي عبر بحر البلطيق، متجاوزاً بعض دول العبور التقليدية.

دافعت الحكومة الألمانية لفترة طويلة عن المشروع باعتباره مشروعاً اقتصادياً وأمنياً للطاقة، بينما حذرت دول أوروبية شرقية والولايات المتحدة من أنه يزيد اعتماد أوروبا على روسيا. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا أصبح المشروع رمزاً لجدل أوسع حول حدود السياسة الألمانية تجاه موسكو.

ميركل وأوكرانيا

بعد أحداث 2014 لعبت ميركل دوراً محورياً في السياسة الأوروبية تجاه روسيا وأوكرانيا. كانت من أبرز المشاركين في مفاوضات مينسك التي هدفت إلى وقف الحرب في دونباس.

كانت سياستها تقوم على الجمع بين العقوبات الأوروبية على روسيا والحفاظ على قنوات الحوار. هذا النهج تعرض لاحقاً لانتقادات قوية، لكن مؤيديه رأوا فيه محاولة لتجنب حرب أوسع في أوروبا وإبقاء المجال الدبلوماسي مفتوحاً.

السياسة تجاه الصين

توسعت العلاقات الاقتصادية الألمانية الصينية بصورة كبيرة خلال عهد ميركل. أصبحت الصين سوقاً رئيسية للصناعة الألمانية، وخاصة شركات السيارات والآلات والكيماويات.

لكن هذه العلاقة التجارية خلقت معضلة استراتيجية. فبينما استفادت ألمانيا من السوق الصينية، أصبحت أكثر تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالتوتر بين الصين والولايات المتحدة، وبقضايا حقوق الإنسان والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وأصبح هذا الاعتماد الاقتصادي أحد الملفات التي أعيد تقييمها بعد مغادرة ميركل منصبها.

المكانة الدولية لميركل

خلال سنواتها الأخيرة أصبحت ميركل من أكثر القادة الأوروبيين حضوراً في النظام الدولي. لم تكن تملك قوة عسكرية أو مؤسسات فوق وطنية مثل قادة بعض الدول الكبرى، لكنها امتلكت ما يمكن وصفه بالقوة السياسية والاقتصادية والتفاوضية لألمانيا.

وقد أظهرت الدراسات الأكاديمية أن أهميتها لم تكن قائمة على الهيمنة الشخصية فقط، بل على تفاعل بين وزن ألمانيا الاقتصادي، وموقعها داخل الاتحاد الأوروبي، ونمط القيادة الذي اعتمدته. ولذلك أصبحت ميركل إحدى الشخصيات المحورية في النظام الأوروبي خلال فترة تميزت بالأزمات المتتابعة.

شخصية ميركل الخاصة

كانت ميركل شديدة الخصوصية في حياتها الشخصية، ونادراً ما قدمت تفاصيل واسعة عن حياتها الخاصة مقارنة بكثير من السياسيين المعاصرين. وقد ساعد هذا على بناء صورة سياسية تقوم على الكفاءة والانضباط أكثر من صناعة المشاهير.

كانت متزوجة من الكيميائي يواخيم زاور، الذي عمل أستاذاً في الكيمياء النظرية، ولم يكن منخرطاً بصورة كبيرة في الحياة السياسية والإعلامية. وقد ساعد ذلك على إبقاء حياتها العائلية بعيدة نسبياً عن النشاط السياسي اليومي.

المرأة الأولى في المستشارية

كان وصول امرأة إلى منصب المستشار في ألمانيا حدثاً تاريخياً مهماً، لكنه لم يتحول في عهد ميركل إلى خطاب سياسي قائم بصورة أساسية على الحركة النسوية. كانت تقدم نفسها قبل كل شيء بوصفها سياسية وبراغماتية.

مع ذلك، أثرت تجربتها في تصور القيادة النسائية في أوروبا. وأصبحت دراسة قيادتها خلال الأزمات موضوعاً أكاديمياً مستقلاً، خصوصاً لأن نجاحها السياسي الطويل جعلها حالة مهمة لدراسة العلاقة بين الجنس والسلطة والقيادة في الأنظمة الديمقراطية. وتتناول أبحاث حديثة في جامعة أكسفورد ميركل تحديداً بوصفها حالة رئيسية في دراسة قيادة النساء أثناء الأزمات.

الانتخابات وإعادة الانتخاب

نجحت ميركل في الفوز بالانتخابات الاتحادية أو قيادة تشكيل الحكومات بعد انتخابات 2005 و2009 و2013 و2017، وبذلك قادت ألمانيا أربع فترات انتخابية متتالية. وقد كانت قدرتها على الاحتفاظ بالسلطة عبر تغيرات كبيرة في البيئة السياسية الأوروبية إحدى أبرز سمات مسيرتها.

كان ذلك ممكناً جزئياً بفضل قدرة CDU على الحفاظ على موقعها في وسط الطيف السياسي، وبفضل أسلوب ميركل الذي جعلها مقبولة لدى قطاعات واسعة من الناخبين. لكن هذا النجاح لم يمنع ظهور تحديات جديدة، أهمها صعود حزب الخضر والبديل من أجل ألمانيا وتغير الخريطة السياسية الألمانية.

نهاية رئاسة الحزب

في ديسمبر 2018 أعلنت ميركل تخليها عن رئاسة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، لكنها بقيت مستشارة حتى نهاية 2021. كان القرار إشارة إلى بداية انتقال القيادة داخل الحزب مع استمرارها في قيادة الحكومة الاتحادية.

أظهرت هذه الخطوة قدرتها على الفصل بين قيادة الحزب وقيادة الدولة، لكنها كانت أيضاً اعترافاً بأن عصر ميركل السياسي لن يستمر إلى الأبد. خلفتها أنغريت كرامب-كارنباور ثم أرمين لاشيت في قيادة الحزب، قبل أن تنتقل المستشارية في 2021 إلى أولاف شولتس.

انتخابات 2021 ونهاية عصر ميركل

في الانتخابات الاتحادية سنة 2021 جاء حزب SPD في المرتبة الأولى بفارق ضئيل، وتمكن أولاف شولتس من تشكيل ائتلاف حكومي مع الخضر والحزب الديمقراطي الحر. وفي 8 ديسمبر 2021 انتهت مستشارية ميركل رسمياً بعد ستة عشر عاماً في السلطة.

كانت مدة حكمها من أطول فترات الحكم الديمقراطي المستمر في أوروبا الحديثة. ولم تترك السلطة بعد أزمة دستورية أو انقلاب أو هزيمة عسكرية، بل عبر انتقال دستوري طبيعي إلى حكومة جديدة، وهو أمر يعكس استقرار المؤسسات السياسية الألمانية خلال تلك المرحلة.

إرث ميركل الاقتصادي

يرتبط الإرث الاقتصادي لميركل بصورة ألمانيا كقوة صناعية وتصديرية مستقرة. خلال معظم عهدها كانت ألمانيا تتمتع بمعدلات توظيف قوية وبقطاع صناعي تنافسي، وأصبحت الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر في الاتحاد الأوروبي.

لكن بعض هذه النجاحات كانت تعتمد على ظروف خارجية مواتية: الطلب الصيني على السلع الألمانية، والطاقة الروسية الرخيصة نسبياً، وسوق أوروبية موحدة واسعة، واستقرار التجارة العالمية. ولهذا فإن تقييم ميركل الاقتصادي يحتاج إلى التمييز بين ما نتج مباشرة عن سياساتها وما كان نتيجة البنية الاقتصادية الألمانية والظروف الدولية.

إرث ميركل الأوروبي

إذا كان هناك مجال واحد أصبحت فيه ميركل شخصية تاريخية واضحة فهو السياسة الأوروبية. فقد حكمت ألمانيا خلال سلسلة من الأزمات التي هددت تماسك الاتحاد الأوروبي، وكانت مشاركتها في الحلول السياسية والاقتصادية مركزية.

لكن إرثها الأوروبي ليس موضع إجماع. فهناك من يرى أنها حافظت على الاتحاد في لحظات الخطر، بينما يرى آخرون أنها جعلت أوروبا أكثر اعتماداً على المصالح الألمانية، وأن سياسات التقشف خلال أزمة اليورو أدت إلى آثار اجتماعية واقتصادية قاسية في دول جنوب أوروبا.

إرث ميركل في أزمة اليورو

كان موقف ميركل من اليورو أحد أكثر عناصر إرثها إثارة للجدل. فقد رفضت انهيار العملة الموحدة، لكنها تمسكت بإصلاحات مالية واقتصادية صارمة في مقابل الدعم المالي.

أدى ذلك إلى استقرار النظام المالي الأوروبي على المدى القصير، لكنه خلق توترات سياسية عميقة بين الشمال والجنوب. وأصبح اسم ميركل مرتبطاً في بعض دول جنوب أوروبا بسياسات التقشف، بينما اعتبرها آخرون حامية للمدخرات والاستقرار المالي الألماني.

إرث ميركل في أزمة اللاجئين

أصبحت سياسة 2015 واحدة من أكثر قراراتها ارتباطاً بالذاكرة العامة. فقد رفعت ألمانيا مستوى استقبال اللاجئين بصورة كبيرة، لكنها اضطرت لاحقاً إلى اتخاذ إجراءات أكثر تقييداً نتيجة الضغوط السياسية والاجتماعية.

يُظهر المسار الكامل للسياسة أن وصفها بأنها «سياسة حدود مفتوحة» بصورة مطلقة لا يعكس تعقيد الأحداث؛ فقد كانت هناك قرارات استثنائية في 2015، ثم تشديدات قانونية وسياسية في 2016 وما بعده.

إرث ميركل في السياسة الخارجية

اعتمدت ميركل على القوة الاقتصادية والدبلوماسية أكثر من القوة العسكرية. كانت تؤمن بالحوار، والعقوبات عندما تراها ضرورية، والتفاوض متعدد الأطراف، والحفاظ على المؤسسات الأوروبية والأطلسية.

كان هذا الأسلوب فعالاً في بيئة ما بعد الحرب الباردة التي اتسمت نسبياً بالتعاون الاقتصادي. لكن تغير البيئة الأمنية الأوروبية، وخاصة بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، جعل بعض افتراضات تلك السياسة موضع مراجعة شاملة.

نقد حقبة ميركل

تركز النقد الأكاديمي والسياسي لحقبة ميركل في عدد من القضايا: بطء الإصلاحات الرقمية، ضعف الاستثمار في بعض البنى التحتية، الاعتماد على الطاقة الروسية، الاعتماد التجاري الكبير على الصين، ضعف القدرات العسكرية، وتأجيل بعض الإصلاحات الهيكلية.

ويجب هنا الفصل بين مسؤولية ميركل المباشرة والاتجاهات الطويلة الأمد في الاقتصاد الألماني. فقد كانت بعض المشكلات موجودة قبل 2005، كما أن بعض القرارات التي اتخذتها حكوماتها كانت نتيجة توافقات ائتلافية وبرلمانية لا قرارات فردية.

ميركل والقيادة بالأزمات

أصبح أسلوب ميركل في إدارة الأزمات موضوعاً مهماً في العلوم السياسية. فقد تعاملت مع الأزمة المالية، وأزمة اليورو، وأوكرانيا، واللاجئين، وبريكست، والجائحة خلال فترة واحدة تقريباً.

ترى بعض الدراسات أن نجاحها اعتمد على عدم استخدام رأس مالها السياسي بصورة مفرطة، وعلى قدرتها على الانتظار حتى تتضح موازين القوى. وقد أتاح لها ذلك اتخاذ قرارات كبيرة في اللحظة التي يصبح فيها التوافق السياسي ممكناً.

ميركل بوصفها زعيمة توافقية

لم تكن ميركل من القادة الذين يطرحون مشروعاً أيديولوجياً شاملاً ثم يسعون إلى فرضه. كانت أقرب إلى الزعيم التوافقي الذي يحاول تحديد الحدود الممكنة ثم بناء اتفاق سياسي داخلها.

كان لهذا الأسلوب ميزة كبيرة في ألمانيا، حيث النظام البرلماني والاتحادي والثقافة السياسية بعد الحرب تميل إلى التفاوض وتجنب الاستقطاب الشديد. لكنه كان يحمل عيباً واضحاً: القرارات التي تتطلب تحولات سريعة وجذرية قد تتأخر حتى يصبح التغيير ضرورة لا خياراً.

العلاقة بين ميركل وفلاديمير بوتين

كانت العلاقة بين ميركل وبوتين معقدة. فقد تحدثا بصورة متكررة، وكانت ميركل تتحدث الروسية بينما يتحدث بوتين الألمانية بدرجة جيدة، وهو ما منح العلاقة بعداً شخصياً واتصالاً مباشراً.

لم تكن العلاقة قائمة على الثقة الكاملة؛ فقد اصطدمت ألمانيا وروسيا مراراً حول حقوق الإنسان وأوكرانيا والنظام الأمني الأوروبي. لكن ميركل حافظت على الاعتقاد بأن الحوار مع موسكو ضروري حتى أثناء الخلاف.

العلاقة مع دونالد ترامب

أظهرت مرحلة ترامب حدود قدرة ألمانيا على الاعتماد على الولايات المتحدة في جميع الظروف. كانت ميركل من القادة الأوروبيين الذين حاولوا الحفاظ على التحالف الغربي، لكنها واجهت خلافات حول التجارة والدفاع والمناخ والسياسة الدولية.

ساهمت هذه الفترة في تعزيز النقاش الأوروبي حول «الاستقلال الاستراتيجي» وقدرة أوروبا على حماية مصالحها بنفسها. لكن ميركل لم تتبنَ انفصالاً عن الولايات المتحدة؛ بل استمرت في اعتبار العلاقة عبر الأطلسي عنصراً أساسياً للأمن الأوروبي.

مذكراتها «الحرية»

بعد مغادرة المستشارية نشرت ميركل مذكراتها Freedom: Memories 1954–2021 سنة 2024، بالتعاون مع كاتبة خطاباتها القديمة بياته باومان. يبلغ الكتاب نحو 720 صفحة، ويغطي حياتها في ألمانيا الشرقية، وصعودها السياسي، وفترة حكمها الطويلة، وعلاقاتها الدولية.

تمثل المذكرات مصدراً مهماً لأنها تقدم رواية ميركل الشخصية لمسارها السياسي، لكنها تظل مصدراً ذاتياً ينبغي مقارنته بالمصادر الأرشيفية والدراسات الأكاديمية المستقلة. وتكمن أهميتها خصوصاً في فهم كيفية تفسيرها هي لقراراتها في أزمات اليورو وروسيا واللاجئين والولايات المتحدة.

المصادر المطبوعة الأساسية لدراسة ميركل

من أهم السير الحديثة كتاب كاتي مارتون The Chancellor: The Remarkable Odyssey of Angela Merkel، الصادر في طبعة تجارية عن Simon & Schuster سنة 2022. يعتمد الكتاب على مقابلات مع أشخاص عرفوا ميركل وعلى مواد ووثائق مرتبطة بمسيرتها، ويركز بصورة خاصة على انتقالها من ألمانيا الشرقية إلى قمة السياسة الألمانية والدولية.

ومن الأعمال الأكاديمية المهمة كتاب Becoming Madam Chancellor: Angela Merkel and the Berlin Republic، الذي نشرته Cambridge University Press. يتعامل الكتاب مع ميركل بوصفها حالة سياسية تتقاطع فيها خلفيتها في ألمانيا الشرقية مع المؤسسات الألمانية بعد الوحدة، ويدرس قيادتها في مجالات السياسة الداخلية والاقتصاد والطاقة والعلاقات الخارجية والأزمة الأوروبية.

ويعد The Oxford Handbook of German Politics من المصادر الأكاديمية المهمة لفهم ميركل داخل سياق النظام السياسي الألماني، لا بوصفها شخصية منفصلة عنه. ويقدم الفصل الخاص بعهدها تحليلاً لمدة حكمها البالغة ستة عشر عاماً وتأثيرها في أوروبا والأزمات الدولية.

مكانة ميركل في تاريخ ألمانيا

تقع ميركل في سلسلة تاريخية من المستشارين الذين أعادوا تشكيل ألمانيا في مراحل مختلفة: كونراد أديناور أسس الاندماج الغربي للجمهورية الاتحادية، وويلي برانت قاد سياسة الانفتاح على الشرق، وهيلموت كول قاد عملية الوحدة الألمانية، أما ميركل فقد حكمت ألمانيا الموحدة في مرحلة أصبحت فيها قوة اقتصادية مركزية داخل أوروبا.

لم يكن إنجازها الأساسي إنشاء دولة جديدة مثل كول، ولا إعادة تأسيس جمهورية مثل أديناور، بل إدارة ألمانيا الموحدة خلال فترة تحولت فيها إلى القوة الاقتصادية والسياسية الأهم داخل الاتحاد الأوروبي.

ميركل في التاريخ الأوروبي

يمكن اعتبار عصر ميركل مرحلة انتقالية بين عالم ما بعد الحرب الباردة والنظام الأوروبي الأكثر اضطراباً الذي ظهر في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. فقد بدأت مستشاريتها في عصر كانت فيه العولمة والتكامل الأوروبي يتقدمان، وانتهت في ظل منافسة استراتيجية بين القوى الكبرى وعودة الحرب إلى أوروبا.

ولهذا فإن إرثها سيُقاس ليس فقط بما حققته خلال فترة حكمها، بل أيضاً بما إذا كانت بعض السياسات التي وفرت الاستقرار في عهدها قد أجلت مشكلات أصبحت أكثر وضوحاً بعد 2021.

التقييم التاريخي

من الصعب اختزال ميركل في وصف واحد. فقد كانت سياسية براغماتية حققت استقراراً سياسياً استثنائياً، وقادت ألمانيا خلال أزمات مالية وأوروبية ودولية متعددة، وحافظت على موقع مركزي لألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، فإن نجاحها في إدارة الأزمات لم يمنع ظهور اختلالات طويلة الأجل. فالاعتماد على الغاز الروسي، والانكشاف التجاري على الصين، وتراجع الجاهزية العسكرية، وبطء الرقمنة، وبعض مشكلات البنية التحتية، أصبحت بعد مغادرتها السلطة موضوعات مركزية في تقييم السنوات السابقة.

وتكمن أهمية ميركل التاريخية في أنها لم تكن مجرد مستشارة ألمانية طويلة الحكم؛ فقد أصبحت نموذجاً لنمط معين من القيادة الديمقراطية: قيادة هادئة، تفاوضية، حذرة، تعتمد على المؤسسات والتوافق وتراكم رأس المال السياسي. وقد أظهرت دراسة أكاديمية في Oxford Academic أن هذا النمط ساعدها على تحويل القيود البنيوية للنظام السياسي الألماني إلى مصدر للقوة السياسية والاستمرارية.

أنغيلا ميركل واحدة من أبرز الشخصيات السياسية الأوروبية في مطلع القرن الحادي والعشرين. بدأت حياتها العلمية في ألمانيا الشرقية كعالمة فيزياء، ثم دخلت السياسة بعد سقوط جدار برلين، وتمكنت خلال فترة قصيرة من الصعود داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي حتى أصبحت أول امرأة تتولى المستشارية الألمانية.

خلال ستة عشر عاماً في الحكم واجهت ميركل سلسلة استثنائية من الأزمات: الأزمة المالية العالمية، وأزمة اليورو، والحرب الروسية الأوكرانية منذ 2014، وأزمة اللاجئين، وبريكست، وجائحة كوفيد-19. وفي معظم هذه الأزمات لعبت دوراً مركزياً في التفاوض الأوروبي والدولي. ولهذا وصفها عدد من الباحثين بأنها إحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً في أوروبا خلال تلك المرحلة.

ومع ذلك، فإن التقييم التاريخي المتوازن لعهدها لا يمكن أن يقوم على النجاحات وحدها. فقد تركت سياستها في الطاقة والعلاقات مع روسيا والصين والدفاع والرقمنة أسئلة استراتيجية أصبحت أكثر إلحاحاً بعد مغادرتها السلطة. كما أن سياسة اللاجئين وأسلوب إدارة أزمة اليورو أثارا انقسامات سياسية واجتماعية لا تزال آثارها ظاهرة في أوروبا.

في المحصلة، تمثل ميركل نموذجاً فريداً في تاريخ القيادة الأوروبية: لم تعتمد على الخطابة الثورية أو القومية أو الكاريزما الجماهيرية، بل على التدرج، والتفاوض، والاستقرار، والقدرة على الانتظار حتى تتشكل الظروف المناسبة للقرار. وقد يكون هذا بالذات هو سر طول بقائها في السلطة، لكنه في الوقت نفسه يفسر بعض الانتقادات التي ترى أن الاستقرار الذي ميز عهدها جاء أحياناً على حساب سرعة الإصلاح والاستعداد للتحولات الاستراتيجية الكبرى.